عمالقة الإنترنت يتحدون قراصنة "الديكتاتور الأجنبي"

السبت 2014/12/27
كوريا الشمالية تندد بعرض الفيلم وتعتبره سخرية لا تغتفر من سيادتها

واشنطن - تداولت مختلف مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي هذا الأسبوع صورة ساخرة، لاقت شعبية واسعة، يظهر فيها رئيس كوريا الشمالية، كيم جون أون، متبرجا، في دفاع شعبي عن مبدأ حرية التعبير. كما أقبلت الجماهير الأميركية بكثافة لمشاهدة فيلم “ذي أنترفيو”، الساخر من كيم جون أون، إثر قرار شركة سوني توزيع الفيلم على الإنترنت قبل توزيعه بقاعات العرض، ورفضها الأولي عرضه في أي منصة كانت.

وسط تصاعد حدّة الجدل، وردود الفعل التي تتراوح بين الحيرة والتهديد، قامت شركة سوني بنشر فيلم “ذي أنترفيو” (المقابلة) على الإنترنت، في مبادرة غير مسبوقة ضد قراصنة الإنترنت الذين أفسدوا افتتاح عيد الميلاد المُقرّر للفيلم الكوميدي الذي يدور حول اغتيال الزعيم الكوري الشمالي كيم جون أون.

يقول رئيس شركة سوني ومديرها التنفيذي، مايكل لينتون، في بيان رسمي له: “كانت سوني تعتزم منذ البداية توزيع هذا الفيلم على المستوى المحلي (الولايات المتحدة الأميركية)”، ويضيف: “لقد اخترنا طريقة التوزيع الرقمي أولا من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس في يوم الافتتاح، وما زلنا نبحث عن شركاء آخرين ومناهج أخرى لتوسيع نطاق توزيع الفيلم”.

تمّ نشر فيلم “ذي أنترفيو” على الإنترنت في مجموعة متنوعة من المنصات الرقمية، بعد ظهر يوم الأربعاء، بما في ذلك “غوغل بلاي”، “يوتيوب أفلام”، “فيديو إكس بوكس” (التابع لشركة ميكروسوفت)، بالإضافة إلى موقع منفصل تابع لشركة سوني، وذلك قبل يوم واحد إثر عقد سوني اتفاق مع المسارح المستقلة لعرض الفيلم في أكثر من 300 مسرح في يوم عيد الميلاد.

مايكل لينتون: ما زلنا نبحث عن شركاء آخرين ومناهج أخرى لتوزيع الفيلم

العرض الرقمي على نطاق واسع هو حصيلة مجموعة من الصفقات التي تمّ إعدادها خصيصا، بحكم إلغاء سلاسل المسارح الرئيسية الأسبوع الماضي لعرض الفيلم الذي كان من المفترض أن يمرّ على ما يقارب 3،000 شاشة سينما.

وقد بادر سيث روغان، من النجوم المشتركة في الفيلم وكذلك أحد مخرجيه، مع إيفان جولدبرج، بالثناء على هذا القرار من خلال تغريدة على موقع تويتر يقول فيها: “أريد أن أقول إنه من الأفضل دائما مشاهدة أفلام الكوميديا في مسرح كامل مليء بالناس، فإذا كان ذلك بإمكانكم، انتظروا حتى يعرض في القاعات وشاهدوه بهذه الطريقة التي أحبذها شخصيا، أو يمكنكم كذلك دعوة بعض الأصدقاء ومشاهدته معا على الإنترنت (في نسخته الرقمية المتوفرة حاليا)”.

وأضاف تغريدة أخرى يقول فيها: “شكرا سوني لجعل ذلك يحدث”.

من جهته، نشر جيمس فرانكو تغريدة على تويتر يهتف فيها: “عيد ميلاد مجيد أيها الأميركيون! فيلم ‘ذي أنترفيو’ متوفر الآن على الإنترنت… شكرا سوني! “.

واجتاحت في الأيام الأخيرة صورة ساخرة للرئيس الكوري الشمالي، كيم جون أون، وسائل التواصل الاجتماعي، مرفوقة بهاشتاغ #(لا تستطيع إسكات حرية التعبير) ‎youcantsilenceourfreedomofspeech ، وهي صورة تظهر كيم جون أون الهادئ والجدي بوجه كامل التبرج (مكياج)، وقد نشرت عبر مواقع فيسبوك وتويتر وإنستغرام، مع حثّ الأفراد على تقاسم الصورة مع الجميع، من خلال retweet أو regram، “ليس لسبب آخر غير إثارة استياء كوريا الشمالية”.

وصرّح أحد المدراء التنفيذيين لشركة سوني، من المطلعين عن قرب على هذه القضية، بأن هناك قلقا بشأن إمكانية استرداد الشركة مبلغ 40 مليون دولار التي تشمل تكلفة الفيلم والملايين التي تمّ إنفاقها على الحملات التسويقية، ولكنه أضاف أنّ القدرة الواسعة على الوصول إلى الجمهور العريض تبقى أولويتهم الرئيسية (لدى سوني).

كما صرّح المدير التنفيذي كذلك بأنه قد يتمّ عقد اتفاقات أخرى مع موفري بحث آخرين (على شبكة الإنترنت) في الأيام والأسابيع القادمة والخيار لا يزال مفتوحا أمام المسارح الأخرى كذلك لعرض الفيلم على شاشاتها في المستقبل.

وأضاف أنه ما زال خيارا رئيسيا لسلاسل المسارح لعرض الفيلم، في حين تعمل شركة سوني على إصلاح هذه العلاقة التكافلية (التي تربطها بسلاسل مسارح العروض السينمائية) التي تضررت خلال الأيام الأخيرة.

وقد أعلنت الأربعاء الماضي قاعات Regal وAMC وCinemark وCineplex وCarmike، التي تدير، في مجملها، أكثر من نصف دور السينما الـ40،000 في البلاد، أنها لن تقوم بعرض الفيلم.

وقد يعرض قرار غوغل ومايكروسوفت عرض الفيلم مواقعها إلى القرصنة.

صورة مركبة تداولها المغردون في تويتر تحمل التهكم والتساؤل معا

وقد أعلنت مايكروسوفت عن تعرض الإكس بوكس التابع لها لمشاكل فنية يوم الأربعاء، وإن لم تكن متأكدة مما إذا كان ذلك بسبب القرصنة، وقد رفضت شركة مايكروسوفت التعليق على هذه المسألة.

وحتى الساعة الثالثة بتوقيت غرينتش الجمعة كانت شبكة بلاي ستيشن لا تزال متوقفة بحسب صفحة وضع الشبكة على الانترنت.

وقال الموقع الالكتروني لوضع شبكة مايكروسوفت إن ثلاث منصات هي إكس بوكس وان وإكس بوكس 360 وإكس.بوكس على اجهزة اخرى تضررت بسبب مشكلة الاتصال. واعلنت جماعة (ليزارد سكواد) في موقعها على تويتر المسوؤلية عن المشاكل التي واجهت الشبكتين. وقالت ايضا انها ستعيد المواقع للخدمة إذا أعاد عدد كاف من الناس نشر تغريداتها.

ويُذكر أن قرار سوني الأولي بعدم عرض الفيلم بتاتا قد تمت مواجهته بانتقادات واسعة من عدة أطراف، لعل أبرزها وأكثرها شراسة الرئيس باراك أوباما.

وألقى المسؤولون الأميركيون باللوم على كوريا الشّماليّة في قضية القرصنة، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض إيريك شولتز إن أوباما يرحب بما آلت إليه المسألة.

وصرّح قائلا: “كما أوضح ذلك الرئيس بنفسه يوم الجمعة، نحن لا نعيش في بلد يمكن فيه لدكتاتور أجنبي أن يبدأ بفرض رقابة هنا في الولايات المتحدة الأميركية، ومع التصريحات التي صدرت، يمكن الآن للجماهير أن تحدد بنفسها رأيها الخاص بشأن الفيلم وهذا ما يجب أن يكون”.

من جهته، ندّد كيم سونج، وهو دبلوماسي كوري شمالي لدى الأمم المتحدة، بقرار عرض الفيلم واعتبره يحتوي على “سخرية لا تغتفر من سيادة كوريا الشمالية وكرامة زعيمها الأعلى”، إلا أن كيم أكّد أن ردة فعل كوريا الشمالية ستقتصر على التنديد، ولن تصل إلى حد رد الفعل “الملموس”.

ومن بين أوائل المشاهدين للفيلم، نجد، من واشنطن، ماركو سكويتييري البالغ من العمر 11 عاما. ويقول سكويتييري إنه أراد مشاهدة الفيلم مذ شاهد إعلانا عنه في وقت سابق من هذا العام، كما تابع، عن قرب، الأخبار عن سحب سوني للفيلم، ثم قرارها عرضه.

اقتنت عائلة سكويتييري فيلم “ذي أنترفيو” من إكس بوكس بمبلغ 15 دولارا، واعتبر الطفل أن العمل “مضحك”، كما أشاد بانسجام الممثلين الرئيسيين روغن وفرانكو، مشيرا إلى أنه من السهل فهم سبب استياء حكومة كوريا الشمالية من الفيلم، باعتبار أنه “يسخر كثيرا من كوريا الشمالية”.

أمّا آمي هيرلي، وهي مساعدة مدير تنفيذي تعيش في ديترويت، فقد دفعت 6 دولارات لاستئجار الفيلم على “يوتيوب أفلام” و أصيبت بخيبة أمل.

إيريك شولتز: نحن لا نعيش في بلد يمكن فيه لدكتاتور أجنبي أن يفرض رقابة

وإن كانت من المعجبين بروغان وفرانكو، إلّا أنها وجدت شخصية فرانكو “مبالغة جدا”، وقالت إنّ النكت “قديمة وإلحاحها الشديد مملّ”، وبصفة عامة، الفيلم حسب رأيها هو عبارة عن “فوضى شاملة”.

وقالت هيرلي البالغة من العمر 42 سنة: “لقد خاب أملي كثيرا، فقد كنت أتطلع فعلا إلى رؤية هذا الفيلم”.

وتُعتبر المبادرة بجعل الفيلم متوفرا للاستئجار والشراء قبل عرضه في دور السينما، الأولى من نوعها، في الولايات المتحدة الأميركية، على مستوى الأفلام الضخمة، إذ سبق وعرضت استوديوهات الأفلام الصغيرة والأفلام الأجنبية أعمالا في المسارح وعلى منصات رقمية في نفس الوقت.

لكن المحللين اعتبروا أنه لم يكن لشركة سوني أي خيار في هذا الوضع بالتحديد، “سوني تريد أن تفعل ذلك بانتظام، بل الضرورة هي ما دفعها إلى ذلك”.

وفي هذا الصدد، يقول مايكل باشتر، المحلل لدى شركة ويدبوش سيكيوريتيز: “تجد شركة سوني هنا نفسها في حالة حرجة، وليست لديها أي نية في جعل هذه المبادرة عادة متكررة، بل هي خطوة ضرورية قامت بها على مضض إثر رفض سلاسل دور السينما عرض الفيلم”.

وأعرب غيتيش بانديا، رئيس تحرير موقع BoxOfficeGuru.com عن رأي مشابه، مصرا على الوضع المحرج لشركة سوني، بحكم أنها “ليست معتادة على مواجهة مثل هذه المشاكل عند مبادرتها بعرض الأفلام الضخمة، لكن سلاسل دور السينما تدرك كذلك أن هذه الحالة فريدة من نوعها ولا تترك للشركة الموزعة أي خيارات”.

ولئن تنبأ بانديا أنّ الاهتمام الجماهيري والإعلامي الذي يحيط بالفيلم سينخفض بحلول شهر يناير، إلا أن العمل لا يزال يثير في الوقت الراهن، موجة ملموسة من الفضول والحماس.

من جهته، صرّح تايلر بولسيفر، مدير شركة هارتفورد سبوتلايت لدور السينما (في فهارتفورد بولاية كونيتيكت) بأنه تلقى 32 مكالمة من شخص مهتم برؤية فيلم “ذي أنترفيو” خلال الـ90 دقيقة الأولى التي فُتح خلالها المسرح عشية يوم عيد الميلاد.

صورة ساخرة للرئيس الكوري الشمالي كيم جون أون تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي

وأضاف: “أنا مستعد للمراهنة أننا سنبيع كل التذاكر في وقت قياسي”. يقوم المسرح بعرض أربعة أفلام في يوم عيد الميلاد، وخمسة أخرى في كل من ليلتي الجمعة والسبت. ويضيف بولسيفر: “يريد الناس رؤية الفيلم لأن الجميع ينصح بعدم مشاهدته”.

ويرى البعض أن قرار عرض الفيلم كان عملية افتقرت بشدة إلى السلاسة العملية. ولا تزال ستيفاني بوتنام (مساعدة مدير سينما الجرينديل في لورنس، إنديانا) غير متأكدة من قدرة مسرحها على عرض الفيلم في عيد الميلاد، إذ لم تحصل بعد على نسخة العمل من الموزع.

ونتيجة لذلك، لم يتم بيع التذاكر، ولكنها تلقت العديد من المكالمات الهاتفية من الحرفاء الذين أعربوا عن رغبتهم في مشاهدته.

من شأن عملية عرض فيلم “ذي أنترفيو” أن تتسبب في إثارة ردود فعل من قراصنة الإنترنت الذين أطلقوا على أنفسهم اسم “حماة السلام”.

كما أنّ التسريبات المحرجة لبيانات سوني ورسائل بريدها الإلكتروني قد توقفت تماما منذ إعلان الشركة عن تأخيرها في عرض الفيلم.

في رسالة وجهوها الأسبوع الماضي إلى استوديو سوني، أكد القراصنة أن البيانات آمنة طالما أنه لم يتم توزيع الفيلم.

وقال لينتون إن نشر سوني هذا العمل يترجم بوضوح التزام الشركة بالدفاع عن حرية التعبير، وأضاف: “وإن لم نتوقع أبدا الطريق الذي سيسلكه هذا الفيلم ليصل أخيرا إلى هذه اللحظة، إلّا أنني فخور جدّا بأن كفاحنا لم يذهب سدى وأنّ مجرمي الإنترنت لم ينجحوا في إسكاتنا”.

18