علي يحيى عبدالنور عرّاب حقوق الإنسان في الجزائر يطفئ شمعته المئة

البحث عن نخبة العقلاء العربية المفقودة.
الخميس 2021/01/28
عبدالنور سياسي مخضرم شق طريقه بين ساسة العقلاء

لم يمنعه التقدم في السن ولا ضغط السلطة، وتهديده بالطرد من مسكنه المتواضع في العاصمة، من الالتحاق المبكر بحراك الشعب الجزائري في فبراير 2019، فكان بذلك واحدا من الرموز الوازنة التي ألهمت ثورة الابتسامة في الجزائر. وقد احتفى الأنصار والمهتمون بحقوق الإنسان في الجزائر، بإطفاء رمز النضال السياسي والحقوقي المحامي علي يحيى عبدالنور شمعته المئة، قضى منها ثمانية عقود في الدفاع عن بلاده من الاستعمار والاضطهاد، وعن حقوق الإنسان والمظلومين، فرافع عن العلمانيين والإسلاميين على حدّ سواء، وأسس لأول تنظيم حقوقي مستقل بالجزائر.

يرفض التكريم

عبدالنور لم يتفاعل مع إعلان تكريمه من قبل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، التي تنفي يوميا وجود معتقلي رأي في الجزائر، وكأن الشباب والنساء المضربين عن الطعام في مختلف السجون، قد ارتكبوا جرائم حق عام، ولذلك كان صمت الرجل عن “التكريم”.
عبدالنور لم يتفاعل مع إعلان تكريمه من قبل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، التي تنفي يوميا وجود معتقلي رأي في الجزائر، وكأن الشباب والنساء المضربين عن الطعام في مختلف السجون، قد ارتكبوا جرائم حق عام، ولذلك كان صمت الرجل عن “التكريم”.

ورغم ظروفه الصحية الصعبة، إلا أن عبدالنور أبى إلا أن يكون ضمن شخصيات مستقلة توصف بنخبة “العقلاء” أسدت النصح للسلطة في ذروة الاستقطاب الحادّ بين الشارع وبين قيادة الجيش التي انفردت بالمشهد بعد تنحّي الرئيس بوتفليقة.

ولأن مبادئ الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، هي عقيدة الرجل الذي وهب حياته لها، فقد كان حاضرا بتوقيعه على بيانات الحظ الأخير الصادرة عمّا كان يعرف بمجموعة “العشرين”، أو الشخصيات المستقلة كأحمد بن بيتور، وطالب الإبراهيمي، التي طالبت سلطة العسكر بإشاعة أجواء الطمأنينة السياسية، قبل الذهاب إلى أي مسار انتخابي، ليبقى واحدا من النماذج النادرة في الجزائر في تجربة ثرية تستحق أن تكون مصدر إلهام للأجيال الصاعدة، فقد رسم لحياته مسارا متفردا، حيث طلّق مزايا وامتيازات المناصب الحكومية، وتنازل عن منصب وزير في مرتين، من أجل أن يتفرغ للمحاماة، ورغم أنه تدحرج بين القمع والسجون في سبيل رسالته، فإن قدسيّة الحق الإنساني لم تمنعه من الدفاع عن العلمانيين كما دافع عن الإسلاميين، ومن المساهمة المستفيضة في طرح حلول الأزمة السياسية في بلاده منذ حقبة العشرية الحمراء.

ولم تُثنِه لا ضغوط السلطة ولا مناورات العصا والجزرة، ولا تقلبات رفاق الدرب عن الطريق التي اختارها لحياته، رغم الفاتورة الباهظة التي دفعها لأجل ذلك. ولهذا ربما لم يتفاعل عبدالنور، مع إعلان تكريمه من قبل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، التي تنفي يوميا وجود معتقلي رأي في الجزائر، وكأن الشباب والنساء المضربين عن الطعام في مختلف السجون، أو القابعين في الزنازين الباردة، دفاعا عن حقهم في إبداء رأيهم، قد ارتكبوا جرائم حق عام، ولذلك كان صمت الرجل عن “التكريم”، هو جواب لمن يريدون إرباك عقيدته الراسخة.

التوقيع على بيان يدعو إلى التكتل ضد السلطة، آخر نشاط لعبدالنور برفقة أحمد طالب الإبراهيمي ورشيد بن يلس، وهو الذي عرف الجزائر جيداً عبر مؤلفاته الهامة مثل "الجزائر، أسباب وحماقة حرب"

ويقول عارفون بشخصية الرجل، إنه لو كان في وضع صحي يسمح له بالكلام لردّ على بوزيد لزهري بنفس أسلوب الرفض الذي سبق له أن ردّ به على الرئيس الراحل هواري بومدين، حين عرض عليه الانتقال إلى الإقامة في فيلا من الفيلات الفاخرة بالعاصمة، بعدما منعهما صراخ الأطفال وضجيجهم، من الاستماع إلى بعضهما البعض في الشقة المتواضعة حيث كان يقيم، وزاره حينها رئيس الدولة في بيته، ولما أمر مساعديه بتجهيز فيلا وأمره بالانتقال إليها فورا، رفض الأمر وآثر البقاء في شقته. وهي الشقة التي هدّد بالطرد منها بإيعاز من رئيس الحكومة السابق المسجون أحمد أويحيى، خلال السنوات الماضية، لولا حملة التضامن والتنديد التي خاضها الجزائريون ضد مناورة أويحيى، الذي كان يريد إلحاق إهانة برمز النضال من أجل حقوق الإنسان.

المناضل المخضرم الذي تنازل عن الوزارة وتفرغ لدراسة الحقوق وبداية مرحلة جديدة في حياته المهنية والنضالية، كان ضمن الرعيل الأول المؤسس لحركة الثقافة البربرية، كسعيد سعدي وفرحات مهني، ومعطوب الوناس، وهو ما كلفه حينها السجن والإبعاد من رابطة حقوق الإنسان، فاتجه إلى تأسيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المستقلة.

ورغم قناعاته السياسية والأيديولوجية القريبة من التيار الديمقراطي الحالي، إلا أن الرجل كان في طليعة المدافعين عن قيادة جبهة الإنقاذ الإسلامية في مطلع تسعينات القرن الماضي، رغم المسافة السياسية البعيدة بينه وبينهم، لاعتقاده بأن ما قام به العسكر لوقف المسار الانتخابي آنذاك، هو انقلاب على إرادة الشعب، وأن الجيش كان قادرا على حفظ وصيانة الديمقراطية بدل وأدها، لأن الشعب الذي انتخب الإسلاميين، كان سيغير موقفه حتما، مؤكدا بذلك مبدأه الراسخ في الدفاع عن المعارضين السياسيين باختلاف ألوانهم وخلفياتهم.

العنف وخارطة الطريق

ضغوط السلطة ومناورات العصا والجزرة وتقلبات رفاق الدرب لم تُثنِه عن الطريق التي اختارها لحياته، رغم الفاتورة الباهظة التي دفعها عبدالنور لأجل ذلك

برز عبدالنور بشكل لافت في ندوة “سانت إيجيديو” الشهيرة، حيث كان إلى جانب نخبة من كبار ساسة الجزائر، على غرار حسين آيت أحمد، عبدالحميد مهري، أحمد بن بلة، وقياديين في جبهة الإنقاذ، حين تمّ توقيع وثيقة سانت إيجيديو، التي تضمنت خارطة طريق للخروج من الأزمة السياسية التي أفرزها وقف المسار الانتخابي.

تضمنت تلك الندوة اجتماعين هامين لقادة سياسيين، وقد سمّيت بذلك لكون الجمعية الإيطالية التي كانت تشتغل على حلحلة الأزمات السياسية والنزاعات الدموية، دعت هؤلاء واحتضنت الاجتماعين في مقرها بروما عام 1995، بعدما أوصدت جميع أبواب العمل السياسي في الجزائر، وذلك بغية بلورة خارطة طريق سياسية، تحدثت عن رفض العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، ووقف حمام الدم في البلاد، غير أن موقف السلطة كان سلبيا وتم رفض المبادرة “شكلا ومضمونا” بحسب تعبير وزير الخارجية آنذاك أحمد عطاف، فانهمرت حمامات الدم وسقط ربع مليون جزائري في حرب أهلية لا تزال تداعياتها قائمة إلى الآن.

ومع ذلك لم يتوقف عن أداء رسالته، فظهر في كل الفعاليات المناهضة للسلطة القائمة، خاصة خلال العقدين الماضيين، ولا يزال الرأي العام يتداول تلك الصورة التي يظهر فيها جسمه النحيف بين قبضتي رجلي أمن في مظاهرة انتظمت عام 2011 ضد نظام بوتفليقة. ولأن الأمل يدفعه دوما من أجل تحقيق تغيير سياسي ديمقراطي في البلاد، فقد كان ضمن مختلف المبادرات السياسية التي أطلقتها المعارضة السياسية خلال السنوات الماضية، على غرار تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، وتنسيقية التغيير الديمقراطي.

وكان من منتقدي تفرد العسكر بالمسار السياسي في المرحلة الجديدة، ولاسيما في ما يتصل بالالتفاف على مطالب الحراك الشعبي، معتبرا أن عمل هيئة الحوار والوساطة التي قادها رئيس البرلمان السابق كريم يونس، إنما تعمل بإيعاز من قائد الجيش الراحل الجنرال أحمد قايد صالح. وذكر أنها “لا تسير في الاتجاه الصحيح للاستجابة لطموحات المواطنين، وأن الأجدر هو البحث عن سبل أخرى لتحقيق المطالب التي يرفعها ملايين الجزائريين كل يوم جمعة”، في ردّه على وفد الهيئة الذي زاره في بيته. ولم يتوان عن التعبير لضيوفه عن “قلقه إزاء الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تمر به البلاد، أمام إلحاح المطالب الشعبية منذ عدة أشهر على إقامة نظام سياسي ديمقراطي وشرعي”، وهي رسالة واضحة منه إلى سلطة تتجاهل قناعته التي يتقاسمها معه الكثير من الجزائريين.

مأزق الهوية المستمر

الرأي العام الجزائري لا يزال يتداول تلك الصورة التي يظهر فيها جسم عبدالنور النحيف بين قبضتي رجلي أمن في مظاهرة انتظمت عام 2011 ضد نظام بوتفليقة
الرأي العام الجزائري لا يزال يتداول تلك الصورة التي يظهر فيها جسم عبدالنور النحيف بين قبضتي رجلي أمن في مظاهرة انتظمت عام 2011 ضد نظام بوتفليقة

ناضل عبدالنور في إطار الحركة الوطنية الجزائرية في حزب الشعب الجزائري قبل أن ينسحب منه عام 1947، واعتقل خِلال الثورة الجزائرية أثناء الإضراب الذي دعت إليه جبهة التحرير الوطني الجزائرية بصفته عضوا بنقابة المعلمين.

وبعد الاستقلال عُيّن عضوا في الجمعية التأسيسية، ووزيرا للأشغال العمومية، ثم وزيرا للفلاحة، قبل أن يستقيل من منصبه الوزاري عام 1967 ليكون أول وزير يستقيل بعد الاستقلال، ويتفرغ بعدها لمهنة المحاماة والدفاع عن حقوق الإنسان، الأمر الذي قاده إلى الاعتقال ثم النفي.

وفي أواسط الثمانينات قام عبدالنور بتأسيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، والتي اعترفت بها السُلطات الجزائرية رسميا بعد فتح المجال للتعددية السياسية، وبعدها أصبح رئيسا شرفيا لرابطة الدفاع عن حقوق الإنسان.

القيمة الكبرى في شخصية مثل شخصية عبدالنور هي معنى ودور العقلاء في الأزمات التي تواجهها البلاد، والحاجة الماسة إليهم، فهم يمتلكون من الشجاعة ونظافة الكف ما يجعل كلمتهم مسموعة لدى العامة والمتصارعين على السلطة على حدّ سواء

يقول عنه زميله الحقوقي فاروق قسنطيني إنه “كان مناضلا ومحاميا شريفا، يحظى باحترام القضاة وزملائه في المهنة، وهو إنسان مسالم، يرفض استعمال العنف، ويدعو دوما إلى الحوار بين طرفي النزاع، وحقوقي يدافع عن خياراته بكل شجاعة، تفرض احترام الآخرين له”.

وقد صدرت لعبدالنور عدة مؤلفات هامة مثل “الجزائر، أسباب وحماقة حرب”، و”كرامة إنسان”، و”الأزمة البربرية”. وشكل التوقيع على بيان يدعو إلى التكتل ضد السلطة، آخر نشاط له برفقة أحمد طالب الإبراهيمي والجنرال المتقاعد رشيد بن يلس. يقول عنه مصطفى كيحل إن “عبدالنور يرفض تجاهل الماضي الأمازيغي في تاريخ البلاد”، في إشارة إلى المرحلة النوميدية ورموزها مثل ماسينيسا ويوغورطة وتاكفاريناس، وهو المأخذ الذي يتذرّع به دعاة البعد البربري في نضالاتهم السياسية.

ولا يزال المهتمون بشؤون حقوق الإنسان في الجزائر، يرددون تدوينته الشهيرة، حين هُدّد بالطرد من مسكنه عام 2014. والتي قال فيها “أنا مريض ولا أستطيع الدفاع عن نفسي، لا أستطيع المشي، عدت لا أرى جيدا، دافعت عنكم، وأنا الآن لا أستطيع الدفاع عن نفسي”.

القيمة الكبرى في شخصية مثل شخصية عبدالنور هي معنى ودور العقلاء في الأزمات التي تواجهها البلاد، والحاجة الماسة إليهم، فهم يمتلكون من الشجاعة ونظافة الكف ما يجعل كلمتهم مسموعة لدى العامة والمتصارعين على السلطة على حدّ سواء. وهو أمر يفتقده العرب في سنواتهم الماضية في أكثر من بلد منكوب.

12