عمالة الأطفال في تونس على علاقة بالانقطاع المدرسي

100 ألف تلميذ مهددون باللجوء إلى سوق العمل بعد ابتعادهم عن مقاعد الدراسة.
الخميس 2020/10/29
تزايد حالات التسرب تجبر الأطفال على العمل لكسب القوت

يربط خبراء علم الاجتماع بين الانقطاع المدرسي وظاهرة عمالة الأطفال في تونس ويعتبرون أن ظروف مزاولتهم للتعليم وتزايد حالات التسرب والانقطاع المدرسي من بين الأسباب المباشرة في تنامي الظاهرة. ويشيرون إلى تنوع المجالات والقطاعات ذات التشغيلية الكبيرة للأطفال وتفاوتها حسب المناطق في البلاد.

تصنف الأعمال والأنشطة التي يجبر الطفل على القيام بها قبل سن السادسة عشرة وجميع الأعمال المضرة بطبيعتها أو بحسب ظروف وطريقة إنجازها من قبل الطفل والتي من شأنها أن تضر بسلامته الجسدية أو النفسية ضمن طائلة عمالة الأطفال.

وتعد الدراسة الاستقصائية العنقودية المتعددة المؤشرات التي أعدتها اليونيسف بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء من أهم الدراسات التي تناولت تشخيص وضعية الطفولة في تونس وضبط المؤشرات الواجب اعتمادها لتحقيق أهداف الألفية من أجل التنمية.

وتؤكد الدراسة على العلاقة المباشرة بين عمالة الأطفال وظروف مزاولتهم للتعليم وتزايد احتمالية وقوع ذلك في حالات التسرب والانقطاع المدرسي مما ينبأ بخطورة المسألة اعتبارا للحجم السنوي للانقطاع المدرسي في السنوات الأخيرة، والذي تجاوز بحسب إحصائيات وزارة التربية 100 ألف تلميذ، أغلبهم مهددون باللجوء إلى سوق العمل بعد ابتعادهم الاختياري أو القسري عن مقاعد الدراسة.

كما تشير الدراسة الاستقصائية إلى أن 3 في المئة من الأطفال البالغة أعمارهم بين 5 و14 سنة هم من المستغلين اقتصاديا، مؤكدة أن هذه النسبة تتفاوت بشكل واضح بحسب الجهات والمناطق. وتسجل مناطق بجنوب شرق البلاد مستويات تنبئ بخطورة تفشي الظاهرة (7 في المئة) كما تسجل بعض محافظات وسط غرب البلاد أعلى نسبة وتبلغ 10 في المئة.

وفي تفسيره للظاهرة قال المختص في علم الاجتماع عبدالستار السحباني إنه يجب التفريق أولا بين أطفال الشوارع والأطفال في الشارع، مشيرا إلى أن الأطفال في الشارع هم الشريحة المعنية بعمالة الأطفال.

وأضاف السحباني في تصريح لـ”العرب” أن المشهد تغيّر الآن في تونس عما كان عليه من قبل لما كان الأطفال ينتظرون عطلة الصيف ليظفروا بعمل بسيط من أجل أن يحصلوا على مصروفهم اليومي.

وأشار السحباني إلى وجود شبكات مختصة في عمالة الأطفال يمكن أن تسوقهم إلى دوامة المتاجرة بأشياء ممنوعة دون علمهم أو أن تستوعبهم الأسواق الموازية.

ولفت السحباني إلى تدهور المنظومة التعليمية التي أصبحت تقتصر على التعليم دون التربية، حيث لم تعد المدرسة تلك الفضاء الذي يجد فيه الطفل المتعة، مؤكدا على أن أعدادا كبيرة من الطلاب أصبحوا منخرطين في العمل الموسمي مثل جني الزيتون، وجمع الحلفاء مقابل التغيّب عن الدراسة، وبموافقة الوالدين.

تفعيل دور التربية في مجال مكافحة عمالة الأطفال يتم عبر تدعيم الآليات والاستراتيجيات الهادفة للحد من الانقطاع المدرسي

وكشف المخطط الوطني لمكافحة عمالة الأطفال في تونس عن تنوع المجالات والقطاعات ذات التشغيلية الكبيرة للأطفال وتفاوتها بحسب الجهات والمناطق، ومنها أساسا امتهان بعض الأطفال المتواجدين بالأوساط الريفية للأعمال الفلاحية واليدوية كجني الزيتون ورعاية الماشية مقابل لجوء غيرهم من الأطفال القاطنين بالوسط الحضري أو شبه الحضري إلى أعمال أخرى كتجميع القوارير البلاستيكية، وغسل السيارات وتنظيفها، وبيع التبغ أو التسول والعمل المنزلي والعمل لدى ورشات الميكانيك والنجارة، واستقطاب بعض الأطفال القاطنين بالمناطق الحدودية إلى بؤر التهريب والتجارة الممنوعة واستدراجهم إلى القيام بشتى أعمال التهريب. وتتنوع أنماط وأشكال عمالة الأطفال بحسب الجنس وتشتغل البنات بالأعمال المنزلية.

ورغم أن تونس تعتبر من البلدان الأوائل التي صادقت على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 لسنة 1973 المتعلقة بالحد الأدنى لسن الاستخدام واتفاقية رقم 182 لسنة 1999 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها، إلا أن الطفولة مازالت تستغل، ومازال أطفال ممن تركوا مقاعد الدراسة وأجبروا بشكل من الأشكال على الالتحاق بسوق الشغل يستسلمون إلى قهر الحاجة والعوز.

ويرجع أساتذة القانون تنامي ظاهرة عمالة الأطفال في تونس إلى قصور التشريعات عن حماية الأطفال، من ذلك الفصل 58 من مجلة الشغل الذي ينص على أنه “لا يجوز أن يقل عن ثمانية عشر عاماً السنّ الأدنى للقبول في أيّ نوع من أنواع الأعمال التي يمكن بحكم طبيعتها أو الظروف التي يقع القيام بها أن تعرّض صحة أو سلامة أو أخلاق الأطفال للخطر. وتحدّد أنواع الأعمال المشار إليها بقرار من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية، يتخذ بعد استشارة المنظمات المهنية لأصحاب العمل والعمال الأكثر تمثيلاً”.

وفقًا لهذا الفصل فإن الأعمال التي تنتفي فيها شروط التعرض للسلامة والخطر هي أعمال مشروعة ويمكن للطفل ممارستها بكل حريّة.

كما ينص الفصل 55 من مجلة الشغل على “تخفيض سنّ قبول الأطفال في العمل إلى ثلاثة عشر عاماً في الأعمال الفلاحية الخفيفة التي لا تضرّ بصحتهم ونموّهم، ولا تمس بمواظبتهم وقدراتهم على الدراسة، ومشاركتهم فـي برامج التكوين المهني.

وعارض حاتم قطران الأستاذ المحاضر في قانون الشغل بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس هذه الفصول، مشدّدًا على ضرورة تعزيز حماية الطفل بعدم وضع استثناءات قانونية في مجال الشغل، وبإنشاء رقابة صارمة على الإخلالات التي تنتهك حقوق الطفل، داعيا إلى وضع آليات واضحة للتبليغ عن عمالة الأطفال.

قصور التشريعات في العالم العربي عن حماية الأطفال
قصور التشريعات في العالم العربي عن حماية الأطفال

كما تمت الدعوة إلى العمل على تجانس النصوص القانونية ذات العلاقة بمسألة التصدي لظاهرة عمالة الأطفال، وإحداث هياكل وطنية تعنى بمسألة مكافحتها.

ودعا المختصون إلى توطيد آليات الحماية والوقاية من خطر عمالة الأطفال مشيرين إلى أنه بات من الأكيد تصور وإرساء آليات التدخل الحمائية والوقائية الناجعة لاستئصال أسباب ومسببات الاستغلال الاقتصادي للأطفال.

ويرى خبراء علم الاجتماع أنه قد لا يتسنى ذلك إلا عبر التنبه منذ المراحل الأولى لنشأة الطفل وسنوات تمدرسه الأولى إلى جميع الوضعيات الأكثر عرضة للعمالة وذلك من ناحية أولى، وتصويب البرامج والتدخلات لانتشال الأطفال من أسوأ أشكال الاستغلال الاقتصادي وضمان البدائل العملية لمنع الارتداد والوقوع في براثن ذلك الاستغلال من ناحية ثانية.
كما يفترض ذلك أيضا إرساء منظومة “يقظة” تفضي إلى تشخيص دقيق للوضعيات المسجلة وضبط جملة المخاطر المحفوفة بها وكيفية التعامل معها لتحقيق الضمانات الكفيلة بعدم الرجوع إلى وضعيات الاستغلال الاقتصادي، وتفعيل أدوار كل من التربية والتكوين المهني في مجال مكافحة عمالة الأطفال وذلك عبر تدعيم الآليات والاستراتيجيات الهادفة للحد من الانقطاع المدرسي وتحقيق فاعلية ونجاعة على مستوى تقصي الحالات والوضعيات المهددة بذلك.

ويبقى نقص المعطيات الإحصائية والبيانات الدقيقة حول مسألة عمل الأطفال في تونس أحد أهم المعوقات أمام المعرفة الجيدة بحقيقة تفشي الظاهرة من عدمها والتشخيص الدقيق لها وبالرغم مما قد تكشفه بعض الدراسات المنجزة في هذا الشأن وما أفرزته من نتائج فإن العديد من جوانب الظاهرة ومظاهرها لا تزال في حاجة إلي التمحيص والتدقيق، بحسب الخبراء.

21