علي مولى: الدستور الإيراني لم يأت إلا لتثبيت موقع الولي الفقيه

هل كانت دولة الفقيه الولي ثأرا باهظ الثمن من مسار العلمنة الذي قادته الملكية الشاهنشاهية؟ وهل سقط كل الرهان الحداثي؟
الخميس 2020/05/21
إصرار على البقاء في التاريخ

التداخل المريب بين الدستور الإيراني والأيديولوجيا الشيعيّة السائدة منذ انتصار ثورة عام 1979، جعل الدولة في إيران تتأرجح بين ادعاء الديمقراطية نصا، وبين القبوع في مرحلة الدولة الثيوقراطية فعلا ونصا، ولذلك شرعت الإسلاموية الإيرانية في تنمية قابلية المسلمين للدخول في حروب المذهبيات الإسلامية. وهي القضية التي تناولها الباحث التونسي علي الصالح مولى في كتابه «الإسلاموية الشيعية.. السياق والأسس والخصائص».

أكد الأستاذ المحاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانية علي الصالح مولى أنّ الإسلاموية الشيعية الإيرانية التي تتبنى المذهب الاثني عشري أصبحت تتحكم في مصير العدد الأكبر من جمهور الشيعة، باعتبار أن هذا المذهب هو الأوسع انتشارا بينهم. وقال “لما كانت هذه الإسلاموية إسلاموية دولة لها سلطة ونفوذ وقرار في محيطها الإقليمي وفي الفضاء الدولي، ما كان مستغربا أن تدخل في تنافس مع مركز الإسلام السني، المملكة العربية السعودية، لتنمية قابلية المسلمين للاندراج في ما يُمْكن تسميتُه بحروب المذهبيّات الإسلاميّة. وهنا تكتسب الإسلاموية وظائف أخرى، منها أن تكون ذراع فتنة وفوضى وانتقام تحت تصرف هذه الدولة أو تلك”.

وقارب مولى في كتابه “الإسلاموية الشيعية.. السياق والأسس والخصائص”، هذه الإسلامويّة من جهة مصطلحاتها ومرجعيّاتها وسياقات نشأتها ومسارات تطوّرها ومنزعها التأويليّ والمآل الذي انتهتْ إليه، ليرد الكتاب الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، في أربعة فصول. توجه الأوّل إلى البحث في شبكة المصطلحات التي تَنتظم داخلها مجموع الأفكار والتصورات والمبادئ والقيم التي نَعدّها الأعمدة المركزية التي قامت عليها الأيديولوجيا الشيعيّة عموما واستثمرتْها على نحو فعّال الإسلامويّة الاثناعشريّة، وبنتْ بها معمار أطروحتها في العقيدة والسياسة والدولة.

علي الصالح: الاثناعشرية تتحكم في مصير العدد الأكبر من جمهور الشيعة
علي الصالح: الاثناعشرية تتحكم في مصير العدد الأكبر من جمهور الشيعة

وانصرف الفصل الثاني إلى الإحاطة باتجاه هذه الإسلامويّة التأويلي والبحث في مستنداتها والكيفيات التي انتصرت بها على الاستضعاف والانتظار التاريخيّيْن والعقائديّيْن في آن. حيث كان العمل في هذا الفصل موجّها نحو الفقه الشيعيّ المجدّد. ولم يكن بالإمكان إلا تخيّر كتاب الخميني “الحكومة الإسلامية” لرصد مقدّمات التجديد ومادته وأهدافه. فهذا الكتاب معدود عند المختصين أبرزَ ما أنتجتْه التأويليّة الإسلاموية الاثناعشرية.

وتكفل الفصل الثالث بتجريب تلك المدونة واعتمادها قاعدة تشريعيّة. حيث تابع الباحث تصريف ما تضمنه كتاب “الحكومة الإسلامية” في دستور جمهورية إيران الإسلامية بعد أن نجحت الإسلاموية الشيعية الاثناعشريّة في السيطرة على مقاليد السلطة. لتكون أسسُ الدولة الدينية ونظام عملها والقيمُ المنتجة لها ومستقبلها مطالب أساسية يحاول أن يقدم في شأنها بعض الإجابات.

وفرض منطق الدولة الإسلاموية تخصيص الفصل الرابع للجغرافيا السياسية والعلاقات بين الدول، والاهتمام بالتنازع بين الحوزة والدولة في المجال العراقي – الإيراني، وانشغلنا بالولاء المذهبي أَيكون للدولة أم للمرجعية. وفي الأثناء تم التعامل مع مسألة تصدير الإسلاموية انطلاقا من هذا السؤال: إلى أي مدى يمكن إنتاج مرجعية شيعية وطنية؟

وأضاف مولى “لئنْ كانت أيديولوجيا الانتظار التي فرضها فقدان الإمام الثاني عشر قد أوقعت الناس في سلبية أوشكت أن تُخرجهم من التاريخ، فإن بعض المحاولات للخروج من مأزق الغيبة وتفتيت معقوليتها آتت شيئا فشيئا أُكلَها. كان ثمة اتجاه تأويلي لصالح الجماعة الشيعية المحتاجة إلى من يُجيب عن أسئلتها اليومية، ويشعرها بأن الانتظار ينبغي ألا يكون ظلما يُضاف إلى الظلم الأول. وكانت ولادة الفقيه بمنزلة الثورة في نظام الفكر الشيعيّ الإمامي الاثنيْ عشري”.

ورأى أن “كلّ ذلك كان تاريخا انتظمتْ مادتُه الوفيرة في سردية متقنة الصناعة، غيْر أنه لم يكن مجرد تاريخ تُسْرَد وقائعُه فحسب؛ فالتاريخُ في الأيديولوجيا الشيعيّة حاضر ومستقبل. ولذلك نودّ أن نؤكّد أمرا هو أنّ الإسلامويّة الشيعيّة الاثنيْ عشريّة، على خلاف الإسلامويّات السنية، هي نفسها تقريبا المذهب الاثناعشريّ خاصّة في شقه الاجتهادي المنتهي إلى أطروحة ولاية الفقيه المستوطن في إيران اليوم”.

وأوضح مولى “لا يستطيع الباحثون في الإسلامويات السنية موضوعيا أن يعودوا بها إلى أبعد من ابن تيمية (1263 – 1328م)، وإنْ توسطوا جعلوا محمد بن عبدالوهّاب (1703 – 1791م) مَرجعا لها. وقد يحرمها بعضهم من أي نسبة إلى التاريخ فيجعلها بلا أصل، سوى أنّها منتوج هذه المؤامرة الدولية أو تلك. وهي فوق ذلك إسلامويّات نشأت نشأة احتجاجية على مجتمعاتها وحكامها. وليس هذا شأنَ الإسلاموية الاثنيْ عشرية. فقد نشأت، منذ أن نشأت، حافظة وجود الشيعة، قائدة لهم، مُجسّدة انتظاراتهم وقد أقامت لهم دولتهم التي استعادوا بها حقّهم المسلوب”.

واعتبر مولى “دولة الفقيه التي أفرزها الاستفتاء الشعبي عقِب الإطاحة بالحكم الملكي، تجسيدا عمليا لنظرية الحكم التي أقام قواعدها الاتّجاه الاجتهادي المنتصر لمبدأ أنه لا يخلو زمان من إمام. وكان الدستور الذي بلور من الناحية التقنية قواعد التحكم في السلطة مثالا على الطريقة التي يَبني بها العقل الديني فلسفة الحكم ومصادر الشرعيّة. فقد رأينا أن دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يأت إلا لتثبيت موقع الولي الفقيه وشرعنة سلطته قانونيا، بعد أن حظيت باجتهاد فك عن الفقيه كثيرا من القيود التي كانت تمنعه من القيام بالوظائف المخوّلة للإمام دون سواه”.

نظام طائفي بامتياز
نظام طائفي بامتياز

وتابع “البحث ساقنا إلى الوقوف على علامات كثيرة إن مرّ بها قارئ متعجل هُيّئ له أنها دالة على انتماء هذه الدولة إلى الأفق الحداثي عامّة، والديمقراطيّ خاصّة. فقد كان الإلحاح على الانتخاب آلية متواترة في مواد كثيرة من الدستور. وكانت قائمة الحقوق والحريات المكفولة بنص الدستور مغرية أيضا، غير أنّ التأني ينقض هذا الوهم. فآلية التعيين كانت القوة الضاربة التي تفرض أن تكون فلسفة الحكم وأدواته في قبضة المرشد الأعلى النائب عن الإمام المعصوم. وقد أدى بنا ذلك إلى تقرير أمر وهو أن الدولة التي صنعتها الثورة دولة ذات هويّة مُلْتَبسة، فهي من جهة مطبوعة بطابع حديث بدليل البنود الدستوريّة الكثيرة التي تصبّ في مصلحة حماية الحقوق العامّة والفرديّة، وهي من جهة أخرى مطبوعة بطابع ثيوقراطي يكبح كلّ نزعة للإفادة من تلك الحقوق ويضع دون الحالة المدنية خنادق جمة.

وشدد مولى على أنّ وقائع الأرض ومحصول الدراسات المتخصصة في هذا الميدان لا تمنح هذه الإسلامويّة الشيعية فرصا حقيقية للتمدد عقائديا، غير أن تملكها بالدولة وامتلاكها قوّتها اللينة والصلبة في فضاء جغراسياسي غير مستقرّ جعلها تنافس دول الجوار من زاوية أخرى. ونظن أنّ هذه مسألة لم تَلق الاهتمام اللازم من المتخصصين في الدراسات الإسلامويّة، نقصد أنّ إسلاموية الدولة غيرُ إسلاموية الحركة.

فإذا كان مَطلبُ الحركة هو الوصول إلى الدولة، فمطلب الدولة الإسلاموية هو أن تَكُونَ مشروعا لدولة العالم الكبرى؛ أيْ دولة المهدي. وحين اقترحنا الاشتغال بالحوزة في العراق، فلأنها من العناصر الأساسية لدراسة سلوك الدولة وليس سلوك الحركة. وقد تمكنّا، في هذا الإطار، من بلورة التصوّرات الكبرى التي تحكّمت في العقليْن الحوزوي والدولتي. وانتهينا إلى خلاصات منها أنّ العراق الغني بتنوّع نسيجه المجتمعي لم ينخرط في مأزق “تطييف” وجوده الهووي إلا في السياق الجيوسياسي المعاصر حيث كان التنافس قويا من أجل التموقع في خارطة الخليج بين القوّتيْن العروبيّة – البعثية، والإيرانية – الفارسية.

واختتم مولى معلقا على ما جاء على لسان داريوش شايغان “إن أحداث إيران الفريدة من نوعها في العالم الثالث طرحت، بإلحاح استثنائي، راهنية ظاهرة جديدة، على الأقل بالنسبة إلى نهاية القرن العشرين. هذه: الانبعاث السياسيّ لطبقة الكهنة المغلقة، التي كان يُظَن أن العلمانية المنتصرة في العالَم قد حاصرتها إن لم تكن حيّدتها”.

ويقول “من داخل سياق هذا القول المستفز، لا يمكننا إلا أن نتساءل عن مآل تجارب التحديث التي خاضت غمارها حكومات عربيّة وإسلاميّة كثيرة مباشرة بعد تأسيس الدولة الوطنيّة: هل عصفت بها الأطروحات الإسلامويّة؟ وهل كانت دولة الفقيه الوليّ ثأرا باهظ الثمن من مسار العلمنة والتحديث الذي قادته الملكية الشاهنشاهيّة؟ وهل سقط بسقوط المَلَكيّة كلّ الرهان الحداثيّ؟”.

13