عمالة أفريقية تغزو حيا صناعيا في قلب القاهرة

في قلب القاهرة وعلى بعد أمتار قليلة من ميدان رمسيس الذي يعدّ من أشهر ميادين العاصمة المصرية، تحوّل حي السبتية إلى قبلة تجمع العديد من الهاربين من الفقر والحروب والبطالة في بعض الدول الأفريقية، مستفيدين من صلابة أجسادهم لإقناع أصحاب الورش باختيارهم للعمل في إحدى المهن الشاقة.
السبت 2017/11/11
عمل بجهد وصمت (تصوير محمد حسنين)

القاهرة - تستقبل مصر عمالة من جنسيات عربية وآسيوية تعمل في مهن متباينة، لكن العمالة الأفريقية أصبحت لها خصوصيتها وقد تزايدت بصورة لافتة، وبعد أن كانت مصر بلدا مصدرا للعمال بكثافة تحولت إلى مستقبل لها، لأسباب اقتصادية واجتماعية، ودوافع لها علاقة بآليات العمل وإتقانه.

عند الوصول إلى منطقة “السبتية” وسط القاهرة، تشعر وكأنك انتقلت من مصر إلى إحدى الدول الأفريقية جنوب الصحراء، بعد أن أصبحت المنطقة التي تجمع ورش ومتاجر الحديد والصلب ملاذا جديدا للعمالة الأفريقية الباحثة عن الرزق.

يشكل الشاب القادم من أي دولة أفريقية دعامة للورش والشركات العاملة في مجال الحديد والصلب والأخشاب والبلاستيك والألمنيوم، والواقعة في منطقة السبتية بحي بولاق أبوالعلا في وسط القاهرة.

كانت هذه المنطقة حتى وقت قريب مصرية خالصة في التجارة والعمالة وتوزيع المنتجات للمحافظات المختلفة، لكن بسبب ارتفاع سعر العمالة المصرية والتلكؤ في العمل، بدأت عملية نزوح أفريقية شبه منظمة، فتحوّل أصحاب الورش والمصانع للاعتماد على الشباب القادمين من دول أفريقية، هربا من صعوبة الحياة في بلادهم، أو البقاء في القاهرة كـ”ترانزيت” حتى يتسنى لهم تدبير النقود اللازمة للهروب إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

يكفي المرور أمام ورش ومصانع منطقة السبتية لمشاهدة كيف فرض أصحاب البشرة السمراء من أصحاب السواعد القوية وجودهم، وأصبح الاعتماد عليهم واقعا لا مفرّ منه.

عبدالله (من تشاد) يعمل في إحدى الورش وينقل ألواح الحديد لمدة عشر ساعات دون تذمّر، وبدا من شدة رشح العرق على جسده وكأنه يرتدي ملابس مبللة.

إلى جواره وقف محمد (نيجيري) ممسكا بيديه منشارا لقطع الحديد المصهور، ثمّ يحمل على أكتافه ما قام بقطعه ويسير به مسافة 20 مترا ليضعه داخل مخزن قريب من الورشة، ثم يعود مرة أخرى لقصّ الحديد، ويستمر على هذا المنوال لعشر ساعات يوميا.

الشباب المصري أصبح كثير التذمر ويبحث عن وظيفة تؤهله للعمل المكتبي بدافع البحث عن الراحة

بالقرب من عبدالله ومحمد، يجلس جمال خليفة صاحب ورشة الحديد على كرسيه ليتابع حركة العمال، ويتلقى الاتصالات التليفونية ممن يريدون شراء الحديد ويتعرّف على الكميات المطلوبة ويتفق مع الزبائن على الأسعار، ثمّ يتعهد بتجهيز الطلب في موعده لأن لديه عمالا مهرة وعلى قدر كبير من المسؤولية.

يقول جمال لـ”العرب”، “لم أجد طوال 40 عاما، هي فترة وجودي بمنطقة السبتية، شبابا يواصلون العمل كامل ساعات اليوم دون راحة أو ملل أو كسل أو تذمر مثل هؤلاء القادمين من دول أفريقية شقيقة، خاصة السودانيين والنيجيريين والصوماليين والتشاديين”.

يتابع جمال، “إلى جانب الالتزام الشديد بالمهام الموكلة إليهم، هم على خلق حسن، وينفذون ما يطلب منهم بابتسامة دائمة تعلو وجوههم، ولا يطلبون أجرا سوى المتفق عليه، ويعملون في صمت شديد ولا تسمع لهم صوتا أو ضجيجا”.

تذمر المصري

يرى أصحاب الورش أن الشباب المصري أصبح كثير التذمّر ويبحث عن وظيفة تؤهله للعمل المكتبي بدافع البحث عن الراحة وعدم إرهاق نفسه بأعمال ثقيلة، مهما كان عائدها المادي، وبالتالي كان البديل الأمثل أن يستبدل أصحاب الورش والمصانع هؤلاء بأفارقة، حتى أصبحوا يمثلون ثروة لأي صاحب عمل في المنطقة.

وتعزز الاعتماد على هؤلاء لأن أبناء العاملين القدامى بورش السبتية لا يفضلون العمل في هذه المهن الشاقة، ولم يعد ابن الحداد حدادا أو ابن الشيّال (ناقل البضاعة) شيّالا، وبدأت الخبرة المصرية في هذه النوعية من الأعمال تنقرض، وأصبح البحث عن تكوين خبرات أخرى خارج البلاد للعمل في هذه الصناعات ضرورة ملحّة.“المصري عايز إجازة كل شويّة”، هكذا فسر أحمد سعيد، صاحب ورشة بالسبتية سبب اعتماده على الأفارقة، مضيفا، “أصبح مصير العشرات من الورش والصناعات مرتبطا بالعمالة الأفريقية، حتى تمت أفرقة غالبية الورش، ولا بديل عن ذلك في ظل وجود عجز شديد في العمالة التي تنفذ المهام باحترافية عالية، حتى وجدنا كل ما نريده في أصحاب البشرة السمراء”.

حركة دؤوبة بلا شكوى

معروف أن السبتية من أهم مناطق القاهرة التي كانت تحتضن “الفتوات”، لمشقة العمل في هذه الورش والمصانع التي يعمل أكثرها وسط النار لقطع الحديد، وأصبح هناك ما يمكن وصفه بـ”فتوات أفريقيا في قلب السبتية” الذين نجحوا في فرض أنفسهم بقوة على مختلف الأعمال، بالعمل الجاد وليس بـ”البلطجة”.

يتعامل أصحاب المصانع والورش في هذه المنطقة مع أصحاب البشرة السمراء بخصوصية شديدة، يدافعون عنهم ويتصدون لكل سخرية أو تعامل غير لائق من العمال المصريين أو التحدث معهم بشكل يبدو فيه أيّ نوع من العنصرية.

ويوضح سعيد علي، صاحب ورشة لتصنيع وإعادة تدوير المعادن، “أحيانا أعاقب عاملا مصريا بالخصم من راتبه لو وجدته يتحدث مع أي عامل أفريقي بشكل مهين، وقد طردت عاملا مصريّا من الورشة بشكل نهائي لأنه سخر من شاب نيجيري حضر للعمل معي بعدما وجدته يتعامل بهدوء ورقيّ وصمت رغم هذه الإهانة”.

ويضيف لـ”العرب”، من شدّة إيمان الكثير من أصحاب الورش والمصانع في منطقة السبتية بجدوى الاعتماد عليهم صاروا يوفرون لهم مساكن مجانية يقيمون فيها بعد انتهاء ساعات العمل، ونتيجة للمعاملة الحسنة أصبح لدى هؤلاء شعور بالانتماء والعطاء إلى أقصى درجة.

يقول سعيد علي “لك تتخيل أن يكون معك عمّال يعملون في صمت ولا يشعر أحد بوجودهم، فقط تفاجأ بانتهاء كل الأعمال قبل وقتها دون مشكلات أو اعتذارات بالتأخير أو طلب مبالغ مالية أكبر”.

يعمل الشاب الأفريقي لمدة 10 ساعات مقابل مئة جنيه (5.5 دولارات)، والبعض منهم يستمر لساعات أخرى لزيادة دخله، وتتم محاسبته من صاحب الورشة والمصنع عن كل ساعة إضافية بنحو 20 جنيها.

مهندس وعاطل

يقول صامويل (من جنوب السودان) وهو يبتسم “الأوضاع في بلادنا سيئة للغاية، وتعودنا أن نقوم بأي عمل مقابل حياة كريمة، لكن حكومتنا لا تستفيد من الشباب ولا تفكر في مستقبلهم، لذلك كان البقاء في بلدي مضيعة للوقت والعمر”.

وأشار لـ”العرب” إلى أنه درس الهندسة، لكنه لم يتمكن من العمل، بسبب الحرب والفقر والمحسوبية، وهي أمراض تنتشر في كل أركان البلاد، لذلك أصبحت الهجرة هي الطريق الوحيد لغالبية الشباب.

ويتمنى أن يستفيد من قوته الجسدية للقيام بمهام مضاعفة لزيادة دخله المادي بما يساعده على إتمام خطبته بعد أشهر قليلة من فتاة سودانية تقيم في القاهرة.

رحلة صامويل من جنوب السودان إلى مصر، تمثل مغامرة بالنسبة إليه، فبعد أن فشل في الدخول بطريقة شرعية لكثرة الراغبين في السفر، اتفق مع شبكة تعمل في مجال تهريب البشر على تسهيل مهمته نظير دفع ألف دولار أميركي. وعلى استحياء قال لـ”العرب”، “الهجرة غير الشرعية إلى مصر أو إلى غيرها تجارة رابحة جدا، وهناك شبكات تعمل فيها من دول مختلفة، كل شبكة تقوم بمهمتها في المحطة (البلد) التي تقع تحت مسؤوليتها، وعبر دروب الصحراء الممتدة بين السودان ومصر تمكّنت من الوصول إلى القاهرة، بعد أن خضت مغامرة للخروج من جنوب السودان، قادما من جوبا عاصمة جنوب السودان”.

تذمر شباب مصر فتح الطريق للأفارقة

قصة صامويل تشبه قصص غالبية الأفارقة القادمين إلى مصر من نيجيريا والصومال والنيجر ومالي وتشاد وغيرهم، حلم دخول مصر وسيلة للعبور منها إلى أوروبا عندما تُتاح لهم الظروف، وليست الغاية الاستقرار فيها أبدا.

واستقبلت مصر خلال السنوات الماضية مئات الآلاف من دول عربية مختلفة، بسبب الحروب والأزمات في العراق وسوريا واليمن وليبيا، لكن ظلت بالنسبة إلى القادمين من دول أفريقيا ملجأ كلما واتته الظروف، لأنهم يعاملون بشكل جيد وليس كمشردين أو لاجئين، وربما تعدّ مصر البلد الوحيد الذي يخلو من معسكرات ومخيمات للاجئين، وتستطيع أن تستوعب كل الجنسيات بين أبنائها.

ويعيش في مصر نحو خمسة ملايين سوداني منذ عقود طويلة، لكن بدأت عملية السفر مؤخرا بالنسبة إلى السودانيين تخضع لقيود أمنية شديدة.

وبينما كان صامويل يتحدث، كان زميله بورشة المعادن محمد كورابي، صومالي الجنسية، يطرق الحديد بقوة لإعادة تشكيله، ثم تدخل في الحوار قائلا لـ”العرب”، “لا أمل في تحسن وضع بلادي الاقتصادي، فالحياة شديدة القسوة هناك ولا أرغب في العودة إليها مجددا.. هنا نأتي في صمت لنعمل ثمّ نغادر عملنا في صمت”.

ويتميز الشاب الأفريقي في منطقة السبتية، بأنه إذا شعر بعدم وجود جدوى لحضوره إلى مقر الورشة أو المصنع لوجود ركود في عملية البيع أو أن صاحب العمل ألمح إلى عدم وجود اتفاق مع مشتر، يتغيب من تلقاء نفسه حتى لا يتحمّل صاحب العمل تكلفة دفع راتبه في ذلك اليوم.

يقول سعيد علي، “هم يفعلون كل شيء يجبر أصحاب الورش والمصانع على تقديرهم والتعامل معهم بخصوصية ورفع مرتباتهم دون أن يطلبوا ذلك”.

أزمات وتغيرات

تأثرت ورش ومصانع منطقة السبتية خلال الفترة الماضية بالأزمة الاقتصادية الطاحنة التي مرت بها مصر، نتيجة ارتفاع الأسعار وتحرير سعر الصرف وتأثير ارتفاع سعر الدولار على الخامات المستوردة من الخارج.

وحتى منتصف عام 2015 كانت عملية البيع والشراء في السبتية شبه متوقفة بسبب الركود، ومع توجه الحكومة نحو إقامة العديد من المشروعات التنموية وشبكة للطرق والكباري، واستصلاح مناطق صحراوية وتعميرها وإنشاء مدن سكنية، أصبح الاعتماد على منتجات مصانع السبتية في هذه المشروعات أساسيا، فراجت البضاعة.

في هذه المنطقة يتم تصنيع “الكونترات” الخرسانية والأخشاب بمختلف أنواعها وقضبان الحديد والألمنيوم والمواسير النحاسية ورافعات المباني التي تستخدم في أعمال البناء، ولا يوجد بديل لمثل هذه المعدات والصناعات في أيّ مشروع مصري، ويتم توزيعها على محافظات مختلفة عبر السيارات الثقيلة التي يمتلكها أصحاب المصانع والورش في منطقة السبتية.

أصحاب الورش يرون أن الشباب المصري أصبح كثير التذمر ويبحث عن وظيفة تؤهله للعمل المكتبي بدافع البحث عن الراحة وعدم إرهاق نفسه بأعمال ثقيلة

ويدرك أصحاب الأعمال هناك، أنه كلما زاد الطلب على المنتجات ازدادت الحاجة إلى عمالة سريعة الإنجاز، وتستطيع أن تتعامل وسط ظروف بالغة الصعوبة والمشقة، لتعويض الخسائر التي منيت بها المصانع والورش خلال فترة الركود الاقتصادي.

واعترف جمال خليفة، صاحب ورشة الحديد أنه “لولا المشروعات التنموية الجديدة لكانت هذه الورش والمصانع قد أغلقت أبوابها وأعلنت إفلاسها وسرحت عمالها”.

وتعود تسمية السبتية بهذا الاسم، إلى أنه كانت تقام سوق لتجارة الغلال والحبوب كل يوم سبت أسبوعيا، واستمرت لأكثر من 40 عاما، حتى تم استخلاص السبتية من اسم سوق السبت، وتحولت من بيع الحبوب إلى مكان تجاري وصناعي للمواسير وخامات المعادن والأخشاب والبلاستيك والألمنيوم خلال الـ50 عاما الأخيرة.

وتمتد المنطقة من ميدان رمسيس المجاور لمحطة سكك حديد مصر في وسط القاهرة، إلى غاية كورنيش النيل، وتحيط بها بعض المؤسسات والهيئات الحكومية.

وبعد إزالة الكثير من المنازل القديمة في حي بولاق، بدأ تجار السبتية يشعرون بالخطر، خوفا من نقل ورشهم ومصانعهم خارج هذه المنطقة التي يتم إعدادها لتكون مركزا ماليا عالميا في قلب القاهرة.

ويرى خبراء اقتصاد، أن السبتية لها أهمية استراتيجية كبيرة فهي تقع وسط القاهرة وقريبة من النيل، وعلى مسافة قريبة منها فنادق وبنوك ضخمة، ولن يكون من المناسب استمرار ورش الحديد وغيرها لفترة طويلة، كما أن القيمة المادية للأرض في هذه المنطقة قفزت لأرقام خيالية.

ويذكر أن هناك مشروعا قديما لنقل المصانع الصغيرة من هذه المنطقة إلى خارج القاهرة ولم يتحقق بسبب تمسك التجار بعدم المغادرة، وتجددت المحاولات أخيرا عقب إزالة منازل كثيرة في منطقة مثلث ماسبيرو القريبة من السبتية.

وفي الوقت الذي يتوقع فيه الكثير من الخبراء اختفاء السبتية القديمة قريبا، يرجحون أن يستمر تدفق العمالة الأفريقية على مصر للعمل في ورش ومصانع تنتشر على طول البلاد وعرضها، وهي بحاجة أكثر من أي وقت مضى لهؤلاء.

تصوير: محمد حسنين

20