علي عطا: نبع الكتابة الأدبية واحد

الشاعر والروائي المصري يرى أن لكتابة النثر جماليات تختلف عن جماليات كتابة الشعر.
الخميس 2021/01/07
السارد قد يتماهى مع الشاعر (لوحة للفنان بسيم الريس)

تنفتح تجربة المصري علي عطا الشعرية والروائية على أفق خصب من الوعي الجمالي والفني والإنساني، حيث تتماس رؤاها وأفكارها وتشكيلاتها اللغوية وخيالاتها مع الواقع الحي المعيش انطلاقا من الذات وانتهاء بالمحيط المتداعي بصراعاته وتناقضاته وصداماته. في هذا الحوار مع “العرب” يلقي عطا الضوء على التكوين الثقافي والمعرفي والجمالي الذي شكل هذه التجربة وألقى بظلاله على عوالمها.

في الشعر كما في الرواية تتفاعل روح علي عطا المبدعة مع المهمش والمسكوت عنه في ما جرى ويجري من خلل، لتنسج نصها الجمالي النابض بالحيوية والرؤى الكاشفة للأذى الذي لحق بالإنسانية جراء اضطرابات وارتباكات العالم، تجلى ذلك في الشعر عبر نصوص دواويينه “على سبيل التمويه”، “ظهرها إلى الحائط”، و”تمارين لاصطياد فريسة”، وفي روايتيه “حافة الكوثر”، “زيارة أخيرة لأم كلثوم”، وأيضا المقالات والمتابعات النقدية.

يقول عطا “لم يكن أبي؛ البائع المتجول، وهو بالمناسبة من مواليد حي باب الشعرية في القاهرة، يعرف القراءة ولا الكتابة، لكنه كان يشجعني على مواصلة التعليم، وكان يشتري لي الصحف والمجلات، وبعض الكتب. كانت أمي المولودة في قرية الدراكسة، القريبة من مدينة المنصورة، تفك الخط، وبالتالي كانت حريصة أكثر حتى من أبي، على أن أتعلم وأصبح طبيبا، بما أن الطبيب وقتها، وربما لا يزال، كان يمثل أعلى مراتب الطموح الاجتماعي الذي كان مباحا للفقراء في ذلك الوقت، أي في أواخر سنوات حكم جمال عبدالناصر وبدايات حكم السادات، بما أني مولود في عام 1963”.

البداية بالقصيدة

يلفت عطا إلى أن تكوينه الثقافي ارتبط ارتباطا وثيقا في البدايات بالإذاعة وبرامجها، ومنها “لغتنا الجميلة” للشاعر الراحل فاروق شوشة، و”من مكتبة فلان” لنادية صالح، و”مع الأدباء الشبان” لهدى العجيمي والشعر بصوت حكمت الشربيني، ومسلسلاتها الإذاعية التي كانت تحظى بشعبية جارفة قبل أن يزدهر التلفزيون، وخصوصا مسلسل “ألف ليلة وليلة” الذي كان يحمله إلى عوالم تنشط الخيال وتبهج النفس.

ويتابع الشاعر “الراديو كان نافذتي على أغاني أم كلثوم وفيروز ومحمد عبدالوهاب وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة. كما ارتبطت بالسينما، في وقت كانت فيه مدينة المنصورة حيث ولدت ونشأت تزدهي بعدد من صالات العرض التي لم يعد لها وجود الآن للأسف الشديد. كانت هناك أيضا مكتبة المدرسة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ومكتبة المنصورة العامة، حيث طالعت أعمالا لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم، بعدما بدأتُ بقصص مدهشة ليحيى الطاهر عبدالله”.

علي عطا: الأدب، شعرا كان أو نثرا، يقوم على التخييل بدرجة أو بأخرى، لكن لا يوجد أدب يمكن أن ينفصل عن واقعه
علي عطا: الأدب، شعرا كان أو نثرا، يقوم على التخييل بدرجة أو بأخرى، لكن لا يوجد أدب يمكن أن ينفصل عن واقعه

ويوضح قائلا “وقتئذ بدأت كتابة الشعر. بدأت بالقصيدة العمودية، ثم قصيدة التفعيلة، واقتنيت دواوين لنزار قباني وفاروق جويدة، ولم أعرف صلاح عبدالصبور وأمل دنقل وحجازي وفدوى طوقان ونازك الملائكة، إلا بعد التحاقي بكلية الإعلام في خريف 1982”.

ويفسر عطا اتساع المسافة الزمنية بين كل عمل من أعماله قائلا “انقطعت عن كتابة الشعر لسنوات بعد تخرجي في الجامعة وانشغلت بالبحث عن عمل في أي جريدة، إلى أن وُفقتُ في الانضمام إلى فريق مكتب جريدة ‘الحياة’ في القاهرة في منتصف عام 1989 وكنتُ قد أنهيتُ الخدمة العسكرية قبل ذلك بنحو عام. أخذني العمل الصحافي تماما حيث كنت أجمع ما بين العمل الميداني والعمل في الديسك لنحو 12 ساعة يوميا، وبعد مرور بضعة أشهر تزوجتُ، ثم التحقت بعمل إضافي في وكالة أنباء الشرق الأوسط، فاضطررت إلى توزيع الساعات ما بين عملين مضنيين. ولكن في نهاية 1999، وجدتني في قلب تجربة عاطفية جارفة، أثمرت في أقل من ثلاثة شهور ديواني الأول ‘على سبيل التمويه’، فشعرت كأني ولدتُ للتو”.

ويضيف “ما انقضى من عمري ما كان له أن يكون ذا جدوى ما لم أخض تلك التجربة التي فصلت بين مرحلتين، إذ أنها فتحت المجال أمامي للإبداع على نحو غير مسبوق. لكني واصلت الانهماك في العمل، ومن ثم طالت المدة الزمنية الفاصلة بين ديواني الأول وديواني الثاني، وتلك المنقضية بين الثاني، والثالث الذي صدر في 2013. وإلى ذلك فإنني بطبعي مقل في الكتابة الإبداعية عموما، ربما لأني دائما ما أنتظر أن تقتحمني فانشغل بها عما سواها، لأشعر وكأنها منحة من السماء”.         

وحول ارتباط نصه الشعري بجماليات اللغة وقدرتها على تشكيل نص مفتوح الدلالات، يشير عطا إلى أنه منذ مرحلة الدراسة الابتدائية، ظهر شغفه باللغة العربية وتفوقه فيها، وحرصه على قراءة كل ما يقع تحت يديه حتى ولو كان ورقة تلف أقراص الطعمية برغم بقع الزيت التي تصعب من قراءة ما تحتويه. وبمرور الوقت، وخصوصا بعد عمله في تحرير الأخبار والمقالات، بات الاختزال سمة لما يكتب، وكان ذلك بالطبع مناسبا لجماليات القصيدة الجديدة التي تسمى على نطاق واسع بقصيدة النثر.

يقول عطا “أجد من المناسب أن أصرح هنا بأن لكتابة النثر جماليات تختلف عن جماليات كتابة الشعر. وهذه الجماليات ليست ثابتة، بمعنى أن الأفق مفتوح دائما على جماليات لم نبلغها بعد. ومن هنا يتطور الشعر وكذلك يتطور النثر، فيجد الجديد، إذا ما قورن بالقديم. وعموما فإن النقاد هم الأقدر مني على تلمس تلك الجماليات”.

الشعر والسرد

يلفت عطا إلى أن قوة تجليات الواقع بهمومه وتناقضات مواقفه وأحداثه على نصوصه تأتي انطلاقا من رؤيته بأنه “لا يوجد أدب، شعرا أو نثرا، لا يقوم على التخييل بدرجة أو أخرى. كما لا يوجد أدب يمكن أن ينفصل عن واقعه الاجتماعي والثقافي والسياسي، بشكل يميزه طبعا عن الكتابة غير الأدبية، عبر الخيال الذي سبق أن أوضحت أنه شرط ضروري لأي نص إبداعي”.

ويقول “عن نفسي، قيل إن الشخصي عندي هو الغالب، في الشعر أولا ثم في الرواية. وأذكر في هذا الصدد مقالا كتبه سيد محمود عن أحد دواويني وصفني في عنوانه بأنني شاعر الحيز الشخصي. ولا تَحفُظ لي على ذلك، سوى أن الشخصي لا بد أن له سياقا عاما يسهم في بلورته، وأزعم أني حققت من دون تعمد تلك المعادلة، إذا جاز التعبير، ومن ثم أنتجت مخيالا أو إيقاعا أو فكرة متوهجة على حد ما ورد في سؤالك”.

الواقع المعاش حاضر
الواقع المعاش حاضر

ويرى عطا أن السرد عنده، كما الشعر، قائم على التكثيف والإيجاز، ولغة الشعر يصعب التخلص منها، حتى أننا نجدها في نصوص لكتاب لم يعرفوا أبدا على أنهم شعراء، منهم مثلا إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالحكيم قاسم وميرال الطحاوي، وقبلهم ومعهم نجيب محفوظ، خصوصا في “أصداء السيرة الذاتية” و”أحلام فترة النقاهة”. ويقصد هنا اللغة التي تنتج نصا هو ليس بالضرورة قصيدة، ومع ذلك تجد فيه روح الشعر التي تأخذ بتلابيب الوجدان.

ويؤكد أنه “ليس شرطا أن مَن تحقَق بالشعر سيتحقق أيضا بالرواية. لكن غالبا ما يحدث ذلك، والنماذج في هذا الصدد كثيرة، ودائما ما ترتبط بأصحاب المواهب الحقيقية. لكن قلما نجد من بدأ كاتب رواية، ثم كتب شعرا يعوّل عليه، وينشره. عن نفسي أذكر أن الدكتور جابر عصفور حين كتب مقالا عن روايتي الأولى، اندهشت وقلت لنفسي: لماذا لم يكتب قبل ذلك عن أي من دواويني. صارحته بذلك، مع أنني لست واثقا من أنه قرأ أيا من هذه الدواوين، فقال لي: ربما أنت في الأصل روائي أكثر منك شاعرا، ونصحني بمواصلة الكتابة الروائية”.

الاتكاء على السيرة الذاتية أو بمعنى أدق التكوين الإنساني طفولة وشبابا، شكل مع الواقع المعاش وما يضج به من أحداث، مدخلا مهما لعطا للانتقال إلى عالم الرواية، يقول “اتكأت على سيرتي الذاتية، في روايتيّ ‘حافة الكوثر’ و’زيارة أخيرة لأم كلثوم’، لكن الواقع المعاش حاضر في العملين، خصوصا في ما يتعلق منه بوطأة المرض النفسي وارتباطها بالمناخ العام وإحباطاته السياسية والاجتماعية، التي احتك معها بعمق، سواء لكوني مثقفا، أو حتى لكوني أعمل بالصحافة عموما وبالصحافة الثقافية على وجه خاص”.

ويظن الشاعر بأنه نجح في الاشتباك مع ما يسمى بالتشكيلات الصالحة لخلق عالم روائي، وتجلى ذلك في الاستقبال النقدي لروايتيْه، على مدى السنوات الأربع الأخيرة، حيث ناقش من خلالهما عدة قضايا اجتماعية وسياسية مصرية، وفي مقدمتها كوارث الإسلام السياسي وتبني منظومة الحكم في مصر لخطابه فعليا، أو التواطؤ معه برغم ما تظهره من خصومة تجاهه وصلت إلى حد المواجهة المسلحة، التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء.

وحول رؤية البعض لروايته “حافة الكوثر” أنها جاءت أكثر انفتاحا على تشكيلات العالم من رواية “زيارة أخيرة لأم كلثوم”، يؤكد عطا أن العكس صحيح، حيث “جاءت ‘زيارة أخيرة لأم كلثوم’ أكثر انفتاحا على الهم العام، إذا ما قورنت بـ’حافة الكوثر’، وقد قال بذلك عدد من النقاد، وكما سبق وأن أوضحت فإن في العملين شذرات من سيرتي الذاتية، كتكئة للكتابة القائمة على أن الأولوية هي لما أعرفه وعايشته عن كثب. والقارئ الافتراضي، لا أظن أنه سيتوقف أمام مسألة السيرة الذاتية كما يفعل قارئ يعرفني بحكم الصداقة أو بحكم وجودي في فضاء قريب من دائرة حركته الواقعية. ثم إنك لن تجد أبدا عملا إبداعيا يخلو من أصداء لذات مبدعه ورؤيته الشخصية للعالم وتجاربه الحياتية، حتى لو كان هذا العمل هو حكايات “ألف ليلة وليلة” بما تحويه من عجائبية وخيال جامح”.  

ويرى عطا أن انعكاس التجربة الشعرية على السرد الروائي، وانعكاس العمل الصحافي على الشعري والسردي، أمر يصعب الفكاك منه، ويوضح “ربما تتفق معي في أن السرد بات سمة مميزة لكثير من الأعمال الشعرية الحديثة، ومن ثم فإن نبع الكتابة الأدبية واحد في تصوري، ولكن تخرج منه أشكال عدة للإبداع منها القصيدة والقصة القصيرة والرواية. وأزعم أن تجربتي في العمل الصحافي على مدى أكثر من ثلاثين عاما، أفادتني في الكتابة الأدبية حتى من دون أن أعي ذلك، أو أقصده. وهذا أمر ينطبق على الكثير من الأدباء الذين يعملون بالصحافة هنا وفي مختلف أنحاء العالم. التأثير متبادل بلا شك، فكثيرا ما نجد مقالات وقصصا صحافية مكتوبة بشكل يقربها من الأدب، كما أن هناك أعمالا أدبية لا تخلو من مؤثرات راجعة إلى اشتغال أصحابها بالصحافة”.

15