عمائم علمانية

الأحد 2017/07/23

في طفولتنا، وكانت مرحلة نهوض قومي، لم نكن في فلسطين نسمع شيئا عن الطوائف. وقد تصادف بعدئذ أن شاهدت في مدينة النبطية اللبنانية في العام 1969 احتفالا بعاشوراء تخلّلته مشاهد لم أرها من قبل، فقيل لي إنها احتفالات المسلمين الشيعة لاستذكار العاشر من محرّم الذي قتل فيه الحسين بن علي في كربلاء. لكن لقطة واحدة تذكرتها جعلتني أمرّ على الموضوع دونما رغبة في التمحيص. فيوم “عاشوراء” في بلادنا فلسطين كان يوما فارقا للتأسي على الحسين. فلم يكن الغول الطائفي خرج من القمقم.

عندما عدت إلى جنوب لبنان بمحاذاة قرية “كفرا” الشيعية الحدودية تعرفت على الناس وعايشتها ولم أر منها إلا كلّ مساندة ومحبّة. فقد كنا فدائيين وكانوا حاضنتنا الاجتماعية. ولما خرج الغول من القمقم اضطررت للقراءة لمعرفة جذر الحكاية من حيث كونها موضوعا لتخليق البغضاء لا من حيث كونها مظلومية حسينية. وتتبعت تفوّهات عدد من المعممين على جانبي السجال الطائفي وكان من بين هؤلاء الفقيه الشيعي الشاب إياد جمال الدين عضو البرلمان عن محافظة ذي قار وذو الصوت الوفاقي المميز!

ما يطرحه الرجل، الذي أطلقوا عليه مؤسس تيار “العمامة العلمانية” يحث على طلب المزيد من العمائم المشابهة. فلا دين لمن يرتكب الفظائع ولا طاعة عمياء للولي الفقيه ولا تقوى في أيّ مسعى يفتح الثغرات للأجنبي، بينما يظن الطائعون أنهم ذاهبون إلى الجنة.

يتنبه إياد، الفقيه الذي درس العلوم الدينية والفلسفة في إيران نفسها، إلى أن أصحاب المنطق الأيديولوجي، في كل زمان ومكان، يظنون أنهم سينتصرون بمزاعم الورع دون السلوك، ودون أسباب القوة الفعلية ودون صدقية المسعى.

مصطلح العلمانية تعرض إلى تأويل خاطئ، بسبب افتقار اللغة العربية لمعنى يدل تماما على مصطلح “Secularism”. فالعلمانية أو الزمنية، ليست إلحادا ولا صلة لها بالإيمان من عدمه. إنها تعبير سياسي تنظيمي يتعلق بطبيعة الدولة. وهذا مصطلح نشأ متأخرا كثيرا عن فكرة فصل الدين عن الدولة مع بدء عصر التنوير في أوروبا.

ومن المفارقات أن مؤسسي المنحى الأصولي الإسلامي، في أواخر القرن التاسع عشر، الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما؛ طالبوا بفصل الدين عن الدولة وأدركوا المعنى الحقيقي للعلمانية أكثر من الإسلامويين المحدثين، على قاعدة أن الدين منزّه ومعطر، بينما الدولة مرذولة وغير منزهة، فلا تجوز المطابقة بين الدولة والدين. فما يصح، هو أن يتمثل العاملون في الدولة، القيم الإيمانية، كلٌّ حسب دينه!

24