عمار غول متلوّن يخرج من عباءة الإسلاميين ليدخل تحت عباءة السلطة

عمار غول ومنذ تسميته وزيرا للأشغال العمومية في مطلع الألفية، يحافظ على البقاء وفيا لتقاليد الإخوان السياسية، عبر استغلال المواقع الرسمية في زرع العيون والموالين لحركة "حمس" في المناصب الرسمية التابعة لقطاعه.
السبت 2019/01/05
وفاء لتقاليد الإخوان السياسية

حينما سئل مؤسس وزعيم أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر محفوظ نحناح، في بداية الألفية عن خلفيات وأسباب اقتراح حركة “حمس” لعمار غول، ليكون وزيرا في حكومة بوتفليقة، رد بالقول “هذه بضاعتهم ردت لهم”، في إشارة إلى انحدار الرجل من مؤسسة لغير مؤسسة الإخوان، وأن انخراطه في “حمس” هو لأداء دور معين لصالح جهاز معين في السلطة.

ولا يختلف اثنان على أن نحناح، كان يدرك منذ الوهلة الأولى لتأسيس “حمس” نهاية الثمانينات، أن مهندس الأشغال العمومية وأصيل محافظة عين الدفلى، غربي العاصمة، هو عين جهاز الاستخبارات على الحركة، وأن انخراطه في صفوف الإخوان هو أداء لمهمة معينة أكثر منها قناعة سياسية أو أيديولوجية.

حمائم الإخوان وخيارات النظام

لقد برهن ذلك المهندس التقني على أنه راقص بارع على الحبال المتقاطعة، فمن عباءة الإخوان خرج، ثم صار عرّابا للسلطة وإحدى أذرعها القوية. ومن علبة جهاز الاستخبارات أدى دور العين الحارسة، وكما كان من مقربي مؤسس أكبر الأحزاب الإخوانية محفوظ نحناح، ظلّ إلى حين يفاخر بلعب الكرة مع الجنرال توفيق، حين كان يوصف بـ”ربّ الجزائر”، فهل هو إخواني منشق أم عونٌ استخباراتي؟

منذ تسميته وزيرا للأشغال العمومية في مطلع الألفية، حرص غول على البقاء وفيّا لتقاليد الإخوان السياسية، عبر استغلال المواقع الرسمية في زرع العيون والموالين لحركة “حمس” في المناصب الرسمية التابعة لقطاعه، واستطاع في ظرف سنوات أن يبثّ عناصر “حمس” في المديريات المحلية والمركزية وفي المصالح الفرعية للوزارة.

ولسنوات طويلة، ظلّ أحد فاعلي تيار الحمائم في الحركة الإخوانية، التي تناغمت مع خيارات السلطة، منذ انقلاب العسكر على إسلاميي جبهة الإنقاذ المتشددة، الذين استحوذوا على الانتخابات المحلية والتشريعية التي جرت مطلع تسعينات القرن الماضي، ووجد ضالته في مخطط التعايش الذي وضعته السلطة آنذاك لاستقطاب الإخوان من أجل ضرب تشدّد الإنقاذيين، فلمع نجم غول كأحد النماذج الإخوانية الجديدة.

تمسّك بالتقليد الحربائي للإخوان، بإظهاره قدرة عالية على التلوّن مع جميع الوضعيات والمواقف، فقد حدث مرة أن وبّخه الرئيس بوتفليقة علنا في أحد مجالس الوزراء لحكومة علي بن فليس، بسبب انبعاث روائح الفساد في قطاع الأشغال العمومية، إلا أن الرجل حافظ على توازنه واحتوى الموقف بسهولة، وواصل مسيرته كنموذج سياسي انتهازي يغرف من كل الموائد.

ضحية جهاز الاستخبارات

كان غول يردّد لرفاقه وللصحافيين بأنه “يلعب كرة القدم مع الجنرال توفيق”، حين كان الأخير بمثابة الشبح الذي يخشاه الجميع ويتحاشى الكل غضبته، قبل أن تدور عليه الدائرة، ويبعد من قيادة الجهاز في 2015، من طرف الرئيس بوتفليقة، ويبلع بعدها غول لسانه عن كل شيء يشير إلى الجنرال القوي.

ويشهد الجميع أن غول رصد جيّدا توقيت ونوعية القفز من المركب. ففيما قفز صقور الإخوان من قارب السلطة في 2011، إلى شاطئ رصد إفرازات ثورات الربيع العربي، تحسّبا لأي مآل يضاهي مآل تلك الثورات التي شهدتها مصر وتونس وليبيا، قفز غول من قارب الإخوان برمته، وأسس حزب تجمع أمل الجزائر “تاج”، ليكون منصة سياسية تسند طموحاته وأجندته.وهو ما يثبت صحة رؤيته الاستشرافية لتطورات الوضع الإقليمي، وتداعياته على الوضع الداخلي، بعدما اختار الولاء للسلطة رغم هشاشة وضعها، بينما اختار رفاقه المجازفة بسنوات التحالف مع النظام، بسبب طموحهم لركوب موجة الثورات العربية، وهو ما انتهى إليه بعد انتهاء تلك الثورات إلى رماد بارد، وأكسبت السلطة شرف تحييد البلاد عن موجة الفوضى والانفلات السياسي والأمني الإقليمي.

استطاع غول أن يفلت من فضيحة الطريق السيارة شرق غرب، بسبب ما أثير حوله من ممارسات فساد فظيعة، وهو الذي كان على رأس حقيبة الأشغال العمومية لسنوات طويلة، وتمكن من أن يلبس نفسه ثوب الضحية لجهاز الاستخبارات، لما سمّي بـ”التقارير المفبركة للانتقام من رجالات بوتفليقة” خلال المحاكمة الشهيرة لملفات الفساد بين 2010 و2013.

ورغم أنه لا يختلف اثنان في الجزائر، على وصف مشروع الطريق السيارة بـ”فضيحة القرن”، قياسا بما استهلكه من أموال طائلة بلغت نحو 20 مليار دولار، وبالعيوب والاختلالات الفنية التي تلفّه، وحتى عدم استكماله لحد الآن، فإن غول، بقي بعيدا عن المساءلة والحساب عن الأموال العمومية التي استنفدها قطاع الأشغال العمومية، وطوي كل شيء في دفة الصراع وتصفية الحسابات بين جهازي الرئاسة والاستخبارات.

[ مراقبو مسيرة غول يؤكدون أنه رصد جيدا توقيت ونوعية القفز. ففيما قفز صقور الإخوان من قارب السلطة في 2011 إلى شاطئ رصد إفرازات ثورات الربيع العربي، قفز غول من قارب الإخوان برمته.
مراقبو مسيرة غول يؤكدون أنه رصد جيدا توقيت ونوعية القفز. ففيما قفز صقور الإخوان من قارب السلطة في 2011 إلى شاطئ رصد إفرازات ثورات الربيع العربي، قفز غول من قارب الإخوان برمته.

خدمات خاصة

وبين لعب الكرة مع الجنرال توفيق وبين ثوب الضحية من التقارير الاستخبارية المفبركة ضد رجالات بوتفليقة، تتجلى قدرة غول على اللعب على الحبال المتقاطعة، وقاعدته المقدسة “البقاء للأقوى وأنا معه”. ولا مجال للمواقف والثوابت أو الوفاء، فمن كان بالأمس صديقا هو اليوم عدوا، ما دامت خيوط اللعبة ليست بيده، والعبرة ليست بمسيرة الارتقاء من مصاف مهندس في ورشة إلى فاعل سياسي، بل بما يحمله المستقبل وتتيحه قواعد اللعبة.

حزب “تاج” الذي أطلقه غول لتقديم خدماته للسلطة والاستفادة من ريع الموالاة، تمكن من أن يشكل كتلة برلمانية تدافع عن أفكاره، ليمثل أحد أضلاع المربع السياسي المؤيد لبوتفليقة “جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية الجزائرية”، ويكون أداة للدفاع عن اللامعقول السياسي في الجزائر، الذي مثله الرجل في أحد تصريحاته بأن “رئيس البلاد هو قضية دولة وليست قضية طرف آخر”، متفاديا ذكر كلمة الشعب لتفادي أركان الفضيحة، لأن غول مستعد للسباحة ضد أي تيار، من أجل أن يبقى بوتفليقة في السلطة، وأن تبقى الموالاة في مواقعها، ولو كان تجاوز صلاحية الشعب في اختيار رئيسه ولو كان بشكل صوري.

رئيس بلا شعب

يذكر الإعلامي المخضرم سعد بوعقبة، أن “غول يجيد لعبة الاستماع ووضع أذنه في فم الألسنة الهامسة”، وهو التوصيف الذي يعكس ارتباط الرجل بدوائر القرار، والاضطلاع بمهمة نقل بالونات الاختبار وعدم التحرك خارج الإيحاءات التي ترده في الخفاء، كغيره من الأذرع السياسية التي صنعتها مخابر السلطة من أجل تمرير خطابها.

وإذا كان المدير السابق لجهاز الاستخبارات المنحل الجنرال توفيق، يشهد له بدهائه وقدرته على صناعة هالة كبيرة حول شخصه منذ تعيينه على رأس الجهاز في 1990 إلى غاية العام 2015، وهو ما تجلى من خلال مدّ جسوره مع مختلف التيارات والشخصيات من أقصى التيار الحداثي العلماني، إلى أقصى التيار الإسلامي، فإن السلطة الحالية يشهد لها أيضا بقدرتها على استمالة الجميع باختلاف مرجعياتهم وأجنداتهم، واستطاع محيط الرئيس أن يصنّف كل على حدة، وأهلت كل طرف لمهمّة معينة.

تكرس غول عميقا في التحالف الهجين المؤيد لبوتفليقة، الذي جمع بين المتناقضات السياسية، ففي التحالف الرئاسي يجتمع القوميون الحداثيون والمحافظون “التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني”، والحداثيون العلمانيون “الحركة الشعبية الجزائرية”، والوطنيون الإسلاميون “تجمع أمل الجزائر لعمار غول”.

وقد تكون أبرز مهمّة كلف بها غول، في الآونة الأخيرة، هي إطلاق ما عرف بمبادرة “الندوة الوطنية المفتوحة من أجل إجماع وطني حول جزائر جديدة”، التي تستهدف الذهاب إلى ندوة شاملة تفضي إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية المنتظرة بعد أربعة أشهر، وإرساء مرحلة انتقالية بكل تدابيرها، وهو ما يمكن الرئيس بوتفليقة من البقاء في السلطة دون انتخابات.

ويرى متابعون للشأن السياسي في الجزائر، أن غول ليس في مستوى هذا الاجتهاد السياسي ولا هذه الجرأة، وأن المبادرة التي يروّج لها الآن أمليت عليه من طرف دائرة ما في السلطة لجسّ نبض الشارع ورصد ردود فعل الطبقة السياسية، وهي تمثل واحدا من الخيارات المتداولة في هرم النظام، لمعالجة الأزمة السياسية التي تتخبط فيها البلاد بسبب غموض الوضع المتصل بالاستحقاق الرئاسي.

شجاعة غول تذهب دوما في سياسة اللامنطق، تجمع بين الشيء ونقيضه في بوتقة واحدة، فهي تروّج لمبادرة سياسية، تدعو المعارضة السياسية والنخب والشخصيات المستقلة إلى نقاش مفتوح حول المستقبل السياسي، لكن بإشراف بوتفليقة، وهو ما يثير التساؤل حول جدوى مثل هذه المبادرة، إذا لم يحدد موقع بوتفليقة إن كان جزءا من الأزمة أو جزءا من الحل، فإن كان في الأول لا يمكن أن يكون إلا طرفا من أطراف النقاش في أقصى حالات التوافق، وليس مشرفا عليها، وإذا كان يصنف في الثاني ما الفائدة من هكذا مبادرة تستنفد الوقت والجهد من عمر البلاد؟

ويبقى غول ملتحفا ثوبا رماديا، فلا أحد يمكنه أن يجزم بأنه منتوج أو ذراع إخوانية، ولا هو صناعة استخباراتية، ولا هو نموذج سياسي انتهازي، فالقدرة على التلون مع جميع الوضعيات أكسبته قدرة على تجاوز جميع التصنيفات. وحتى النكسة التي مني بها، بعد تجاهل الرئيس بوتفليقة، للجدل السياسي القائم حول الاستحقاق الرئاسي المقبل، بما فيها مبادرة غول السياسية، في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، فإنه بإمكان الرجل احتواء الموقف ولا غرابة إذا صار مدافعا عن التجاهل أكثر من دفاعه عن مبادرته.

أما رواد شبكات التواصل الاجتماعي، فيحتفظون لصاحب الضيعة الواسعة في مسقط رأسه بمحافظة عين الدفلى، بصورة ذلك الشاب النحيل أمام سيارة “لادا” الروسية المتواضعة برفقة بعض أصدقائه، كدليل على ما تجنيه السياسة في الجزائر على أصحابها، فهي وسيلة وغاية للثراء وليس لأشياء أخرى، وبالمحصلة ليس هناك مسؤول أو وزير فقير إلا ما ندر. وأما عمار غول وأمثاله، فهم ظاهرة تجسّد تحالف المال والسياسة.

أبرز مهمة يُكلّف بها غول في الآونة الأخيرة إطلاق مبادرة “الندوة الوطنية المفتوحة من أجل إجماع وطني حول جزائر جديدة” لتأجيل الانتخابات الرئاسية، ليبقى بوتفليقة رئيساً.
أبرز مهمة يُكلّف بها غول في الآونة الأخيرة إطلاق مبادرة “الندوة الوطنية المفتوحة من أجل إجماع وطني حول جزائر جديدة” لتأجيل الانتخابات الرئاسية، ليبقى بوتفليقة رئيساً.

 

12