علي فخرو مؤسساتي بحريني يتمسك بالوقوف في المنطقة الوسطى

الأحد 2017/04/23
مفكر يبحث عن تلك النخبة العربية المفقودة

أبوظبي - منذ قيام الدولة الوطنية في معظم الأقطار العربية بعد الاستقلال تمَّ تصنيف عناصر النخبة لجهة علاقتهم بالسلطة إلى فريقين، الأول تابع لأنظمة الحكم، بغض النظر على صواب أو خطأ ما تقوم به، وفي حالات أخرى -أقلّ سوءاـ مدعّم أو مبرر لقراراتها ومواقفها.

والفريق الثاني رافض يحاول، على قلّته، دفع الجماهير نحو التغيير، ويمثل في الغالب نوعا من المعارضة التي أسهمت، بعد ذلك، في ظهور أحزاب وتيارات. وفي النهاية الأول أصبح جزءاً من السلطة، والثاني ظلّ خارجها.

لكن هناك من شقَّ طريقاً ثالثا حمل تصوراً جديداً لدور المثقف، وتمكّن من تنفيذ أفكاره ضمن موقعه داخل السلطة، وبذلك نأى بنفسه عن التصنيفين الأول والثاني وفرض واقعا جديدا، صحيح أنه لا يمكن اعتباره فريقا ثالثا لقلته العددية وضعف تأثيره، لكنه مختلف عن الآخرين ومن بين عناصر هذا الفريق نجد المفكر والسياسي والأكاديمي البحريني علي فخرو.

الماضي والحاضر والمستقبل

لا يكاد يذكر علي فخرو إلا وتأتي تجربته الثرية لتسير معه، وأحيانا تتجاوزه لتُشكَّل مرفأ للأمان المحلي والقومي، عليه وعلينا الوصول إليه، حتى ليُخيَّل إلينا أن هذا المفكر الذي مزج التنظير بالممارسة، على عكس من سبقوه في تجارب الفكر والسياسة والمؤسسة على مستوى الوطن العربي، يُخفّف من سلبيات حمولة الماضي ويُضخّم من إيجابيات لا تزال تطاردنا واقعا وحلما. وباختصار فإن امتداد الزمن لديه، يشكل تداخل الأبعاد “الماضي والحاضر والمستقبل”، ولذلك فهو لا يولَّي اليوم الزحف ولا يتخلَّى عن مسؤوليته التاريخية.

ومنذ نشاطه، حين عُيَّن وزيراً للصحة في أول حكومة بحرينية في 1972، وإلى غاية اليوم شقّ طريقا مختلفا عن أمثاله وأقرانه في الدول العربية، وتميّز بالثبات في وجه العواصف التي تحاول اقتلاع جذور الأمة، ويحق لي قول ذلك على خلفية متابعتي لنشاطه وكتاباته لمدة زمنية تجاوزت الـ16 عاما، فقد تعرفت عليه لأول مرة في فبراير 2001 أيام الاستفتاء على مشروع الميثاق الوطني في المنامة، ثم تابعتُ كتاباته في الصحافة البحرينية والعربية، وأبحاثه في الندوات والمؤتمرات، وحواراته في القنوات التلفزيونية، ثم تابعت نشاطه في “دوّار اللؤلؤة” خلال الأحداث التي وقعت في البحرين، بدءا من 14 فبراير 2011 في إطار السياق العام للانتفاضات العربية، وفي كل ذلك ظلَّ مُعبَّرا عن دور المثقف المسؤول الذي ينمو الوطن داخله ضمن الرؤية المؤسساتية، كما واصل دفاعه عن قناعاته.

على طريق فولتير

من الناحية العملية أراه مؤسِّساً، كما سبق أن ذكرْتُ في كتابي” أيام لا تنسى في البحرين”، لتلك المنطقة الوسطى بين العلم والسياسة، وفي هذه المنطقة تلتقي النخبة مع العامة، فتُعبّر الأولى عن طموحات الثانية وتجذبها إلى أفق أوسع ثم تدفعها إلى الأمام، ولكي يتم هذا لا بد من توفر شرطين الأول بيئة جاذبة، والبحرين لما فيه من تراكم ثقافي وحسم تاريخي، وسلطة نابعة من اختيارات الشعب عند الاستقلال من بريطانيا، وأقر ذلك دستوريا كما جاء على لسان علي فخرو في إجاباته الجمهور الغفير الذي تظاهر في دوّر اللؤلؤة.

حياته تكشف عن اختياراته. ومن خلال قراءة علي فخرو للمستقبل، مع إدراك تام لطبيعة كل مرحلة، كالحسم في انتمائه القومي، بين الموقف السياسي لزعماء التيار القومي، وبين الهوية المتجذرة في الإنسان العربي، حتى أنه أدرك تناقض حزب البعث العربي منذ ستينات القرن الماضي

والشرط الثاني عناصر نخبة فاعلة وواعية وليس مُهِماًّ العدد وإنما النوعية، وربما هذا ما يبدو جلياًّ في تجربة البحرين، وذلك استناداً لما ذكره لي في حوار معه “تُذْكر النهضات والتغيرات ضمن ارتباطها بمفكرين كبار، مثل ارتباط الثورة الفرنسية بوجود فولتير، أو قبله جان جاك روسو، وهؤلاء لا يمكن مقارنتنا بهم، لكن بالنسبة إلى تجربتنا في البحرين هي نتاج عمل جماعي لا يمكن أن ينسب لهذا التيار أو ذاك”.

غير أنه، وبعيدا عن الشهادة السابقة وما تضمنَّتْهُ من إقرار بالعمل الجماعي من وجهة نظر فخرو، إلاَّ أن هذا الأخير كشف في محطات من حياته عن اختياراته من خلال قراءته للمستقبل، مع إدراك تام لطبيعة كل مرحلة، وهنا نذكر ثلاثة مواقف كبيرة في حياته، كالحسم في انتمائه القومي، بين الموقف السياسي لزعماء التيار القومي، وبين الهوية المتجذرة في الإنسان العربي، حتى أنه أدرك تناقض حزب البعث العربي منذ ستينات القرن الماضي، وعن ذلك يقول في حوار مع إحدى القنوات الفضائية واصفا موقفه بعد تلقيه خبر فشل الوحدة بين مصر وسوريا “كُنْت أسوق سيارتي ذاهبا إلى نيويورك، حيث سآخذ باخرة وأعود بعد أن أنهيت ثلاث سنوات من الدراسة.

وعلى مشارف واشنطن، وأنا أفتح الراديو سمعت عن انفصال مصر وسوريا من اتحادهما العتيد، وهذا كان صدمة كبيرة عليّ كأيّ عربي، إنما الصدمة الأكبر عندما قيل في نفس النشرة إن أحد الأحزاب التي وقعت على وثيقة الانفصال كان حزب البعث العربي الاشتراكي، تلك كانت صدمة كبيرة جدا بالنسبة إليّ، لأني أقدر على أن أتصور أي شيء إلا أن الحزب يضرب أهم مبدأ قام عليه، يعني الاشتراكية ممكن تروح وتعود، والحرية قضية محدود مجالها، إنما الوحدة العربية فهي أساس حزب البعث، وهي أساس الحركة القومية، وأساس وجودها، وهي سبب شرعيتها، فلمّا وقع الانفصال تخليت عن حزب البعث، ولكن لا أزال قوميا إلى الآن”.

ابن المؤسسة الرسمية

أما الموقف الثاني فكان اختياره العمل من داخل مؤسسات الدولة وليس خارجها. وهكذا ولمدة تجاوزت 42 عاما عمل فيها طبقا لقناعاته على تحقيق النهضة والتنمية من خلال جهود متواصلة، لم يستغرقه التنظير ولا كبَّلتْهُ المؤسسات الحكومية، ولا قيَّدتْهُ القوانين واللوائح، وفي الوقت ذاته لم يعمل خارج الأطر النظامية، ومع ذلك فقد اعتبرته المعارضة جزءا من السلطة، فهل هو بالفعل كذلك؟

مواقفه الصريحة والعلنية ومطالبته بالحفاظ على الدولة ووجود نخبة عربية نوعية، بما فيها نقده لمواقف محلية وعربية يراها مناقضة للمصالح العليا للوطن والأمة، في نظر البعض أقرب للسلطة، تظهره مدافعا عنها، وتبرز أن نقده لها لم يكن بالقدر الكافي حين كان وزيرا، وأيضا عدم نقده للسلطات البحرينية حين حلت البرلمان، في سابقة خالفت فيها الدستور

يجيبني عن سؤالي السابق قائلا “الذي يجب أن يحاسب عليه الإنسان هو مواقفه كلها، ولا يستطيع أحد أن يدّعي أنني وقفت يوما مع التأخر أو الجمود، إنما كنت دائما في طليعة المنادين بالتغييرات والعصرية، وبالذات قضية الحرية، التي كانت دائما محل اهتمامي الأول، وقد أحدثت تغييرات واسعة في وزارة التربية، والواقع أنني حين عُدْتُ من الخارج كنت بين خيارين، أن أعمل داخل المؤسسة الرسمية أو من خارجها، ففضّلت الأولى على الثانية، لأنني رأيت أنه في الإمكان تحقيق المطالب الشعبية، وأعتقد أن المنصفين قادرون على التمييز، والقول بإحداث تغييرات من عدمها.. أما بالنسبة إليّ، فأني أرى نفسي قد قمت بأعمال، على الأقل بما هو مطابق لقناعتي لجهة العمل داخل المؤسسة الرسمية، وتلك لا علاقة لها بالموقف السياسي، وإنما هي عمل فكري بالدرجة الأولى”.

القيام بدور المثقف السياسي هو الموقف الثالث في ممارسة قلَّ حدوثها في تجارب الدولة العربية القطرية ولا حتى القومية. إذ على مدار 45 عاما ظل ملتزما بخياراته وقناعته ومواقفه، ناهيك عن أنه تفادى أن يكون جزءا من نخبة تعتمد على رفاهية التنظير، أو على بؤس تحليل الواقع وطبيعة السلطة لتتَّخذ منه هجوما على السلطة، أو على الميل إلى حيث المطالب المتواصلة للعامة، حقا أو باطلا، والتحول من ترشيد الواقع إلى تهويله، كما أنه لم يفقد خصوصية المثقف الواعي لدوره ضمن مؤسسات الدولة، حيث التفاعل الإيجابي مع الاستراتتيجيات والمشاريع والخطط، ولكن برؤيته الخاصة.

هذا ما تبيّنه وظائفه منذ 1972 وحتى 2004 على المستوى المؤسساتي عبر وزاراتي الصحة والتعليم، ثم عبر العمل الدبلوماسي من خلال تمثيله للبحرين في عدد من دول العالم، مثل فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وسويسرا، ولدى منظمات دولية كاليونسكو.

بعد تفرغه للكتابة منذ العام 2004، مزج فخرو على مستوى النشاط البحثي والإعلامي، خاصة في مجال الصحافة المكتوبة بين تجربته السياسية في شقها المؤسساتي، وبين تراثه المعرفي الغني ومقالاته التي تجمع بين السياسة والفكر، وهي من الكثرة بمكان، تبين ذلك، وبين قراءاته النظرية والعملية للواقع العربي، إضافة إلى هذا إسهامه في نشوء دولة البحرين من خلال المنظومة القانونية من منطلق أنه كان عضوَ “لجنة وضع دستور”.

علي فخرو وعلى مدار 45 عاما يبقى ملتزما بخياراته وقناعته ومواقفه، عدا عن تفاديه لأن يكون جزءا من نخبة تعتمد على رفاهية التنظير، أو على بؤس تحليل الواقع وطبيعة السلطة لتتخذ منه هجوما على السلطة، أو على الميل إلى حيث المطالب المتواصلة للعامة، حقا أو باطلا، والتحول من ترشيد الواقع إلى تهويله

وعلى خلفيّة ما سبق، نجده يُذكَّر الجيل الجديد بالاختيارات الكبرى لدولتهم بعد الاستقلال، ويؤكد أنها هي التي تحدّد مسار الحاضر والمستقبل، ويغدق عليهم من تجربته في عدد من المؤسسات المحلية والعربية والدولية التي كان عضوا فيها أو رئيسا لها، أو من أمناء مجالسها، ومنها على سبيل المثال مجلس وزراء الصحة العرب، المكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، جمعية الهلال الأحمر البحريني، مركز البحرين للدراسات والبحوث، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، المؤتمر القومي العربي، مؤسسة دراسات الوحدة العربية، مؤسسة دراسات فلسطينية، إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية، اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة.

ورغم تجربة فخرو الثرية ومواقفه الصريحة والعلنية، بما فيها نقده لمواقف محلية وعربية يراها مناقضة للمصالح العليا للوطن والأمة، إلا أنه في نظر البعض أقرب إلى السلطة، ومدافعا عنها. وأن نقده لها لم يكن بالقدر الكافي حين كان وزيرا، من ذلك عدم نقده للسلطات البحرينية حين حلّت البرلمان في سابقة خالفت فيها الدستور، كذلك يعاب عليه تبرير مواقف اتّخذتها السلطات روعي فيها قرب البحرين من السعودية، من ذلك ارتباطها الاقتصادي الوثيق بها، وتأثير ذلك على قرارات البحرين، لأنها لم ترد أن تصطدم بجهات دينية لها ثقلها داخل السعودية.

كما يعاب عليه أيضا عمومية النقد للأوضاع العربية، وعدم المواجهة من خلال الكتابة بشكل مباشر، وهو نقد يرفضه لسببين. الأول لأنه لا يعتبر نفسه ناشطا سياسيا وبالتالي فلا يُصنف ضمن المؤيدين أو المعارضين لهذا النظام أو ذاك، وإنما هو ينتقد الأخطاء بغض النظر عن الجهة الصادرة منها. والسبب الثاني إصراره على أن كتاباته ليست سياسية، وإنما هي” سياسية فكرية”.

يقول فخرو “إننا في حاجة إلى تكوين طليعة قيادية سياسية ديمقراطية، عارفة بما يجري في العالم، قادرة على أن تستعمل إمكانيات هائلة في هذا العالم، من أجل تحرير هذه الأرض وتنميتها، وهذه القيادة لا توجد في الوقت الحاضر”.

8