عمارة للفقراء

عمارة حسن فتحي لم تكن فلسفة معمارية، بقدر ما كانت رغبة شغوفة بالتقرّب من الطبيعة وتوظيفها من أجل تحقيق الرغبات البسيطة والمؤجلة للفقراء.
الأربعاء 2018/08/29
المتعارف عليه أن العمارة نشاط مقترن بالأرستقراطية المالية حصريا

ثمة بعض غرابة في هذا العنوان، وهو – كما لا يخفى عن الكثيرين – عنوان كتاب نشره البروفسور المعماري المصري الراحل حسن فتحي (أو الباشا كما اعتاد أهل الحي الذي كان يسكن فيه على مناداته به)، والكتاب في الأصل منشور بالإنكليزية عن جامعة شيكاغو عام 1973، وتُرجم لاحقاً إلى العربية.

تكمن الغرابة التي أراها في اقتران العمارة بالفقراء؛ فالمتعارف عليه أنّ العمارة نشاط مقترن بالأرستقراطية المالية حصريا، وأن زبائن المعماري هم في العادة من الأغنياء المقتدرين ماليا والمتطلبين لتفاصيل معمارية دقيقة تكون شاهدة على قدراتهم المالية التي لا تعني في أغلب الأحوال رؤية فنية متقدمة أو شغفا بالفن والطبيعة ينمّ عن فهم ودراية.

يمثل (الباشا) حسن فتحي نموذجا فريدا غير معهود بين أقرانه من المعماريين؛ فهو أقرب إلى شخصية العرفاني الزاهد الذي لا يأبه بالمال رغم أنّ شخصيته توحي بأرستقراطية ثقافية ذات سطوة محببة، وقد ترك الرجل بصمته في جيل كامل من المثقفين – معماريين وسواهم – ممّن باتوا يرون في العمارة وسيلة للارتقاء بحياة السواد الأعظم من الناس وليس محض تحقيق نزوات مطلبية لبعض الأغنياء المتبطّرين.

يبدو لي أنّ الخلل كله يكمن في منظومة التعليم الجامعي التي تكرّس نمطا من الهرمية الطبقية التعليمية الموهومة، التي تعمل بدورها على تكريس أنماط من الأنساق الثقافية التي تأبى الاستجابة لروح العصر ومتغيراته الثورية، وبموجب هذه الرؤية الهرمية تبدو الممارسة المعمارية نوعاً من الطقوسيات الكهنوتية المقفلة في إطار جماعة أقلية من المحظوظين ممن مسّتهم بركات آلهة العمارة التي ستجعل منهم كائنات متفرّدة تتسيّد الأعالي الوظيفية المهيمنة في المجتمع.

وربّما ساهم في إشاعة هذا التصوّر كون أوائل المعماريين متحدّرين من عوائل ثرية ذات نفوذ مالي و/ أو سياسي فاعل؛ ولمّا كان شكل الثراء في بلداننا غير الخالقة ولا المطوّرة للتقنيات الحديثة يتمظهر في شكل الملكيات العقارية – أرضاً ومنشآت مشيّدة – فيكون من الطبيعي نشوء ميل تلقائي لدى تلك العوائل إلى دفع أبنائها لدراسة كلّ ما له علاقة بالتطوير العقاري لتعظيم الفائدة المجتناة من الملكيات العقارية وعوائدها؛ في حين أنّ العمارة الغربية تطوّرت في مسارات موازية للتطوّر الحاصل في الرؤية الثقافية التي تسعى لتعظيم الارتقاء بالوضع البشري، ولعلّ مصداق هذا القول يكمن في حقيقة أنّ أعاظم المعماريين – الأوربيين بخاصة – إنّما كانوا من المثقفين الطلائعيين الذين شغلتهم هموم الإنسان ومكابداته قبل أي شيء آخر.

قد تبدو المقاربة المعمارية التي اعتمدها الراحل (حسن فتحي) شكلا من أشكال العمارة العضوية التي بشّر بها المعماري الأميركي فرانك لويد رايت؛ لكنّ الحقّ أنّ عمارة حسن فتحي لم تكن فلسفة معمارية، بقدر ما كانت رغبة شغوفة بالتقرّب من الطبيعة وتوظيفها من أجل تحقيق الرغبات البسيطة والمؤجلة للفقراء في العيش بمساكن مشيدة من طين الأرض بعد تشكيله وفقاً لرؤية جمالية وفلسفية تتناغم مع الروح المترفعة عن قوانين السوق.

وليست عمارة حسن فتحي التي ابتغاها للفقراء علب سردين كونكريتية يحشرون فيها حشراً بل هي توليفة طبيعية وإنسانية تبعث الراحة في النفس والسمو في الأفكار، وليس غريباً أن يتدافع الكثير من المتمكنين مالياً والمتنورين فكريا على إنشاء مساكن لهم تحمل بصمات حسن فتحي حتى وإن كانت بصمات ممهورة بشرف العمل من أجل الفقراء.

14