علي فرزات: لم أكن صديقا لبشار الأسد وهو من تسلّط على صداقتي

الأحد 2014/10/19
لا أرهن سوريا ولا شعبها لدكتاتور يقتل وراثيا وميؤوس من أن يصبح إنسانا

دمشق – يعتبر علي فرزات واحدا من أبرز فناني الكاريكاتير في العالم، فقد حفر اسمه في قائمة الفنانين المبدعين والمجددين في هذا الفن، ونالت أعماله التي فضحت الدكتاتوريات العربية تقديرا كبيرا في العالم، وقد تميزت بقدرتها اللافتة على نقل هموم وقضايا ومشكلات عالم عربي، يراوح بين الاستبداد الدموي والنكوص الظلامي، وينسحق بشره بين رحى التخلف والقمع السياسي والاجتماعي من جهة، والاستعمار من جهة أخرى. وقد شكلت رسومه خلاصة فنية بالغة الخصوصية والقدرة على إصابة الهدف. وحازت أعماله التي سافرت في مختلف أرجاء المعمورة على الكثير من الجوائز العربية والعالمية.

ولد فنان الكاريكاتير علي فرزات في مدينة حماة عام 1946. درس الرسم في كلية الفنون بجامعة دمشق، ورسم لصحف سورية وعربية وأجنبية. وحصل على ترخيص بإصدار جريدة “الدومري” في عام 2001، وكان ذلك أول ترخيص يعطى لصحيفة مستقلة في سوريا منذ 1963، وشهدت رواجا كبيرا منذ بدء صدورها مع طبع 60 ألف نسخة، إلا أنه نتيجة بعض المشاكل مع السلطات، توقفت الجريدة عن الصدور، بعد أن تم سحب الترخيص منه في عام 2003. العرب كان لها هذا الحوار مع فنان الكاريكاتير الأشهر عربيا.


المبدع بوسطجي


بعيدا عن كل البدايات التقليدية، علي فرزات يفضل أن يقدم نفسه، كفنان، وكمواطن سوري صاحب موقف عبر عنه في الفن، وكمبدع قرأ الثورة، وتلمسها حتى قبل أن تقع، على أنه: ليس أكثر من بوسطجي يوصل أفكاره ومواقفه بأمانة إلى عقول وقلوب الناس، بواسطة الرسم الناقد الساخر.

وفي قراءته للأحداث يضيفُ قائلا: كفنان أعتقد هنا يأتي دور التجربة والممارسة وفهم ما يجري، دون تحكيم السياسة التي هي عادة دون أخلاق، لذلك ألجأ في قراءة الأحداث إلى الضمير الفني الإنساني، مستفيدا من الماضي والحاضر في قراءة المستقبل. وربما هنا تكون الأحاسيس عندي نامية وشفافة في التوقعات كما جرى في توقعي لسقوط بعض الأنظمة العربية القمعية، وسقوط بعض الرؤساء، وما حصل في العالم من تغيرات، وذلك قبل عدة سنوات من وقوع كل ذلك، فالأمر ليس تكهنا بقدر ما هو معادلة رياضية، أو كيمائية ذات طرفين ودوري هو استخراج الطرف الثالث، ولكن بكثير من التمعن في إطار من الضمير والعقل والإحساس، تماما كإنجاز لوحة أو مقطوعة موسيقية”.

تعبير عن حادثة تكسير أصابع علي فرزات على أيدي شبيحة بشار الأسد بريشة فنان الكاريكاتير الفرنسي ميشيل كيشكا

وعن فن الكاريكاتور بالنسبة إلى علي فرزات، كمشروع أو كرؤيا، وما الذي دفعه، إلى الالتحاق بهذا النوع من الفن، وعن واقع فن الكاريكاتور في سوريا، قبل وبعد الحراك السوري الذي آل إلى ما آل إليه يحدثنا قائلا:

“لم أكن يوما أبحث عن نفسي، لاعبا في مساحات أختارها، أو ينتقيها لي أحد، لكنني وجدت نفسي أمتلك أدوات الفن الساخر حتى قبل تعلمي الرسم، وحين أذكر أنني في عمر الـ5 سنوات، كنت أخترع القصص الخيالية، وأنسجها بما يتفق مع نقد أحد الأقارب أو الزوار أثناء السهرات الأسبوعية، التي كانت تقام في بيتنا بحماة. لذلك أقول دائما إن الفن هو روح قبل أن يخرج في إطار الشكل، فتعلم الرسم لا يحتاج إلى أكثر من سنة. أما تعلم روح الفن فتلك موهبة ليس لها تفسير ولا يمكن تدريسها في الأكاديميات”.

ويضيف: “أما واقع فن الكاريكاتير في سوريا والوطن العربي إجمالا، فهو فن يعاني من الوصاية والكبت والاضطهاد ومحاصرة الفنان بتخويفه من السلطات الأمنية وسلطة المدير العام، وسلطات كتّاب التقارير داخل المؤسسات الإعلامية، وتهديده الدائم بلقمة العيش، لا سيما إذا كان صاحب أسرة.. وهذا الأمر يدعوه إلى تقديم التنازلات على حساب الفكرة والمضمون، مما يجعل الرسام يخضع لتلقي الفكرة من رئيسه، مستغنيا عن وجع الرأس، ويصبح منفذا لأفكار الحزب والسلطة، ويتحول تدريجيا إلى مطبل. ولكن هذا لا يعني من أن هناك فنانين خرجوا عن السرب وكسروا القيود، لكنهم دفعوا الثمن. أمثال الفنان الفلسطيني ناجي العلي.


حاجز الخوف


يعتبر فرزات أن فن الكاريكاتير عندما ينبع من وجدان وضمير وعقل، يتحول إلى تسونامي يعصف بمزاج السلطة القمعية، ويفقدها توازنها ويحرك الشارع ضدها، وأفضل مثال على ذلك، انتقاده للسلطة والحزب وأجهزة الملاحقات الأمنية التعسفية، وتدخلها في أدق تفاصيل حياة العباد، وانتقد الحكومة والبرلمان ومافيات الاقتصاد غير الأخلاقي وغير الوطني. كل ذلك وهو في دمشق على موقعه الإلكتروني الذي أنشأه بعد إغلاق السلطة لجريدته الدومري الساخرة 2003.

ويذكر الفنان مؤكدا جملة كان قد أطلقها حينها (فلنكسر حاجز الخوف المزمن منذ 50 عاما من القهر) أن الشارع تجاوب معه حينها، قبل الثورة بـ3 أشهر، حين بدأت المظاهرات في الشوارع ترفع رسوماته بين الهتافات، “الشعب السوري ما بينذل”. واستمر رفع رسوماته واستخدامها من قبل جميع أحرار الثورة في بعض المواقف، والمجالات الإعلامية وحتى الآن، هذا هو دور الفنان، في رأيه، عندما يكون فنانا بمضمون الكلمة، وليس فنانا بنكهة السلطة.

بشار الأسد تسلط على صداقتي وتفاجأت بزيارته لمعرضي ذات يوم 1996 في المركز الثقافي الفرنسي وكان يبدي لي اهتماما خاصا، بسبب معرفته بحب الشارع لي

الفنان والطاغية


عن تحوله من صديق شخصي إلى دكتاتور، إلى أول اسم في قائمة الثائرين على حكمه، يقول فرزات: “أنا لست صديقا للدكتاتور، هو الذي تسلط على صداقتي، حينما تفاجأت بزيارته لمعرضي ذات يوم 1996، في المركز الثقافي الفرنسي، وكان يبدي لي اهتماما خاصا، بسبب معرفته بحب الشارع ومودته لي، فأراد أن يسرق بعضا من وهج الشارع في اتجاهه، لا سيما أنه كان يعد نفسه لتسلم خلافة منصب الرئاسة في المستقبل. فأراد أن يبدو محبا للفن والفنانين والمثقفين، كما كان يبدو حين بات شغله الشاغل التعرف إلى رموز أدبية وفنية وثقافية، لتسويق نفسه أمام الناس وكان يسألني أحيانا، كيف يمكنك قياس نبض الشارع؟”.

ويضيف: “كان يقول حين يراني لا أهتم كثيرا بجوانب آرائه وأفكاره وأنتقدها، وهذا الأمر لم يكن متعودا عليه من “المنحبكجية”، إني أحترمك لأنك لست في حاجة إلي، لكن المرة الوحيدة التي جربت فيها أن أكون استغلاليا للعلاقة بيننا (الاستغلال الأبيض) هو أنني اقترحت عليه فعل التطوير والتحديث الذي كان يردده ببغاويا إلى واقع على الأرض بإصدار قانون يسمح بصدور الصحف الخاصة. وكان أول ثمرة لذلك هو صدور جريدة الدومري الساخرة، التي لم تستمر طويلا بسبب النقد الساخر لكافة جوانب السلطة، بما فيها تماسيحها الضخمة، مع رئيسها وحزبها ومخابراته، وأذكر بأن بشار أدار لي وللجريدة ظهره، وأعطى الأوامر لرئيس الحكومة عبر وزير إعلامها، عن طريق فروع الأمن، بإغلاقها، وتم ذلك بأمر حكومي في 7/7 /2003، منهية بذلك كذبة مستمرة منذ 50عاما، ألخص كل هذا الكلام بفكرة أنني لا أرهن سوريا ولا شعب سوريا وأبيعهما لدكتاتور يقتل وراثيا، ميؤوس من أن يصبح إنسانا.

التسونامية الثورية الراهنة ضد قمع استمر 50 عاما أفرزت أشكالا ونماذج غربانية ذات طباع ضباعية تحلقت حول سوريا تريد نهشها وتمزيقها

وعن الصراع الدائر في سوريا، وأين هي الثورة الآن من الإرهاب، وأين هو الوطن من الاستعمار، وأين هي وحدة الأرض السورية من التقسيم، والدولة المدنية الديمقراطية التعددية، من دولة الخلافة في العراق والشام، وعن مصير سوريا فعلا اليوم وإلى أين نتجه جميعنا يقول فرزات: “عندما أريد التحدث في مثل هذه الحالات، أحبذ استخدام المفردات السياسية، والقياس عليها، لأنها تشبه الوقوف على صابونة في الحمام. لكنني أفضل النظر إليها من منظور إنساني أخلاقي فني. إن 50 عاما من الظلم والقهر، خلقت ثورة بدأت نطفة. وتشكلت لها بعد قليل أطراف ورأس وقلب وعقل، بدأت بالطفولة مرورا بالمراهقة، وبالولدنة وبالشيطنة إلى الرجولة. وستكتسب الحكمة والاتزان والقرار الصائب، وستسترجع الثورة شعارها الذي بدأته (الشعب السوري ما بينذل) و(الشعب السوري واحد)، ولو كان الأمر غير ذلك، لما وصلت إلينا سوريا من رحلة حضارية دامت 10000 سنة، عبر الكوارث والغزوات والانتهاكات، إنني لا أخاف على سوريا من ضباع التقسيم ودعاة الانفصال، فهؤلاء موجودون في حياتنا وحياة كل شعوب الأرض، ويقلقون منامنا أحيانا حينما يمرون على أجسادنا العارية في ليلة صيفية رطبة، نشعر بهم كما لو أن ضفدعة لزجة التصقت بجلدنا. فنقرف ونلقي بها بعيدا”.


هؤلاء الانفصاليون


وعن موقفه من الكرد ومن القضية الكردية بصورة عامة، لا سيما بعد أن وصف من سماهم بـ(الانفصاليين) يوما (بهمجستان)، مما أثار نقمة كبيرة عليه، عند شريحة واسعة من الإخوة الأكراد يؤكد لنا فرزات: “بالنسبة إلى تصريحاتي حول مستقبل سوريا، أقول، في هذه الفترة من المرحلة التسونامية الثورية ضد قمع استمر 50 عاما، ظهرت أشكال ونماذج غربانية ذات طباع ضباعية تحلقت حول سوريا تريد نهشها وتمزيقها، وكل من تلك الغربان والضباع ينتظر دوره في خطف ما تيسر له من جسد سوريا، مستغلين ألمها ومخاضها وتعبها. هنا فقط خرجت بسيف كلامي الناقد المؤلم الساخر، محذرا هؤلاء دون غيرهم من الشرفاء المؤمنين بسوريتهم وبثورتهم، سواء كانوا أكرادا أو عربا أو من قوميات أخرى، وخصصتهم وعزلتهم عن غيرهم وأطلقت عليهم تشكيلة سهامي الكاريكاتورية من التسميات، غير أن مجموعة فقط ممن ارتأوا أن يكون النقد موجها لهم فقط، هم من الأكراد أتباع النظام و”الدفاع الشعبي”، الذي هم أصلا لم يولدوا من رحم سوريا، بل كانوا حملا خارج الرحم، استغلوا كتاباتي المخصصة ضدهم وراحوا يذيعونها في عقول البعض على أنها موجهة للجميع، والبعض منهم أيضا من صدقهم”.

كل الجوائز التي حصلت عليها في العالم كانت ارتدادا للجائزة الكبرى، وهي محبة السوريين لي في بلدي

يتابع قائلا: “لكن السواد الأعظم من السوريين الأكراد هم من قاموا بتفكيك حقد الغربان والضباع، ونشروا كلامي مؤيدين له، ضمن بيانات أصدروها يضعون فيها المعاني في أماكنها والنقاط على الحروف الصحيحة، وأفشلوا كل النوايا المنسلة من جحور الغربان والضباع، ورفعنا كلنا معا نحن السوريين الذين عشنا على أرض سوريا منذ10000آلاف سنة، قبل أن تكون هناك قوميات وتسميات وملل ومذاهب وأديان، راية شعار (الشعب السوري واحد واحد). كما أن الأكراد عانوا من طغيان النظام، فنحن أيضا عانينا منه، والآن بات على الجميع أن يفكر بكامل حقوق السوريين دون نقص أو ميلان في ميزان العدالة المدنية والحقوقية والديمقراطية والحرية والتعددية وسوريا للجميع. ولتنعق الغربان ما تشاء وتجعر الضباع ما تشاء، في مكان بعيد عن سوريا يليق بهم، ولن نتدخل فيما يقررون بعد ذلك، ويا دار ما دخلك شر”.

أخيرا، حصل الفنان على فرزات على عشرات الجوائز والميداليات الذهبية العربية والعالمية، ولكن ما هي الجائزة التي يحلم بها، يقول :”كل الجوائز التي حصلت عليها في العالم كانت ارتدادا للجائزة الكبرى، وهي محبة السوريين لي في بلدي، ثم الإنسان في كل مكان مهما كان بعيدا”.

12