عمار سعيداني… زمار الحزب الذي لا يطرب

الأحد 2013/09/08
لا يعتبرونه شخصية كاريزمية

استقبل الحزب الحاكم في الجزائر الخميس الـ 29 من أغسطس الماضي أمينه العام الجديد، عمار سعيداني، وهو الرجل الحادي عشر الذي تزوج جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال إلى اليوم. ورغم أن بلخادم حاول في أحد خطاباته تقشير بعض الشوائب التي تراكمت على الحزب بالقول: " جبهة التحرير الوطني ليست ظهرا يركب ولا ضرعا يحلب"، وأصاب الرجل حينها الحقيقة، لكن بشكل عكسي.

فجبهة التحرير التي قادت الجزائر بعد الاستقلال، هي فعلا الظهر الرَكوب والضرع الحلوب، التي أوصلت الناس إلى مواقع القرار السياسي والثراء المادي، ولم تكن في يوم من الأيام حزبا سياسيا بالمفهوم الحقيقي للأحزاب، إلا في الأيام التي قضاها المرحوم عبد الحميد مهري، على رأسها في نهاية الثمانينات ومنتصف التسعينات من القرن العشرين وظلت مطية لممارسة مساوئ السلطة وسلبيات التمديد لعمر النظام.

وفي كل مرة ينتظر المناضلون المخلصون حدوث التغيير في ممارسات الحزب والتوجه إلى الإصلاح والتغيير، يتفاجأ هؤلاء بخضوع حزبهم لإرادة السلطة ولحسابات الزمر النافذة، وهو ما يكون قد حدث هذه المرة، إذا صحت الروايات التي تحدثت عن دور محوري للمستشار وشقيق الرئيس، سعيد بوتفليقة، الذي يكون قد "هندس" وضع سعيداني على رأس الجبهة، مقابل تمهيد الطريق لبلخادم في الرئاسيات المقبلة، أو أية شخصية أخرى لا تخرج عن سمع جناح الرئاسة الحالية وطاعته، الذي يريد الاستمرار في السلطة، ولو كان عبد العزيز بوتفليقة خارجها.

واللافت هذه المرة أن الأمور في الحزب الحاكم آلت إلى شخصية تنحدر من مدينة وادي سوف الصحراوية الواقعة في أقاصي الحدود الشرقية الجنوبية مع تونس، وهو ما يشكل تحولا شكليا لأنه لم يحدث أن خرجت قيادة الجبهة من العاصمة والمدن الشمالية الكبرى.

في حين يبقى المضمون هو الولاء والتناغم بين الحزب والسلطة، والمعروف عن الرجل أنه مقرب من بوتفليقة، ومدير لجان مساندته في الاستحقاقات الرئاسية السابقة، وأحد الذين التزموا الصمت، لما تحدث الجميع أثناء الجدل المثار حول الغياب الفعلي لبوتفليقة عن مهامه الرسمية والدستورية، وتحت طائلة المرض ورحلة العلاج الطويلة في فرنسا.

ابرز محطات سيرة عمار سعيداني
◄ أمين عام للاتحاد الولائي للعمال

◄ عضو بالمجلس الوطني لنقابة سوناطراك

◄ أمين عام مساعد للاتحاد العربي للنفط

◄ عضو بالمجلس الوطني لاتحادية البترول والمناجم لمدة 26 سنة

◄ عضو باللجنة التنفيذية الوطنية للاتحاد العام للعمال الجزائريين

◄ عضو بالمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي

◄ عضو بالمجلس الوطني لأبناء المجاهدين

◄ إطار في حزب جبهة التحرير الوطني حيث تقلد المناصب التالية:

◄ عضو اللجنة المركزية للحزب

◄ أمين محافظة لمدة 15 سنة

◄ انتخب نائبا بالمجلس الشعبي الوطني العام 1997

◄ رئيس لجنة النقل والمواصلات السلكية واللاسلكية بالمجلس الشعبي الوطني

◄ أعيد انتخابه نائبا بالمجلس الشعبي الوطني العام 2002

◄ نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني

◄ انتخب رئيسا للمجلس الشعبي الوطني 23 يونيو 2004

◄ المنسق العام للجمعيات المساندة لبرنامج رئيس الجمهورية

◄ أمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني


بيدق السلطة


لا زال الرأي العام الجزائري يجهل سر تنكر عمار سعيداني الأمين العام الجديد للحزب الحاكم في الجزائر وانزعاجه من ممارسته فن "التزمير" في أعراس وادي سوف إبان بداية شبابه، رفقة بعض الفرق الفلكلورية وفنانين لا زالوا على قيد الحياة. ويتساءل البعض هل هو من قبيل التنكر للماضي، أم أن المزمار لم يعد يتناسب مع مكانة الرجل منذ انتخابه في برلمان 1997 عن جبهة التحرير الوطني؟

رغم أنه ليس من العيب أن يجمع المرء بين حرفة فنية وأخرى سياسية، فلا يزال الكثيرون يتذكرون فترة الكر والفر بين سعيداني ورسام الكاريكاتير المعروف أيوب الذي ألصق "المزمار" في حزام الرجل بالزي السوفي في رسوماته الهزلية الهادفة التي أقلقت الرجل كثيرا، سواء لما كان برلمانيا أو رئيسا للبرلمان.

عمار سعيداني الذي حاول أن يكون طرفا ثالثا في الأزمة التي لا زالت تلم بجبهة التحرير الوطني منذ عدة أشهر، حيث لم ينحز لا لبلخادم لما كان يخوض حرب الثبات في قمة الحزب قبل أن يطاح به في يناير الماضي، ولا لجناح حركة التقويم والتأصيل التي يقودها عبد الكريم عبادة.

ولم يعرف عنه الخوض كثيرا في أزمة الحزب خشية التمترس في موقع معين، والآن بعد أن تحركت آلة السلطة تحول سعيداني إلى خيار ناجع لقيادة "العتيد" على الأقل إلى غاية منتصف العام 2015 موعد المؤتمر القادم ومرور موعد الاستحقاق الرئاسي في الربيع القادم.

ومقارنة بالإرث التاريخي للحزب والسمعة التي يتمتع بها لدى فئات عريضة من الجزائريين، فإن خصوم سعيداني يرون فيه أصغر بكثير من الحزب الذي يقوده، كما لا يعتبرونه شخصية "كاريزمية " تضبط الحراك المستمر داخل الجبهة.

وقد يكون هؤلاء على صواب، فالرجل لم يعرف عنه مواقف سياسية كبيرة أو حضور مميز في القضايا والملفات الكبرى، ويكتفي في مسيرته النضالية والنقابية بمسايرة خطاب السلطة بتناقضاته والسير في ركابها دوما، وهو ربما ما أهله لأداء الدور الجديد في المسرحية التي يعد لها النظام الذي يحتاج إلى أعوان وليس إلى شركاء في قادم الأيام.


استنساخ سيناريو 2004


عمار سعيداني ولاحتواء الصدمة لدى خصومه قال: "إنه لم يخطط لتولي منصب الأمانة العامة للحزب، لكنه قبل التحدي مرة أخرى، كما فعل يوم توليه رئاسة المجلس الشعبي الوطني في جوان 2004 خلفا لكريم يونس المستقيل".

وأضاف حول جدوى قبوله تولي قيادة الحزب لفترة سنة ونصف، بما أن المؤتمر المقبل يعقد في منتصف عام 2015: "أنا لم أكن أرغب في منصب الأمين العام، ولكني رجل المراحل الصعبة، وكما فعلت يوم تولي مسؤولية رئاسة المجلس الشعبي الوطني، أتولى اليوم مسؤولية جبهة التحرير الوطني في ظروف مماثلة". وتابع: "أنا واثق من قدرتي على قيادة قاطرة الجبهة إلى بر الأمان، معتمدا على دعم قيادات جبهة التحرير الوطني ومساندتها وليس دعم قوى أخرى".

وأبرز سعيداني أنه يحوز على شرعية سياسية لتعزيز الشرعية القانونية للاجتماع، بدليل حضور الأغلبية الساحقة من أعضاء اللجنة المركزية، وأضاف أن حضور هذا العدد يعبّر عن إرادة أعضاء اللجنة في إنهاء حالة الفراغ في منصب الأمانة العامة، وقال إن تحدّيه الأول هو إصلاح ما سماه "ذات البين"، في إشارة إلى الأزمة الداخلية للحزب، ومحاولة جمع المناضلين والقواعد بعد حالة التشتت التي أصابتهم.

واستطرد سعيداني أن ما تعيشه جبهة التحرير ليس جديدا فقد عاشت أوضاعا مشابهة في 1997 و2003، نافيا وجود صراع أو انقسام في صفوف الحزب، بل صراع أفكار، وعبر عن هذا قائلا: "ليس غريبا على حزب من وزن الأفالان وتاريخه وموقعه في منظومة الحكم أن يعيش مثل هذه التجاذبات، وأن دوره ومكانته يجعلانه في حراك دائم في الساحة السياسية".

وأكد سعيداني في كلمة له عقب تزكيته أمينا عاما جديدا بالعمل "على رص صفوف الحزب وتوحيدها مؤكدا بالقول: "إنني ألتزم بالعمل على توحيد صفوف الحزب وإقرار الصلح والمصالحة بين المناضلين الذين أدعوهم إلى الابتعاد عن كل ما يمكن أن يبث الفرقة والانقسام". وأضاف أن حزب جبهة التحرير الوطني مطالب أكثر من أي وقت مضى بالمساهمة في تنمية الوطن واستقراره وأيضا في الحفاظ على مؤسسات الدولة".

عمار سعيداني الذي طالما نفى تورطه في أي ممارسات فساد مالي أو سياسي، بعد اتهامه بتحويل ما يقارب الخمسة مليارات دولار من أموال الاستثمار الفلاحي في الهضاب والجنوب، سيكون برصيده السياسي "المتواضع" أداة محدودية الصلاحية، بما أن مهمته أوّلا سترتبط بتبييض صورته المشوهة لدى مناضلي حزبه والرأي العام عموما.

وثانيا ترويض الحزب لخدمة أجندة السلطة في رئاسيات 2014، حيث اعتبر اتهامه بالضلوع في ملفات فساد، بـ "كلام جرائد" فقط، وتحدى أيا كان أن يأتي بدليل يثبت تورطه في أية فضيحة، داعيا من يردد ذلك أن يتوجه إلى القضاء وليس للصحف والكواليس، وقال: "3200 مليار دينار تحتاج إلى 35 شاحنة بمقطورة فأين وضعتها، هل ردمتها في الرمل؟".

وعلى الصعيد الحزبي فرغم أنه تفادى الحديث عن دور الجبهة في الرئاسيات القادمة، إلا أنه لا يستطيع أن ينكر أن مسيرته السياسية المحدودة لا تسمح له بتقلد منصب قيادة الحزب الحاكم، لو لم تهيأ له كل الظروف، بداية من القفز على قرار العدالة والتضارب غير المسبوق في القضاء الجزائري بين المحكمة الإدارية والمجلس الأعلى للدولة أو ما يصطلح عليه جزائريا بـ"عدالة الليل" التي سبق لها أن جمدت نشاط بن فليس على رأس الجبهة لصالح خصومه المؤيدين لبوتفليقة في العام 2004، ووصولا بانسحاب كل المرشحين للمنصب في آخر لحظة ليجد نفسه منافسا لنفسه.

ولذلك فإن يد السلطة في ترقية سعيداني تبدو جلية رغم محاولات التخفي، وستجعل منه الأداة التي ستطيح بكل الرؤوس المعارضة في المكتب السياسي بقيادة بلعياط، وحركة التقويم والتأصيل التي يتزعمها عبد الكريم عبادة من أجل ضمان مرور مرن لمرشح السلطة في أبريل/ نيسان القادم إلى قصر المرادية.

قائمة الأمناء العامين لحزب جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال
◄ 1962 - 1963 محمد خيذر

◄ 1963 - 1965 أحمد بن بلة

◄ 1965 - 1967 شريف بلقاسم

◄ 1967 - 1972 قايد أحمد

◄ 1973 - 1980 محمد صالح يحياوي

◄ 1980 - 1988 محمد الشريف مساعدية

◄ 1988 – 1996 عبد الحميد مهري

◄ 1996 - 2001 بوعلام بن حمودة

◄ 2001 - 2004 علي بن فليس

◄ 2004 - 2013 عبد العزيز بلخادم

◄ عبد العزيز بوتفليقة هو الرئيس الشرفي للحزب منذ 2005.


من حي الأصنام إلى نسيم حيدرة


عمار سعيداني ولد بقرية أم العرائس بتونس في 17 أبريل/ نيسان عام 1950، وهو متزوج و أب لسبعة أطفال، وحائز على شهادة جامعية في العلوم السياسية، ينتمي لأسرة مجاهدة وفقيرة اضطرت إلى الهجرة من مدينة الوادي إلى البلد المجاور بعد أن تفطنت قوات المستعمر الفرنسي لتحركات والده المجاهد المرحوم المولدي الذي كان واحدا من أبرز نشطاء الخلية السرية التي أسسها القائد الطالب العربي قمودي، رفقة عدد كبير من مجاهدي ولاية الوادي الحدودية.

ويعد عمار أكبر أفراد العائلة المتكونة من الذكور وهم عبد الرحمان، عبد الكريم، السعيد، الخميس وعز الدين إضافة إلى ثلاث بنات وعاد رفقة عائلته إلى وادى سوف العام 1962 ليستقر في حي الأصنام الشعبي، بعد أن منحته قيادة الثورة بمدينة الوادي مسكنا لأحد أفراد الحركة الفارين الى فرنسا مباشرة بعد الاستقلال.

والتحق بعدها بمدرسة الحي القرآنية وتتلمذ على يد الشيخ التيجاني معيوة، وحفظ أجزاء من القرآن الكريم ساعدته على تجاوز مرحلة الحرمان من الالتحاق بالمدارس التربوية الرسمية، وظل يتابع دروسا خصوصية في الأدب والفكر والسياسة، وكان مع عدد من أترابه بحي الأصنام الشعبي يقومون من حين إلى آخر عندما ينتهون من العمل في اختصاص البناء أو (العوانة)، بتقليد خطب عبد الناصر الحماسية أمام إعجاب الناس الذين انبهروا بفصاحته اللغوية وجرأته الخطابية، مما شكل عند الكثيرين منهم قناعة أن الشاب عمار قادر على أن يذهب بعيدا في تحقيق حلم أمه المرحومة سالمة في تقلد مناصب سامية.

وفي مطلع الثمانينات، التحق عمار سعيداني بإحدى محطات إنتاج النفط بحاسي مسعود، لينخرط في صفوف الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ثم مناضلا في حزب جبهة التحرير. وعاصر العديد من رموز المركزية النقابية على غرار الطيب بلخضر، وعبد الحق بن حمودة، وعبد المجيد سيدي السعيد ليترأس اللجنة المستقلة لمساندة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ثم ارتقى إلى منصب أمين محافظة الأفالان بولاية الوادي، قبل أن ينتخب لعهدتين متتاليتين في المجلس الشعبي الوطني، ويترأس الهيئة التشريعية خلفا لكريم يونس المستقيل في العام2004، على خلفية الصراع الدائر آنذاك بين بوتفليقة وغريمه، علي بن فليس.

9