عمالة الأطفال

الأحد 2016/04/17

ما أكثر البرامج والندوات التي تتحدث عن عمالة الأطفال في عالمنا العربي، وما أكثر التقارير التي تقدمها منظمات حقوق الطفل والإنسان ومؤسسة آفاز في لبنان، التي تعطي إحصائيات دقيقة لعمالة الأطفال السوريين في لبنان، لكن رغم كل هذا الاهتمام الإعلامي لم تختف هذه الظاهرة لأنها لم تعالج السبب الحقيقي لعمالة الأطفال وهو فقر الأسرة، وعدم قدرة الأب أو الأم على العمل الكافي لسد رمق الأطفال وتأمين حياة كريمة لهم.

كل الدراسات كانت تركز على رأس هرم المشكلة وليس على القاعدة التي يجب أن تنطلق أساسا من وضع الأسرة التي تدفع بأطفالها إلى العمل، ومن خلال متابعتي لحالات عديدة في اللاذقية لعمالة الأطفال تبيّن أن معظم هؤلاء الأطفال يعانون من غياب الأب، إما استشهد أو التحق بمنظمة جهادية، أو هو معطوب ومريض -وهي الحالة الأقل- ففي غياب الأب تضطر الأم المسؤولة عن تربية عدة أطفال أن تدفع بابنها الطفل الأكبر -وتكون أعمارهم بين 8و12 سنة- للعمل في التسول أو لدى تاجر أو يكون أجيرا.

وغالبا ما تكون عمالة الأطفال مُنظمة يُشرف عليها رجل يُسمّى “الشاويش”، يجمع الأطفال ويوزّعهم في مهن عديدة منها النبش في القمامة وفرزها أو التسول أو العمل كأجراء لدى تجار أو صناعيين فيكونون بذلك متعرضين لكل أنواع المواد المؤذية وشروط العمل اللاإنسانية، ومحرومين من المدرسة وإكمال التعليم وهو الأهم، وكم من مرة رأيت -كما شهد كل سكان اللاذقية- باصا يغصّ بالأطفال من السادسة فجرا يقف في نقطة معينة من الشارع ويتدفق منه أطفال بعضهم لا يتجاوز الخامسة من عمره، يسرحون كل في اتجاه ليقوموا بعملهم الذي يحتل التسول والنبش في القمامة الجزء الأكبر منه. هذا المنظر مُخز ويجعل الدم يتجمد في العروق لكنه حقيقي ومثالي لمجرد الإحصائيات، حيث أن هذه الظاهرة مستمرة للسنة السادسة في اللاذقية كمثال وفي كل مناطق نزوح السوريين خاصة في لبنان وغيرها.

وعمالة الأطفال لا تقتصر بالتأكيد على الأطفال السوريين، لكنّني أتحدث عن أطفال سوريا كشاهدة عيان وشاهدة عصر، فرجال الشرطة والمسؤولون في الدولة يقودون السيارات الفارهة ويهشّون الأطفال السوريين الذين يتسولون بذلّ بضعة ليرات وأحيانا “طعاما” كما لو يهشّون الذباب، وبعد العصر وعند بداية الليل يجمع الشاويش الأطفال في الباص ويأخذهم إلى بيوتهم أو إلى أمكنة أخرى إن كان الطفل دون أسرة، وطبعا للشاويش حصة من تسوّل الأطفال وعملهم ولا أعفي الأهل من مسؤوليتهم فالجوع كافر وقد تضطر الأم إلى أن تضحّي بأحد أولادها كما فعلت وفاء التي توفّي زوجها نتيجة قصف صاروخي في ريف حلب ولديها خمسة أطفال أكبرهم عمره 12 سنة فدفعت به للعمل كمساعد لنجار ليؤمّن مجرد رغيف الخبز لإخوته، أما المساعدات التي تحصل عليها بين حين وآخر فلا تكفي ولا تحلّ مشكلتها، وغالبا ما تتمّ سرقة المساعدات فتبقى أشهرا بانتظار معونات من جمعيات خيرية، أو مُحسنين.

المؤلم أن معظم هؤلاء الأطفال كانوا مجتهدين في المدرسة وآلمهم انقطاعهم عن الدراسة، ولا أنسى منظر طفل يضع بجانبه علبة بسكويت من أرخص الأنواع ويجلس على الرصيف ليلا غير مبال بالعتمة والبرد والغبار الذي يثيره المارة ويحلّ وظائفه، تبين أنه يتابع دراسته ليلا بعد أن يقضي نهاره متسكعا ومتسولا وهو يبيع البسكويت.

ومعظم هؤلاء الأطفال يتعرضون لشتى أنواع التحرش والأذى الجسدي والمعنوي، وهم هائمون في الشوارع بلا حارس أو رقيب يهتم لمصلحتهم، وتبيّن لي بعد أن تابعت حالة العديد من الأطفال الذين يبيعون بضائع تافهة كالتفاح المصبوغ بالأحمر أو العلكة أو البسكويت أنهم يتنشقون الصمغ، وهي مادة مخرّبة بشدة للدماغ ولها تأثير مُخدر ومُشوش للوعي، حتى أن أحد الأطفال الذي يبيع التفاح في اللاذقية يظل مطروحا على زاوية الرصيف بحالة نصف وعي وهو يتنشق باستمرار قطعة الصمغ في يده وبجانبه طبق من التفاح المتعفن المصبوغ بالأحمر، ويلبس ثيابا عتيقة ممزقة وحذاء من النايلون، بائع التفاح هذا طفل سوري خذله الجميع من الأسرة إلى الشاويش (الذي ينظم عمالة الأطفال وخاصة التسول) إلى الدولة التي لم تبال بطفل سوري طريح على الرصيف منذ أكثر من عامين يتسوّل ويدمن الصمغ.

لا أنكر الجهود الحثيثة التي تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية، لكنها أشبه بنقطة ماء في محيط، فهي تصل لعدد محدود من الأطفال وتلحقهم بمدارسها الخاصة المخصصة للنازحين، وغالبا ما يكون لهؤلاء أسرة تهتم لمتابعتهم الدراسة، أما الآلاف من الأطفال في الشوارع فهم المأساة الحقيقية، وحتى اليوم لم تُحلّ مشكلتهم ولم يعودوا إلى المدرسة، ولا زالوا مضطرين لإعالة أسرهم الممزقة المدقعة من الفقر، ويُقدمون كإحصائيات وبرامج وثائقية تربح من ورائها الفضائيات الكثير.

إن الحل الفعلي لعمالة الأطفال يقع على مسؤولية الدولة التي تشهد كل يوم الآلاف من الأطفال الذين يتسولون ولا تُحرك ساكنا، وتمر الأيام والسنوات والجريمة مستمرة بحق أطفال العمالة، حتى أن الناس تعودوا عليهم كما لو أنهم صاروا أشبه بقطع البازل في لوحة حياة بائسة ظالمة.

حبذا لو أن الدولة ومنظمات حقوق الطفل وحقوق الإنسان تكون فاعلة أكثر من تأثيرها الذي يكاد يكون كزوبعة في فنجان، سرعان ما ينتهي ليترك بؤس الأطفال كما هو.

حبذا لو أن مرشحي مجلس الشعب في سوريا المُنهمكين برقصات الولاء الإلزامية يهتمون فعلا وبشكل إنساني وجاد بأكبر مشكلة تعاني منها سوريا وهي عمالة الأطفال، لأن هؤلاء هم المستقبل وهم صناع الوطن، فأيّ مستقبل ينتظر سوريا وأطفالها يخضعون لكل أشكال الانتهاك والاستغلال والإدمان على مواد مؤذية للدماغ كالصمغ وغيرها التي يوزعها الشاويش أو مدير الأطفال المتسولين عليهم. حلّ عمالة الأطفال يجب أن يبدأ من قاعدة الهرم أي من الأسرة، ومن خلال دراسة وضع أسرة كل طفل مرمي بلا ذرة ضمير في الشارع.

كاتبة من سوريا

21