علي غديري جنرال متقاعد يحلم بجمهورية جزائرية ثانية

منافس بوتفليقة في الانتخابات المقبلة يظهر قدرة فائقة على تحليل الوضع القائم واستشراف المستقبل بدت معالمها في أول خطاب وجهه للرأي العام الجزائري.
الأحد 2019/01/27
مرشح للرئاسة لا يخشى السقوط في صندوق النظام

بعد عمر قضاه في ظل الخدمة العسكرية، تمكّن الجنرال المتقاعد علي غديري من أن يقفز إلى الواجهة السياسية والإعلامية، وأن يحرّك المياه الراكدة في المشهد السياسي المحسوم مبكّرا لصالح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

فبمجرد منشورات على صحيفة محليّة، أثار غضب وردود مؤسسة العسكر، واستقطب اهتمام الطبقة السياسية والرأي العام في الجزائر، قبل أشهر معدودة من الانتخابات الرئاسية في البلاد. مساهمتان نشرهما في صحيفة الوطن المحلية الناطقة بالفرنسية، وحوار أدلى به لنفس الصحيفة، كانا عوامل كفيلة بقذف غديري، من ظل الخدمة العسكرية والتقاعد، إلى الأضواء الإعلامية والسياسية، وكأنّ الأجواء كانت مهيأة لاستقبال الرجل، كرقم مهم في معادلة الانتخابات الرئاسية المقرّرة في الجزائر، شهر أبريل القادم.

لأن الأوضاع السياسية جد حساسة في البلاد، والصراع على المستقبل السياسي في هرم السلطة بلغ ذروته، فإنّ الكثيرين يعتبرون أنّ مضمون منشورات غديري، كان سيمرّ مرور الكرام، لولا الضجة التي أثارتها قيادة المؤسسة العسكرية، التي أصدرت بيانات وتصريحات شديدة اللهجة، للرد على أفكار الرجل وأرائه في المشهد السياسي.

الكثيرون يعتبرون أن مضمون منشورات علي غديري، كان سيمر مرور الكرام، لولا الضجة التي أثارتها قيادة المؤسسة العسكرية، التي أصدرت بيانات وتصريحات شديدة اللهجة، للرد على أفكار الرجل وأرائه في المشهد السياسي

ورغم أن الجنرال المتقاعد، الذي قضى أكثر من أربعة عقود في الخدمة العسكرية، لا يستند إلى مسار سياسي أو نضالي، ولا يمتلك قاعدة حزبية، فإنه استطاع تحريك المياه الراكدة في معسكر السلطة، وتمكّن من أن يرسل إشارات قوية حول وجود تيار داخل المؤسسة التي اضطلعت بصناعة رؤساء البلاد، يعارض استمرار نظام الرئيس بوتفليقة في السلطة، ويشجب الفعاليات النافذة في محيطه.

المفردات الشديدة التي وردت في بيانات وتصريحات قيادة المؤسسة العسكرية، الموالية للرئيس بوتفليقة، قدّمت خدمة دعائية للرجل لدى الرأي العام وبعض الدوائر السياسية وحتى الجيوب الموالية له داخل بعض المؤسسات الرسمية. فتقديمه من طرف الجنرال أحمد قايد صالح، في ثوب “المتربّص بالاستحقاقات المهمة، والجاحد لفضل الدولة”، و”خادم الدوائر الخفية وصاحب الطموح المفرط والفاقد للمؤهلات” أمور أكسبته تعاطفا شعبيا مبكرا.

ولا زالت الدعاية الرسمية تؤدي مفعولها العكسي، والتموقع الانتقامي، يبصم على المزاج السياسي الشعبي في الجزائر، فروح الانتقام من كل ما هو ناتج عن السلطة، يبقى آخر مواقف الشارع للتعبير عن غضبه وسخطه منها، ففي تسعينات القرن الماضي اجتاح الإسلاميون الانتخابات المحلية والتشريعية، ليس لأنهم أصحاب مشروع مثالي، بل انتقاما من السلطة القائمة آنذاك، والآن يستحضر نفس الموقف، ليس اقتناعا بأفكار الرجل، بل لأنه يمثّل قوة موازية لقوة الساسة والعسكر القابضون على دواليب السلطة.

فقدان الأمل وانهيار المؤسسات

المرشح الرئاسي الجديد لا يستند إلى أي تاريخ سياسي، ولا يمتلك قاعدة حزبية. ومع ذلك فقد تمكن من أن يرسل إشارات قوية تعكس وجود تيار داخل المؤسسة العسكرية يعارض استمرار بوتفليقة في السلطة
المرشح الرئاسي الجديد لا يستند إلى أي تاريخ سياسي، ولا يمتلك قاعدة حزبية. ومع ذلك فقد تمكن من أن يرسل إشارات قوية تعكس وجود تيار داخل المؤسسة العسكرية يعارض استمرار بوتفليقة في السلطة

أظهر غديري قدرة فائقة على تحليل الوضع القائم واستشراف المستقبل، بدت معالمها في أول خطاب وجّهه للرأي العام، في شكل رسالة للشعب الجزائري، بمناسبة التعبير عن نيّته في خوض غمار الانتخابات الرئاسية المقرّرة في الـ18 من أبريل المقبل.

وهو ما يؤكد أن الجنرال الحائز على عدد من الدبلومات وشهادتي دكتوراه، يحمل في جعبته دراية واسعة بالواقع الذي تعيشه البلاد، فقد اختصر أسباب ترشحه في “فقدان الأمل وانهيار المؤسسات، فالدولة غاب فيها احترام القانون، وشيخوخة العنصر البشري المسيّر، والظلم الاجتماعي، والنظام الريعي والمحسوبية والرشوة التي تضرب المجتمع في العمق”، وهي حقائق مرّة لا يختلف عليها اثنان في الجزائر، خاصة خلال العقدين الأخيرين.

وذهب أبعد من ذلك، حينما قال “إذا كان انعدام الأمن يهدّد الجزائريين يوميا، فإن استهلاك المخدرات القوية يضاعف اللاأمن. كما أن التحكّم يحول دون بناء الديمقراطية. وأن العشائرية والنهب حوّلا النظام السياسي إلى أولغارشية بأتمّ معنى الكلمة”. وتابع قوله إن "الاستسلام أمام هذا الوضع الذي يهدّد الانسجام الوطني ليس حتمية، ولهذا قرّرت رفع هذا التحدّي بالإعلان عن ترشحي للانتخابات الرئاسية لأبريل 2019".

ويبدو أن غديري كان يفضّل الظل أثناء خدمته العسكرية، فرغم رتبته السامية وشغله لمنصب مدير دائرة الموارد البشرية في وزارة الدفاع في سنواته المهنية الأخيرة، إلا أن العديد من المهتمين بالشأن العسكري، لم يجدوا مسارات واضحة في مساره المهني، ليستندوا إليها في قراءة مشروع ومواقف الرجل.

الجنرال أحمد قايد صالح، رجل صناعة الرؤساء الأول، يكيل لغديري أشنع الصفات بوصفه إياه بأنه "المتربص بالاستحقاقات المهمة، والجاحد لفضل الدولة"، و"خادم الدوائر الخفية وصاحب الطموح المفرط والفاقد للمؤهلات" وهي أمور أكسبته تعاطفا شعبيا مبكرا

واختلف البعض حتى في مسقط رأسه، والمحافظة التي ينحدر منها في شرق البلاد الذي كان مهيمنا خلال العقود الماضية على التركيبة البشرية للمؤسسة العسكرية. وذكر أحد الشهود على شبكات التواصل الاجتماعي، أنه “يعرف شقيقه الراحل الذي كان يملك ورشة لإصلاح كاتمات صوت المركبات”، مما يعكس الخلفية الاجتماعية المتواضعة لغديري، وعدم توظيف منصبه في توزيع الريع على أقربائه، كما هي عادة الكثير من الضباط السامين.

ينقل عن غديري قوله “كنت دائما حريصا على أن يكون مساري المهني، على أساس قناعات عميقة متجذّرة ونابعة من الأفكار التي كانت تسود الوسط الوطني والعمّالي الذي ترعرعت فيه طفلا وشابا، وهذه القناعات التي لم توجّه اختياراتي الأساسية فحسب، بل سمحت لي في صفوف الجيش الوطني الشعبي الذي خدمته مدة 42 سنة، إيجاد الأرضية التي أرست في أعماقي حبّ الوطن وحسّ الواجب نحو الأمة”. ويضيف المرشح الرئاسي “اليوم أعيش، والحمد لله، بمنحة التقاعد، وأجد كل الاعتزاز والرضى في أنني أؤمن بها كل حاجياتي وحاجيات عائلتي، كما كنت بالأمس أؤمنها براتبي الشهري”.

وذهب مقرّبون من التيار الإسلامي الراديكالي المعروف بعدائه للعسكر، على خلفية ما يصفونه بـ“الانقلاب على خيار الشعب في انتخابات العام 1992”، إلى عدم الانتقاد الآلي لكل ما هو عسكري، بعد طرح الرجل نفسه كمتنافس على قصر المرادية.

ودعا معارض سياسي يقيم في لندن ومقرب من جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة، إلى “التريث لمعرفة مواقف وشخصية الرجل، في ما يتعلق بوقف المسار الانتخابي، ودوره في عشرية الحرب الأهلية، والفساد، لإصدار حكم معيّن عليه”، وهو ما يوحي باطمئنان نسبي لدى هؤلاء للجنرال المتقاعد، وهو مؤهّل لاستقطاب الإسلاميين الراديكاليين، الذين يشكّلون وعاء انتخابيا معتبرا، رغم أنه لم يفصح عن تفاصيل برنامجه السياسي.

عسكرة السلطة

وجد بعض ما يوصف بـ“الذباب الإلكتروني” الموالي للسلطة، في الخلفية العسكرية للرجل، مطيّة للتحذير من عسكرة السلطة، واستحضار الأحكام النمطية حول توجّهات أبنائها في فرض أنظمة سياسية شمولية في البلدان التي يستولون على قيادتها، وانتقاد انقياد بعض القوى السياسية والإعلامية والحقوقية، في دعم الرجل تحسّبا للاستحقاق القادم.

وهو ما يوحي إلى أنّ بعض أطراف الموالاة، استشعرت الخطر السياسي الذي يشكّله الجنرال المتقاعد على مرشحها، رغم أن الرجل لا يستند إلى قوى حزبية أو جمعيات أهلية، باستثناء ما يوصف بـ”جيوب” أو امتدادات النخبة العسكرية العاملة أو المتقاعدة داخل المؤسسة العسكرية، الرافضة لاستمرار بوتفليقة في السلطة.

ورغم أن الرجل صرّح بطلبه التقاعد المهني، للرد على من يرددون خبر إقالته العام 2015، في خضم حملة التغييرات التي مسّت ضباطا وجنرالات في الجيش، لاسيما المحسوبين على مدير الاستخبارات السابق الجنرال محمد مدين “توفيق”، إلا أنه أبدى في رسالته للرأي العام مشروع جمهورية ثانية تقطع مع موروث المرحلة السابقة.

الغموض يشوب تفاصيل وهيكلة مشروع غديري السياسي والانتخابي. لكن الترشح المستقل والتعاطي المباشر مع الشعب، لا يغنيه عن إقامة تحالفات مع قوى سياسية في الساحة، خاصة مع القبول المبكر الذي حظي به من طرف بعض الفعاليات، كما هو الشأن بالنسبة لحركة "مواطنة" المعارضة، التي استقبلته في مقرها

ووصف غديري، ترشّحه للانتخابات بـ“التحدّي الكبير”، وقال إنه “خيار لا يمكن أن يتحقق دون مساندة ومشاركة الشعب، وذلك من أجل إعادة النظر، دون تابوهات، ولا يمكن أن يتجسّد إلا في إطار مشروع اجتماعي مبدع متبلور حول هدف واضح وهو القطيعة دون تنكّر”. ومن آرائه أنّ تلك القطيعة مصطلح قويّ قد يقلق على حدّ سواء الأقلية التي تسعى إلى استمرار النظام القائم أو ما تبقى منه لضمان الاستفادة غير الشرعية، كما قد يقلق الأغلبية الساحقة التي وإن كانت تدعو إلى التغيير فهي غير مطمئنة لعواقبه.

يعلّق غديري على مخاوف الجزائريين بالقول “أقول لهذه الأغلبية الساحقة بأن ما يجب أن يخيفنا فعلا هو تلك الآفات وليدة هذا النظام، والتي تدفع بأبنائنا إلى هجرة وطنهم، وتمنع شعبنا من العيش في طمأنينة ورفاهية، ومن التمتّع الكامل بخيرات البلاد، التي يمكن للدولة أن توفرها للجميع وبكيفية عادلة. القطيعة تفرض نفسها على الجميع كمسألة وجودية للأمة، قصد تجديد العهد مع مفجّري ثورة نوفمبر 1954 لإنقاذ الجزائر التي ضحّوا من أجلها بالنفس والنفيس، ومن أجل المضيّ قُدما، والقطيعة التي أنادي بها ليست مجرد شعار لصدم العقول، ولكنها كمنهج لحلّ ناجح ضد كل الآفات التي تهدّد مجتمعنا وأمتنا والنظام الجمهوري، وسنحدث هذه القطيعة دون أي تنكّر لقيم نوفمبر التي نغير عليها كل الغيرة”.

أوراق قوية للعب

غديري ينتمي إلى نمط من العسكريين يفضل العمل في الظل، وهو ما ظهر أثناء خدمته العسكرية. ورغم رتبته السامية، إلا أن العديدين لم يجدوا اتجاهات واضحة في مساره المهني
غديري ينتمي إلى نمط من العسكريين يفضل العمل في الظل، وهو ما ظهر أثناء خدمته العسكرية. ورغم رتبته السامية، إلا أن العديدين لم يجدوا اتجاهات واضحة في مساره المهني

يعتبر المحامي والناشط السياسي مقران آيت العربي أول الشخصيات التي عبّرت عن دعمها لترشيح غديري، من خلال رسالة ذكر فيها “لقد قرّرت، بعد تبادل الحديث عدة مرات مع علي غديري حول الخطوط العريضة لمشروعه، أن أساند ترشحه للرئاسيات وأن أشارك فعليّا في حملته الانتخابية”، وأضاف العربي “في جوّ يسوده القلق والتوتر والاحتراس من المستقبل المجهول الذي ينتظر البلاد على المدى القريب، يأتي هذا الترشح، المعاكس لتيار القوانين القمعية التي وضعها النظام منذ الاستقلال، وجاء ترشّح الجنرال المتقاعد كبادرة خير سياسية من شأنها أن تعيد توزيع الأوراق عن طريق اللجوء إلى الإرادة الشعبية، باعتبارها المصدر الوحيد للشرعية”.

يضرب غديري نوعاً من الغموض حول تفاصيل وهيكلة مشروعه السياسي والانتخابي، فالترشّح المستقلّ والتعاطي المباشر مع الشعب، لا يغنيانه عن إقامة تحالفات مع قوى سياسية في الساحة، خاصة مع القبول المبكّر الذي حظي به من طرف بعض الفعاليات، كما هو الشأن بالنسبة لحركة “مواطنة” المعارضة، التي استقبلته في مقرها، وتبادلت معه النقاش حول مشروعه السياسي.

لا يزال غديري، يحتفظ بكامل أوراقه. وباستثناء فتح المداومة المركزية في أعالي المركزية، لإدارة حملة جمع التوقيعات، وتسمية معاونيه في محافظات الجمهورية للقيام بنفس المهمة، لم يصدر عن الرجل أيّ إضافات أو تفاصيل أخرى، بشأن الجدل المحتدم بشأن الاستحقاق الرئاسي، خاصة في ما يتعلق بغلق اللعبة لصالح بوتفليقة، للمرور إلى الولاية الخامسة. وعودة المرشحين المنافسين مع بقية الجزائريين إلى الصندوق المغلق بأحكام.

8