علي نعمة يرسم روح الماضي العراقي بفرح الحاضر المفقود

علي نعمة، فنان عراقي شاب فرض وجوده في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر، هو سليل عائلة قدمت ثلاثة وجوه فنية مؤثرة في التشكيل العراقي الحديث، فهو الأخ الأصغر للفنان رياض نعمة وتحسين نعمة، حيث كل منهما اشتغل على وجهة مختلفة في التعبير والأسلوبية، واختص الفنان علي نعمة بالاشتغال بجهد إبداعي على ضفاف واقعية تحمل سمة التفجير اللوني وإيجاد مقاربة إبداعية تجعل من الواقع أقرب في إبهاره لعين المشاهد.
الجمعة 2017/12/08
الواقع العراقي بعين العاشق

مانشستر (المملكة المتحدة) – تحتفي أعمال الفنان العراقي الشاب علي نعمة بالأجواء الواقعية والرموز الشرقية والبغدادية خاصة، مع الاشتغال على جمالية الإبهار المشهدي دون التقيّد بروح الواقع الجامد، بل يضيف له لمسات لونية تجعل منه أكثر تأثيرا في متعة الفرجة التشكيلية ليجعل المشاهد يحلم بروح الماضي بفرح الحاضر المفقود، أزقة وخيول ونساء بغداديات وحالات عشق ووجوه ذات حضور في الذاكرة الشعبية، هي باختصار مفردات وثيمات لوحات الفنان، ومع ذلك هو لا يخفي تأثره الواضح بنهج رواد التشكيل العراقي من أمثال فائق حسن وغيره من رواد الواقعية في التشكيل العراقي.

وهنا لا يمكن أن نهمل الإشارة إلى التأثير النسقي وتطابقه مع الواقع، فالعمل الفني عنده مبني أساسا على كونه نتاج إرادة واعية في الصياغة والتكوين البنائي العام للوحة متأتيا من نمط إدراك إبداعي مرتكز على مخزون المدرسة الواقعية التي بدأ بها مشواره الفني، وبقي محافظا على روحها حتى وصل بها مراحل متقدمة من الإتقان الحرفي والسيطرة اللونية، حتى عرف بأسلوبه المتميز عن كل أقرانه.

وأعمال نعمة الإبداعية ما هي إلاّ محاولة لفتح أفق جديدة أمام منجزه الفني والجمالي في توظيف مضمون الشكل الواقعي في خدمة الخطاب التأويلي والجمالي، عبر دراسة المفردات اليومية المؤلفة للمحيط الإنساني وما يدور في فلكها من أشياء. ويمزج الفنان الشاب في أعماله بين العديد من الثيمات حد الاختلاط والذوبان تاركا للفراغ الملون والرموز المرافقة للواقع بعدا إيحائيا، يشكل اللون فيه سطوة السطوع من أجل إيجاد التوازن والتوافق التكويني وخلق المعنى الإشاري للرمز الشيئي المتراكم والمتداخل والذي يتحول إلى ارتسامات باطنية ذات طابع جمالي سيكولوجي يستوحي علامات خارجية ويعيد صياغتها وفق نسق فكري إنساني واضح المعالم.

ويقوم علي نعمة بعملية تفكيك منتظم وواع للعناصر المكونة للموضوع إلى أجزاء ويذيبها في البناء الشكلي للوحة، فهو إذن لم يحاول التعمّق في دراسة الجذر الواقعي في البنية التصويرية محاولا تهشيم بعض الملامح الخارجية من أجل إعادة بناء المفردات التشكيلية وفق نمط آخر يقترب من الواقع وليس مغايرا له، كما أنه في الوقت ذاته لا يرتمي في حضن التجريد المجاني للواقع والأشياء، بل يحاول جاهدا أن يعيد صياغة الواقع المتخيّل لإبراز الهم الإنساني ومعالجة همومه بشكل يبتعد عن مباشرة الواقعية والتشخيص التفصيلي، مرتكزا إلى التشخيص الرمزي التفاعلي المتراكم بتركيبات شكلية لخلق الصورة الموحية ذات الدلالات المتعددة عبر إيجاد مجموعة من العلاقات بين مختلف عناصر التكوين وربطها بمفهوم تكاملي، قد يكون قريبا في بعض الأحيان منه.

لكنه بالتأكيد منظم بشكل قصدي ويرتكز على مرتكزين أساسيين؛ الأول هو النصية التي تمثل العوالم الداخلية للمبدع بخطابه الجمالي عبر اللون وخلق وإعادة تركيب الأنساق المصغرّة كمفردات مكوّنة للعمل الفني، حيث يتجسّد الوعي داخل الشكل واللون، إذ يندمج في حالة نوعية، فاللون الحار مثلا والذي يغرق مساحات واسعة من لوحاته يحمل خصوصية حرارة اللون وكمونه البصري ويحاور ما جاوره من ألوان ليعطيها بعدا تمثيليا ورمزيا أكثر إيضاحا للقصديّة التي تحدثنا عنها.

دلالات اللون وثيمات الإنسان بيومياته حالة جوهرية عند الفنان، فهي دلالات ديناميكية تحاول تنشيط العملية التأويلية للمتلقي

أما المرتكز الآخر، فهو البعد الخارجي الذي يجسّد ويستوعب الخطاب النقدي الذي يريد الفنان طرحه فكريا والمستوحى من أصول متعدّدة يختزلها في إطار تفاعل قصدي فاعل وديناميكي عبر نزعة تصويريّة تتسم بالاقتراب من الواقعية وإن غلّفها في بعض الأحيان بغموض من نوع خاص، وبأسلوب يتيح للخيال أقصى درجات الحرية وإعادة تشكيل الأشياء وفق منطلق العقل الباطن، وبتراكيب متداخلة لخلق عالم آخر بمنظور يجمع بين عالم الواقع ويتجاوزه إلى ما يمكن أن نسميه “ما بعد الواقع” في شعور المتلقي.

ولا شك أن دلالات اللون وثيمات الإنسان بيومياته حالة جوهرية عند الفنان، فهي دلالات ديناميكية تحاول تنشيط العملية التأويلية للمتلقي، حيث يترك الفنان العنان للطاقة الذاتية للانعتاق في التعبير التلقائي ومحاولة إسقاطها على الواقع الخارجي بنزعة احتجاجية واضحة تبرز ما يتعرّض له الإنسان من معاناة.

ويبدو علي نعمة في النهاية، أحد المبدعين الذين يريدون أن يكونوا واعين بفنهم، مساهمين قدر المستطاع في رفع الاستلاب عن الإنسان، فما وظيفة الفن عنده إلاّ الكشف عن دلالته المتمرّدة، حيث أعماله تعبّر عن موقف ورؤية ممّا يحدث في هذا العالم، وبوعي استطاع الفنان العراقي الشاب أن يحاصر المنهج النصوصي والشكل ذا النزعة الظاهرية ليطوره بعيدا عن الشكلانيّة والقراءة الحرفية الجامدة للشكل والواقع، عبر حرفية دمجت التشبيه والتجسيم بأجواء اللوحة، كما أدخلت السطح المؤثر والتفكيك القيمي إلى جسد اللوحة بشكل لافت ومميّز.

17