عمارة الماضي والحاضر على ضوء أشعار صلاح جاهين

الجمعة 2017/06/09
حمدي السطوحي يشرح عن علاقة المعمار بالأدب

القاهرة - العلاقة بين الأدب والعمارة علاقة خاصة، قد تبدو للوهلة بعيدة إلا أنها في واقع الأمر شديدة القرب والاتصال، فكلاهما “بناء”، ألا يتحدث الأديب عندما يتعلق الأمر برواية مثلا عن بنائها الدرامي، ونفس الشيء بالنسب إلى الشعر، كما أن المعماري يتخذ من الأدب واللغة سبيلا إلى بناء قواعد سليمة لمعماره الهندسي؟

أشعار شاعر العامية الراحل صلاح جاهين خير دليل على تلك العلاقة الخاصة وكانت شاهدًا على انحدار المستوى المعماري الذي وصلت إليه الحال الآن.

في هذا السياق، وبعنوان “كلمات جاهين والعمارة”، أقام بيت المعمار المصري بحي الدرب الأحمر (أحد أحياء القاهرة التاريخية التي تعج بالعديد من الآثار الإسلامية)، أمسية خاصة رصد من خلالها العلاقة بين المعمار في الماضي ونظيره في الحاضر، وتخللتها أشعار صلاح جاهين التي ألقتها المخرجة المسرحية عبير لطفي.

المعماري حمدي السطوحي الذي أدار الأمسية رصد الكثير من نماذج الانهيار في العمارة الحالية، حيث افتتح حديثه بالتعرض لنموذج “الأراجوز” من أوبريت العرائس الشهير لجاهين “الليلة الكبيرة”، وذكّر الحاضرين بالعقار الذي انهار مؤخرا بمدينة الإسكندرية (شمال القاهرة) والذي لفت الانتباه بسبب سقوطه المائل على العمارة المجاورة له، وقارن بين هذا الميل وبين شكل لعبة “الدومينوز” الشهيرة، موضحًا أن الخلل في البناء كان من الممكن أن يتسبب في سقوط عمارات أخرى.

استخدم السطوحي رباعية جاهين التي لمس فيها خلل الموازين في حياتنا المعاصرة كمدخل لما نعانيه الآن، جاهين قال “لو فيه سلام في الأرض وطمان (طمأنينة) وأمن.. لو كان مفيش ولا فقر ولا خوف وجُبن.. لو يملك الإنسان مصير كل شيء، أنا كنت أجيب للدنيا ميت ألف ابـن.. وعجبي!”.

كلمات رباعية جاهين التي انتقدت الواقع بشكل غير مباشر علّق عليها السطوحي بأن كل مسؤول عليه أن يتخذ القرار السليم، وضرب المثل بجهاز التنسيق الحضاري الذي يفترض أن يقوم بدراسة الأرض والشوارع لكنه رغم ذلك لا يتحرك إزاء فوضى “البانارات” (لوحات الإعلانات) التي أغرقت الشوارع ولم تترك مبنى واحدا حتى المباني السيادية.

وتطرق في حديثه أيضًا إلى المقارنة بين عمارة الوقت الحالي وعمارة الماضي، بداية من البناء المعماري للأهرامات الذي بُني على ثمانية أضلاع وليس أربعة كما هو متعارف عليه، وذلك حتى يكون بوصلة للاتجاهات من ناحية، ولكي يحتضن من يقف أمامه فلا يشعر بسقوطه من ناحية أخرى.

استعراض ماضي الأجداد نبّه الحاضرين إلى المكان التاريخي الساحر الذي يجلسون فيه، "بيت المعمار المصري"، المصنف أثريًا برقم “497” والذي يوجد على قمة مرتفعة بمنطقة “درب اللبانة” بحي الدرب الأحمر، ويقع في منتصف مجمع المعمار الإسلامي بالقرب من قلعة صلاح الدين الأيوبي التي بداخلها كذلك جامع محمد علي، وليست بعيدة عنه مدرسة السلطان حسن ومسجد الرفاعي ومسجد المحمودية.

المعمار الإسلامي المتأثر بالطراز العثماني التركي هو السمة الأساسية التي يتصف بها بيت المعمار الذي أسسه الشقيقان عمر وإبراهيم الملاطيلي كمنزل لأسرتيهما في القرن الثامن عشر، ثم اشتهر تدريجياً باسم “بيت علي أفندي لبيب” وهو اسم حارسه الذي يوضع على عنوان المنزل.

“ليه يا حبيبتي ما بيننا دايماً سفر.. دا البُعد ذنب كبير لا يغتفر.. ليه يا حبيبتي ما بيننا دايما بحور.. أعدّي بحر ألاقي غيره اتحفر.. عجبي!”، على هذه الكلمات لصلاح جاهين أكد السطوحي أن العلاقة بين العمارة والمعماري علاقة حب كتلك التي تحدث عنها جاهين، وضرب المثل بالمعماري جمال البكري الذي أسس إحدى شركات البترول الشهيرة وجعل على مدخلها رسمًا لبقعة زيت تفترش “قطعة دانتيل” (قطعة قماش).

على هامش الأمسية أقيم معرض صور فوتوغرافية للمعماري طارق المري أحد أشهر المعماريين الذين شاركوا في ترميم العديد من الآثار داخل وخارج مصر، ويستعرض في صوره لقطات شديدة الحيوية والتعبير من مسجد محمد علي بقلعة صلاح الدين الأيوبي يرصد من خلالها زوايا خاصة في التصوير توضح عمق هذا الأثر.

15