عماد البليك: أدبنا الرائج خارجيا لا يعبر عن حقيقة المشهد السوداني

الكاتب السوداني يؤكد أن الرواية السودانية في ازدهار لكنها تعاني من إشكاليات منهجية، وأن الرواية هي محاورات نفسية وفلسفية وذاتية تتقاطع مع العالم.
الأربعاء 2018/10/17
الرواية تواجه مصير الإنسان
مع كثرة الإنتاج الروائي في العالم العربي، تحتاج الرواية الحديثة إلى أن تتواكب مع المتغيرات في العالم، وأن تنطلق من أرضيتها المحلية نحو آفاق المستقبل والتركيز على انشغالات الإنسان المعولم والتقاطع مع الأسئلة التي تشغله أينما وجد. في هذا الإطار التقت “العرب” الروائي السوداني عماد البليك في حوار حول عوالمه الروائية ورؤيته إلى موقع الرواية السودانية اليوم ضمن الخارطة العالمية.

في آخر رواية له بعنوان “الإمام الغجري” يكتب عماد البليك عن السودان في الفترة من 1821 وحتى الآن. ويوضح البليك أن الدافع إلى كتابة رواية عن هذه الفترة جاء نتاجا لمجموعة من التساؤلات المركبة حول الهوية السودانية، وموقع السودانيين اليوم من الحراك الكوني، كذلك لمحاولة فهم طبيعة السلطة في البلاد وعلاقتها بالمؤسسة الدينية، وهي مسألة معقدة، في بلد كالسودان، إذ يصعب الفصل بين الاثنين، وقد بدأ ذلك مع التيارات الصوفية ذات الروح التسامحية نوعا ما، وتعمّق مع الوقت ليصل إلى طوره في الإسلام السياسي الحديث. لكن بشكل عام فإن كتابة الرواية هي عمل من الصعب أن يحدد بأهداف معينة، فهي تقاطع لهواجس في الذات تبدأ بالتشكل والسيطرة على الكاتب وليس من سبيل لخروجها إلا عبر ممارسة فعل الكتابة نفسه.

الهوية السودانية

يقول البليك “اخترت هذه الفترة لأنها تمثل بداية لتشكل دولة السودان الحديثة مع بدء الحقبة التركية بدخول جيش إسماعيل باشا حينذاك من مصر، ورغم أنه جاء غازيا إلا أن ملامح المدنية بدأت في التشكل إبّان تلك المرحلة، رغم تعطيل مشروع التمدن خلال سنوات الدولة المهدية السودانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ومجيء الإنكليز لحكم البلاد في نهاية القرن نفسه. في إطار ثان فإن هذه الفترة التي تكمل مئتي عام بعد ثلاث سنوات تشكل رحلة السودان نحو الوجود والبحث عن الهوية؛ تلك الرحلة المتجذرة في عمق التاريخ”.

الرواية هي تقاطع لهواجس في الذات
الرواية هي تقاطع لهواجس في الذات

يبين الكاتب السوداني عماد البليك أنه لم يواجه صعوبات تتعلق بالإطار التاريخي للعمل أو البنية السياسية والاجتماعية وغيرهما بل واجهته صعوبة تقنية الكتابة نفسها، ففي البداية كتب نصا وصل إلى حوالي 5000 كلمة ثم رأى أنه ليس هو الذي يبحث عنه، كانت بداية لرواية مختلفة انطلقت من لحظة سقوط وتحطم طائرة الزعيم الجنوبي جون قرنق في أغسطس عام 2005 بعد أن وقّع اتفاقية سلام مع الخرطوم لإنهاء الحرب الأهلية ومات بعدها في تلك الحادثة.

يستطرد البليك “كان التحدي الأساسي القالب العام الذي ربما اتجه إلى الطابع البوليسي الذي سبق أن اشتغلت عليه في رواية ‘دماء في الخرطوم‘، ولكن ببعد فلسفي أكثر، في حين كان تركيزي هنا على تحليل بُنى النظام والسلطة وعمل الأجهزة الأمنية والمؤسسة الدينية وحتى المشعوذين وصناع الوهم من محضري الأرواح وهم حاضرون في الرواية. ومن خلال تلك العوالم كان ممكنا فكّ الاشتباكات بين السياسي والديني وبصعوبة، أعني الفكّ على مستوى التساؤلات المطروحة والفلسفة والبحث عن المعاني المضمرة والمسكوت عنه، لأنه من ناحية واقعية ليس ممكنا أن نفصل السياسة عن الدين في السودان عبر عشرات القرون من الممارسة الفعلية”.

يكتب البليك في موضوعات مختلفة ما بين التاريخ والواقع الاجتماعي والخيال العلمي أيضا كما في روايته “وحش القلزم” ويوضح البليك أنه يعمد إلى هذا التنويع، فبرغم أن الكتابة هي إملاء ظرفي، لكن يظل الإطار العام أو الرؤية الكلية للكاتب هي أمر بعيد المدى يصبّ في هدف معين.

يقول الروائي “أنا أكتب لأخلق مشروعا يرسخ نفسه مع الوقت، لا أكتب فقط للتسلية أو لكي أفضفض عن شواغلي النفسية والذاتية، حتى لو أن ذلك يتدخل أحيانا في العمل، والتنويعات عندي هي محاولة لاحتواء عالم معقد نعيشه اليوم، فإن لي اهتمامات متعددة داخل نفس الرواية الواحدة؛ ما بين البحث عن الحقائق الوجودية ومن ثم الأمور العلمية وكذلك التاريخ ومعنى الحياة، وغيرها. لهذا فإن ذلك يجعلني دائم التحرك ما بين موضوعات قد تبدو متباعدة من الوهلة الأولى، غير أن لها ناظما خفيا هو الإنسان المعاصر الذي هو ابن عولمة وتداخلات معرفية وحضارية وتساؤلات متقاطعة يصعب فصلها”.

أسئلة الرواية

حول مصير الإنسان ومستقبله في ظل العلم والتطور
حول مصير الإنسان ومستقبله في ظل العلم والتطور

 يوضح البليك أن روايته “وحش القلزم” يمكن أن تصنف كرواية علمية، ولكن بالنسبة إليه هي تصب في صميم الأسئلة الراهنة، مصير الإنسان ومستقبله في ظل العلم والتطور ويترادف ذلك مع التصورات الدينية حول نهاية العالم والإنسان، وقد يصعب فصل كل ذلك في الذهن الشرقي والغربي ما بعد الحداثوي. فعندنا بالتحديد، في بلادنا تتداخل الأساطير مع المعارف وطبيعة العقل غير مفحوصة بشكل دقيق. لهذا فالعمل يستكشف العقل من هذا الباب، كما أنه يناقش قضايا معاصرة كفوضى الإعلام والمؤسسة الدينية وسيطرتها والإرهاب والصراع الدولي بالمنطقة، وثقافة الرأسمال وهيمنتها على العالم الحديث.

ويرى البليك أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين الذات والموضوع، مهما تجرّد الكاتب فهو حاضر في العمل لأن أي رواية هي محاورات نفسية وفلسفية وذاتية، تتقاطع مع العالم من خلال تصورك أنت لا تصور شخص آخر. وافتراضاتك للحياة والإنسانية عموما. لهذا أصبحت الرواية ديوان العالم المعاصر في التعبير عن المآلات والأشواق. والروائي حاضر ولكن في الظلّ وفي الإطار لأن الرواية ستكون من ناحية إجرائية هي “تكنيك” كتابي واشتغال له أصوله مهما جربنا فيه.

يعتمد البليك على نمط الكتابة البوليسية في أعماله معوّلا على التشويق في رواياته، وهنا ينوّه بأنه لا يكتب رواية بوليسية صرفة. فالرواية عنده فعل جمالي يبحث عن المركبات الاجتماعية والنفسية والدلالات الأبعد في التاريخ والراهن.

ويرى البليك أن الرواية السودانية تشهد اليوم إنتاجا كثيفا، لكنها لا تزال تعاني من إشكاليات منهجية؛ من الالتصاق بالمحلية الضيقة والنظرة الكلاسيكية لمفهوم المكان والأدب وطبيعة القضايا المطروحة التي لم تتجه إلى فضاء المستقبل في تأطيرها بدراما اليومي والمعيش، والكثير من الروايات في السوق تفتقد إلى الخبرة والتجربة اللتين تجعلانها تصمد أمام المحتوى الجديد للرواية الإنسانية والعالمية، أنت الآن تنافس ككائن معولم، ولا تكتب لإطار جغرافي أو لمدينة أو بلد، وهذا حال الأدب دائما. وللأسف هناك أعمال تُصدَّر إلى الخارج العربي والأجنبي على أنها تمثل الأدب السوداني لا تعبر عنه ولا عن مشهدية بعض النصوص الجديرة بالانتباه إليها فعليا، وسبب ذلك أمور عديدة تتعلق بآلة الإعلام الثقافي التي لها طابع الشلة والانتقائية وغياب النقد الأدبي الخلّاق، وضعف المؤسسة الثقافية التسويقية الحقيقية ممثلة في دور النشر وغيرها.

يضيف عماد البليك “كذلك نجد ظاهرة الجوائز الأدبية التي تُصدِّر نصوصا بوصفها هي التجلي الأبرز لبلد معين أو جغرافية بعينها. لكن تبقى الخامة الجوهرية موجودة في صلب الحراك السوداني في تقاطعه مع السؤال العالمي اليوم، فأسئلة المواطن العادي لا يمكن فصلها عن موضوع الانتخابات الأميركية والبريكست، هذا ما ينقص الرواية السودانية لدى الكثيرين حتى تدخل في صلبه، فالموضوع ليس تغنيا بالذات واحتفاء بالتاريخ أو تمجيدا زائفا لحضارات متوهمة أو تباكيا على إشكالات محلية سرعان ما تسقط أمام الأسئلة الأعمق في المحتوى الوجودي”.

15