عماد فؤاد: لست كاتبا أخلاقيا يطلق أحكاما على الناس

الشعراء قادرون على كتابة الرواية بامتياز، بل أن هناك من يعتبرهم الأقدر على كتابة هذا الجنس الواسع والجامع، وكثير من الشعراء على مرّ التاريخ كتبوا السرد مثل نيكوس كازانتزاكيس وغيره، لكن تبقى للسرد عوالم مختلفة ومتشابكة بقدر ما تُمنح من مساحة للكاتب والقارئ معا، وبقدر ما يمكنها أن تتحول إلى متاهات يسقط فيها كل شيء، ويتهاوى سريعا ما لم تمسكه الحبكة. "العرب" التقت بالشاعر المصري عماد فؤاد الذي أصدر مؤخرا روايته الأولى "الحالة صفر"، فكان لنا معه هذا الحوار.
الاثنين 2015/10/05
الكتابة ابنة الذاكرة الشخصية المعتمدة على التجارب والخبرات

“السرد منحني الكثير من المتعة، وعلّمني أشياء جديدة لم أكن لأتعلّمها في الشّعر وحده”، بهذا الاعتراف يبدأ الشاعر والكاتب المصري المقيم في بلجيكا عماد فؤاد حديثه لـ“العرب” التي استضافته بمناسبة صدور روايته الأخيرة «الحالة صفر»، فالسّرد عنده يشبه الدخول إلى غابة كثيفة من التفاصيل المتشابكة، ومهمة الكاتب هي إعادة ترتيب هذه التفاصيل كي تكون متناسقة ومنطقية ومقنعة أمام العين التي ستقرأها، هكذا يرى ضيفنا السرد بعد خمسة دواوين شعرية أصدرها في وقت سابق، وحين قلت له إنّ هناك من يعتبر أنّ عماد فؤاد لم يخرج من عباءة الشاعر وهو يكتب روايته، حيث ظهر هذا جليّا على مستوى اللغة، ردّ بتساؤل “ولماذا عليّ أن أتخلّص من الشاعر حين أكتب رواية؟”، ضيفنا يرى أنّه لا شيء يمنع من كتابة النص بالشّكل الذي يمليه النصّ على الكاتب، ويصف العملية تلك بالتجريب، حيث يترك العنان الكامل لنفسه للكتابة بحرية مطلقة، ويوضح “القيد الوحيد الذي تمسّكت به طيلة مشواري مع الكتابة، أن لا قيد هناك أصلا”.

طريق الماريجوانا

عماد فؤاد شاعر مصري مقيم في بلجيكا، ولد في مصر عام 1974، وله خمس مجموعات شعرية صدرت بين القاهرة وبيروت في الفترة من 1998 حتى 2010 حين أصدر مجموعته الشعرية الخامسة “عشر طرق للتنكيل بجثّة” عن دار الآداب، ليقدّم إلى جمهوره روايته الأولى «الحالة صفر» عام 2015 عن دار ميريت للنشر بالقاهرة.

الكتابة عند فؤاد لا تحتاج سببا أو تبريرا، كلّ كتابة تستنّ لنفسها قانونها الخاص النابع من سياقها الداخلي، ويعلق على عنوان روايته «الحالة صفر» قائلا: المكان والزّمان في «الحالة صفر» ليس لهما أية أهمية على الإطلاق في العمل، ربّما لأنّهما غير فاعلين حقيقيّين في مصائر الشّخصيات القليلة التي تشكّل فضاء للتجربة السّردية في الرواية، لهذا السبب تحديدا أجد نفسي أموّه تفاصيلهما عن عمد.

لا مجال إلى الإدانة الأخلاقية في تلقي أي عمل إبداعي، وإلا فسوف نضطر إلى إعادة قراءة الكثير من الأعمال المهمة

ويواصل “ربّما كان هذا التمويه من أصعب التّفاصيل التي واجهتها أثناء الكتابة التي استمرت أربع سنوات متواصلة، فلم يكن المكان مغريا في حالة بطلين يسعيان طوال الوقت إلى الهروب من الأمكنة نحو ضفاف أخرى في داخل كلّ منهما، متّخذين من المخدّر وسيلة سهلة لتحقيق هذا الهروب السّريع، ممّا يحيط بهما من حدود واقعية يعيشان فيها، وأولها الزمان والمكان، وهو ما جعل الشخصيتين الرئيسيّتين تكتفيان بالرجوع إلى الماضي الخاص بكلّ منهما، في شكل هواجس وأفكار مضبّبة يتمّ القبض عليها وهما تحت تأثير المخدّر، ومن خلال هذا الهروب يحاول كلّ منهما اكتشاف مناطق تماسّه مع الآخر في حوارية شبه أبدية”.

اختار عماد فؤاد أن يكون الحامل الموضوعي للعمل، في مفارقة صادمة، نبتة الماريجوانا المثيرة للشبهات في الشرق الذي يكتب بلغته، وهنا نسأل ضيفنا إن كان الموضوع قد سبق الحكاية أم أن الحكاية هي التي قذفت بالماريجوانا في فضاءات السرد، ليبيّن أنّه لا يعتبر نبتة الماريجوانا هي الحامل الموضوعي للعمل، بقدر ما كانت هي الوسيلة التي يحاول كلا البطلين من خلالها التقرّب إلى روح الآخر، ومن هنا يرى أنّ نبتة الماريجوانا أحد أبطال العمل الرئيسيين، حيث تلعب دورا محوريا في تغيير سياق الأحداث وتطوير انفعالات شخصيات العمل القليلة تجاه بعضها البعض.

وهنا لا يتحدث عماد فؤاد عن المخدرات بشكل أخلاقي، بقدر ما يتحدّث عنها بشكل إنساني كما يقول، ليتابع أنّه هنا يكمن في الحقيقة جوهر “المسألة” التي حاول أن يطرحها عبر صفحات «الحالة صفر»، فلا مجال إلى الإدانة الأخلاقية في تلقّي أيّ عمل إبداعي، وإلا فسوف نضطرّ إلى إعادة قراءة الكثير من الأعمال المهمّة لنمرّرها على تروس الأخلاقيات التي تحكم مجتمع ما قبل أن نعبّر عن رأينا حولها.

رواية عن العالم البديل الذي تخلفه المخدرات

ابنة الذاكرة

حكاية «الحالة صفر» لم تأت بقرار من ضيفنا بكتابة رواية بقدر ما كان يتّبع منطق رصد الحالة، دون التركيز المطلق بالموضوع أو الشكل أو الحكاية، فترك لسرده كامل الحرية في أن يستنّ لنفسه قانونه الخاص، بتمهّل وبطء ودأب أدهشته كلها -كما يصف- وذلك على مدار أربعة أعوام وهي فترة كتابة هذه الرواية، لتقوم على جوهر بسيط هو رفض ما تمّ وضعه من قوانين أو شروط مسبقة في إطار ما استنّه من قانونه الخاص، بالضبط كتمرّد شخصيات العمل الرئيسية الثلاث: الراوي مجهول الاسم وميشيل وأمّها، وهو المعنى النهائي الذي غامر من أجله في هذه التجربة كما يقول.

القاهرة تظهر كخيال بعيد، نسأل ضيفنا عن سبب ذلك وما علاقته برغبته في عدم الاصطدام بثقافة المجتمع هناك، فيؤكد أنه لو كان لا يريد الاصطدام مع ثقافة المجتمع هناك لما كتب «الحالة صفر» أصلا، التي صدرت في القاهرة، ففي رحلة البحث عن هوية واضحة لأبطال الحكاية، والغوص في تفاصيل يومياتهم، وتصديرهم للقارئ كأبطال من خلال السعي نحو إنقاذهم من حالة الهامشية التي يعيشون عليها، لكنّ الكاتب يجد أنه لم يسع إلى إنقاذهم بقدر ما جعلوه يتورّط معهم في هامشيّتهم وانسلاخهم عن كلّ شيء كما يقول، وأثناء الكتابة لم يشعر -والحديث لعماد- ولو لوهلة أنّه مطالب أو مضطرّ إلى الوقوف في صف “أخلاقيات” معيّنة تجعله يدين أبطال العمل، ليصوّر رحلتهم من الدّنس إلى الطّهارة مثلا، موقفه هذا له سببان، الأول أنّه ليس من أنصار هذه النوعية الأدبية “الموجّهة أخلاقيا”، والثاني أنّه لا يرى نفسه كاتبا أخلاقيا يقيم الحدود على الناس من خلال أفعالهم أو تصرفاتهم، فالإنسانية في داخله تتفوّق على أيّ شيء آخر فضلا عن أنّ كتابته الشّعرية علّمته أن يكون إنسانا قبل أن يكون حكما، فلا يصدر حكما أخلاقيا على تصرف إنساني ما دون أن يبحث عن أسبابه أو يطرح الأسئلة حوله.

تفاصيل عديدة أوردها عماد فؤاد عن الحياة اليوميّة لأبطال «الحالة صفر»، تلك التفاصيل يعترف فؤاد أنّه نهلها من ذاكرته الشخصية، فالكتابة عنده هي ابنة الذاكرة الشخصية المعتمدة على التجارب والخبرات الذاتية.

وعن اغترابه الطويل في بلجيكا نسأله عن رؤيته للأدب العربي من زاويته في المغترب، ليقول في تفاؤل “إنّ المشهد الأدبي العربي يزخر بالكثير من الأصوات والتجارب الحقيقية التي تستحق المتابعة، سواء كان ذلك على مستوى الشّعر أو الرواية، وفي العديد من البلدان العربية التي تقف بعضها في طليعة هذا الحراك الجميل، مثل مصر والمغرب وسوريا ولبنان وفلسطين وتونس، إضافة إلى بلدان عربية أخرى بدأت تعود إلى السّاحة وبقوّة كالعراق وبعض بلدان الخليج العربي مثل السعودية والبحرين”.

15