عمار فرحات فنان تونسي رسم حياته كما عاشها

الأحد 2017/01/15
عمار فرحات رسام الحياة اليومية بإيقاع موسيقي

لندن - لا يمكن الحديث عن نشأة الرسم الحديث في تونس بمعزل عن الصالون التونسي الذي أسسه فنانون فرنسيون عام 1894. تلك الحقيقة كان لها أكبر الأثر في صياغة الأساليب الفنية التي اتبعها أوائل الرسامين التونسيين، من أمثال الجيلاني عبدالوهاب ويحيى التركي وعبدالعزيز بالرايس وحاتم المكي وعمار فرحات. وكان الهادي الخياشي رسام البلاط وأول تونسي يمارس الرسم في العصر الحديث قد سبق الجميع.

الرسم بعيون غربية

علي بن سالم (1911ـــ 2001) كان الاستثناء الوحيد من بينهم من جهة خروجه على القواعد التي أرستها مدرسة تونس، وهي مدرسة، اتبعت في مخالفتها للثقافة التقليدية أثر المفاهيم الاستشراقية.

لقد كان المطلوب أن يرسم التونسيون بلادهم بعيون غربية، مصابة بهوس الاستشراق. عمار فرحات وهو فنان عصامي مجيد لم يخرج على الوصفة الجاهزة، بالرغم من أن رسومه تعد اليوم وثائق صورية مهمة، سجل الفنان من خلالها وقائع الحياة اليومية في تونس.

كان من الصعب في تلك المرحلة التفريق بين لوحة يرسمها فرنسي وأخرى يرسمها تونسي، ذلك لأن التونسيين الذين تعلموا الرسم بتأثير الحضور الفني الفرنسي لم يغادروا دائرة الرسم الكلاسيكي، الذي كانت أوروبا نفسها قد غادرته في تلك المرحلة.

في إطار الرؤية التعليمية المبسطة كان رواد الرسم في تونس ومنهم عمار فرحات يتحركون، من غير أن يتطلعوا إلى ما كان يحدث في أوروبا من تحولات فنية.

لا يمكن القول إن مدرسة تونس كانت كذبة تاريخية. غير أن التعويل عليها كثيرا قد لا ينفع في فهم سيرة الفن الحديث في تونس.

يمكن لعمار فرحات أن يكون معلما. غير أنه سيكون من الصعب اعتباره صلة وصل بالعصر الحديث. فرسومه لا تغادر المنهج الوصفي الذي استطاع الرسام أن يقدمه بدربة تقنية عالية.

فرحات وهو يرسم أشبه بمن يكتب يومياته صوريا

غير أن ما يُحسب لفرحات أنه كان من بين أقرانه الرواد الوحيد الذي جاء إلى الصنعة من غير تحضيرات مدرسية واستطاع أن يقف بكفاءة بينهم.

ولد عمار فرحات عام 1911 بمدينة باجة، شمال غربي تونس. في سن السابعة انتقل إلى تونس العاصمة بحثا عن لقمة العيش وكان يتيما. مبكرا تعرف على موهبته في رسم الصور الشخصية.

في سن الخامسة عشرة صار بائعا جوالا، ولم تكن بضاعته سوى الصور التي كان يرسمها لممثلي السينما المصرية. وهنا بالضبط يسجل فرحات سبقا تاريخيا. فهو فنان عصامي، علّم نفسه الفن بنفسه ولم يدخل أيّ مدرسة فنية، إضافة إلى قيامه بالترويج التجاري لفنه بطريقة مبتكرة ومن غير الحاجة إلى وسيط.

رسام حياته الشخصية

عام 1937 ظهر لأول مرة رساما معترفا به من قبل الصالون التونسي، حيث عرض لوحتين مائيتين من لوحاته. عام 1940 أقام أول معرض شخصي في مقر جريدة محلية.

عام 1949 التحق بمجموعة مدرسة تونس وحصل على الجائزة الأولى للرسم في تونس، وهو ما كرّسه رساما ويسّر له الانتقال إلى باريس، حيث تعرف هناك على الأوساط الفنية ومن ثم عاد إلى تونس ليقضي حياته متفرغا للرسم إلى أن توفي عام 1987.

تشكل تجربة عمار فرحات ظاهرة فريدة من نوعها لارتباطها بحياة صاحبها التي لم تكن تنبئ بولادة فنان كبير من نوعه. لا لأن فرحات لم يتعلم الرسم أكاديميا وبرز فنانا محترفا وحسب بل وأيضا لأنه كان الأقرب من بين أفراد مدرسة تونس إلى موضوعاته التي شكلت محور اهتمام الرسامين الفرنسيين وهم يسعون إلى تسجيل وقائع العيش العادي في تونس.

كان فرحات وهو يرسم أشبه بمن يكتب يومياته صوريا. كانت حياة الفقراء التي صور مفرداتها هي حياته الشخصية، فلم تكن هناك أيّ مسحة استشراقية.

"حكواتي الرسم" تلك الصفة التي يمكن لها أن تختصر طريقته وهو ينشئ تكويناته التي كان يلتقط مفرداتها من الحياة المباشرة. في كل ما رسمه كان فرحات يعالج أجزاء من حكايته، قبل الرسم ومن خلاله.

فرحات رسم الأعراس الشعبية

وإذا ما كان قد رسم الفقراء والمتسولين والحشاشين والهامشيين فلأنه كان يمكن أن يكون واحدا منهم كل حياته لولا أن الرسم أنقذه. كل لوحة منه هي حكاية لا تكتفي بذاتها، فهناك ما يكمّلها موضوعيا وشكليا. كل الحكايات ناقصة.

الشعور بالأسى والبؤس والقهر الذي لم يفارق الفنان كان يقف وراء رغبته في أن تمتد سلسلته في الحكايات إلى ما لا نهاية. هناك ما لا يرسم. وهو ما لم يتمكن فرحات بسبب خضوعه لشروط مدرسة تونس الأسلوبية من إدراكه عمليا، بالرغم من أن رسومه كانت تكشف عنه.

مع ذلك فقد حاول أن يكون معاصرا، وبالأخص في مرحلة ذهابه إلى باريس. لقد حدث أن رسم مشاهد من الحياة المعاصرة التي وقعت في مرمى بصره.

وقد يبدو مثيرا للدهشة أن تلك المشاهد بدت من خلال رسوم فرحات قريبة من محاولات رسّامي ما بعد الانطباعية الفرنسيين، وهو ما يعني أن الرسام كان حساسا في تأثره بما رآه من رسوم في باريس، بالرغم من التزامه بالوصفة التي وضعها فرنسيّو الصالون التونسي.

وقد يكون نوعا من التكهن القول إنه لو أتيحت له حياة شبـيهة بتلك الحياة التي عاشها علي بن سالم في السويد بعيدا عن تونس لرأينا رساما مختلفا، رساما محدثا، يتقدم بالرسم التونسي خطوات، مثلما فعل بن سالم تماما. ما كانت حـياة فرحات لتكتمل إلا بسـبب حكاياته التي ظلت ناقصة.

رسوم فرحات كانت تكشف عنه

الحياة داخل الموسيقى

رسم عمار فرحات الأعراس الشعبية. كان من خلالها قد اهتدى إلى الموسيقيين الذين رسمهم باعتبارهم كائنات منفصلة عن الواقع. تأمّل تلك اللوحات يكشف عن الوجه الخفي لذلك الطفل الذي تعلق بالفن باعتباره صورا وكانت تلك الصورة مصدر رزقه.

موسيقيو فرحات الشعبيون الذين يجوبون الشوارع كانوا يعيدونه إلى فكرته عن الفن الذي يُباع من غير قدرته على الإثارة. شغف فرحات بالموسيقيين كبيرا يذكّر بشغفه بممثلي السينما صغيرا.

تلك حياة متخيلة وهذه حياة واقعية، ما بين الحياتين يمتد خيط خفي هو الشغف الروحي بشيء يكاد يشبه الوهم هو الفن. ألا يستحق ذلك الوهم أن يهبه المرء كل حياته؟ وهو ما فعله فرحات حين وهب الفن حياته كلها.

في كل رسوم عمار فرحات هناك شيء من الموسيقى. خطوطه اللينة والمنسابة والمنطلقة توحي بالكثير من المرح، بالرغم من أن موضوعاته كانت لا تملك سوى أن تنصاع لقوة السؤال الطبقي. كان فرحات هو ابن ذلك السؤال الاستثنائي في تاريخ الرسم الحديث بتونس.

الحكواتي كان حائرا بموسيقييه. كان موسيقيوه يقفون خارج كل حكاية. إنهم أفراد حكايته الشخصية الذين حولهم إلى مفردات جمالية، لا تزال تهب لوحاته إيقاعا مغايرا. لقد أسر عمار فرحات من خلال موسيقييه جزءًا من الحياة الروحية لشعبه.

10