عمالقة التكنولوجيا يحيون صورة الأخ الأكبر

من يمتلك المنصات يمتلك القدرة على التحكم بأصوات الناخبين.
الاثنين 2021/01/18
تم إيقاف الحساب بنجاح

المواقع الإلكترونية التي شهدت نموا متسارعا في تسعينات القرن الماضي وأحدثت ثورة في صناعة الإعلام، لم تكد تلتقط أنفاسها حتى باتت ضحية تكنولوجيا بدأت “لعبة مراهقين” لتصبح في أقل من عشر سنوات لعبة الكبار ومنهم رجال سياسة.

تم كل شيء بهدوء تام ليؤخذ الجميع على حين غرة.

التحدي الجديد للصحافة المطبوعة دفع بشركات الإعلام ومن ضمنها الصحافة الورقية إلى تبني الثورة الرقمية تباعا. وتم الانتقال من الورق إلى مواقع إلكترونية خلال فترة زمنية قياسية. الذين فشلوا كان عليهم أن يختفوا من المشهد الإعلامي، ليثبت في ما بعد أن النقلة لم تكن كافية. استطاعت محركات البحث أن تجذب المستخدمين وأصبح الجميع تابعا لتلك المواقع.

الهزة التي تلت كانت أكبر، فجأة تظهر مواقع التواصل الاجتماعي لتفتح شهية الجميع على الدخول في مغامرة النشر.

هل يصح أن يترك المجال مفتوحا أمام عمالقة التكنولوجيا لفرض إرادتهم على شعوب العالم وإطلاق الأحكام؟ تساؤل لا يقتصر على رجل الشارع بل يثير المخاوف على مستوى الحكومات ورؤساء الدول أيضا

من أنتم لنتبع خطواتكم؟ كانت هذه هي الرسالة التي وجهها المستخدم لتلك المواقع. لقد تحكمتم بالخبر والمعلومة منذ اختراع الورق والطباعة. جاء اليوم الذي نتحرر فيه من قبضتكم.

مناخ الحرية الجديد الذي أغرى الملايين لإنشاء صفحات خاصة على الإنترنت وقول ما يريدون قوله، أثار استياء أنظمة شمولية سرعان ما انضمت إليها مؤسسات وحكومات “ديمقراطية”، ليطل علينا من جديد الأخ الأكبر، بعد أن ظن أغلبنا أن وسائط الإعلام الجديدة قد خلصتنا من سطوته إلى الأبد.

الصدام لم يبدأ مع فئات شعبية بل مع رئيس أكبر دولة ديمقراطية في العالم. والمواجهة تحولت إلى حرب بطلها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب.

لم تستنفر الحكومات من قبل، رغم استغلال منظمات إرهابية لهذه المنصات في نشر أفكارها، ورغم تسرب الكثير من المواد العنصرية. فلماذا تحركت الآن؟

من يمتلك تلك المنصات يمتلك القدرة على التحكم بأصوات الناخبين. هذه هي الرسالة التي استفاقت الحكومات لخطورتها. وعلى المارد الشعبي الذي تحرر من قمقم الرقابة أن يعود إليه مهما كان الثمن.

ورغم إعراب ترامب عن استيائه “البالغ” من الهجوم على مبنى الكابيتول الواقع وسط العاصمة واشنطن، وتأكيده أنه على غرار كل الأميركيين يشعر بغضب من العنف وانعدام سيادة القانون والفوضى، بادرت منصات التواصل الاجتماعي بإغلاق حساباته، في خطوة من قبل عمالقة التكنولوجيا قالوا إنها تهدف إلى كبح مزاعمه بشأن الانتخابات الرئاسية.

وبغض النظر عن مدى تورط أو مسؤولية ترامب عمّا حدث، أثارت خطوة المنصات مخاوف من عودة مقص الرقابة تحت ذريعة حماية الديمقراطية.

لماذا ترامب؟ هل هو حقا مسؤول عن الهجوم على مبنى الكابيتول؟ وهل قوله إن هناك تزويرا حدث في الانتخابات يكفي لإدانته؟ أليس المتهم بريئا إلى أن تثبت الإدانة؟ وهل ثبتت إدانة ترامب لتتخذ منصات التواصل قرارا بإغلاق حساباته؟

لم تبذل هذه المنصات جهدا كافيا لحظر منظمات إرهابية وتسريب مواد خطرة، فهل أن تغريدات ترامب المتعلقة بتزوير الانتخابات أشد خطورة على الديمقراطية؟

هل يصح أن يترك المجال مفتوحا أمام عمالقة الإنترنت لفرض إرادتهم على شعوب العالم وإطلاق الأحكام؟

هذا التساؤل لا يقتصر على رجل الشارع، بل أثار مخاوف على مستوى رؤساء الدول.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اعتبرت أن قرار شبكات التواصل الاجتماعي إغلاق حسابات الرئيس ترامب يطرح إشكالية. وما لم توضحه المستشارة أوضحه شتيفان زايبرت المتحدث باسمها قائلا “لا يمكن تقييد حرية الرأي إلا من خلال ما يحدده القانون، وليس حسب معايير منصات وسائل التواصل”.

وأضاف إن “حقوقا مثل حرية التعبير يمكن التدخل فيها، ولكن بموجب القانون، وضمن الإطار الذي تحدده الهيئة التشريعية، وليس بناء على قرار شركة”.

تم افراغ المحتوى
إفراغ المحتوى إلى اشعار آخر

وزير شؤون الاتحاد الأوروبي الفرنسي كليمنت بون قال إنه “صُدم لرؤية شركة خاصة تتخذ مثل هذا القرار المهم، قرار مثل هذا يجب أن يقرره المواطنون وليس الرئيس التنفيذي لشركة”.

وفي الاتجاه نفسه، قال وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير إن الدولة يجب أن تكون مسؤولة عن اللوائح التي تنظم شركات التواصل الاجتماعي، واصفا شركات التكنولوجيا العملاقة بأنها “أحد التهديدات للديمقراطية”.

وعبّر المفوض الأوروبي تييري بريتون عن شكوك كبيرة في ما إذا كان يحق لشركات التواصل الاجتماعي وحدها وقف حسابات رئيس أميركي.

ويصل عدد متابعي حساب ترامب في تويتر إلى نحو 90 مليونا، وكان المنصة المفضلة للرئيس الأميركي طوال فترة حكمه لإعلان مواقفه.

ورافق قرار غلق حساباته نزوح الملايين عن تطبيق واتساب، وأعاد مئات الملايين من المستخدمين النظر في علاقاتهم بهذه المنصات. وإن كان التشكيك في حياديتها بدأ قبل هذا التاريخ بسنوات وبالتحديد عام 2014 وهو العام الذي أطلقت فيه منصة سيغنال، وقد تم اختبار مدى قوتها وسريتها في قضية إدوارد سنودن، فقد حقق التطبيق سريعا شعبية في أوساط الصحافيين والمبلّغين عن الانتهاكات، خصوصا بفضل دعم سنودن الذي سرّب بيانات سرّية عن أساليب أجهزة الاستخبارات الأميركية في التجسس على الاتصالات.

الحديث عن بدائل هو خيار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته للتواصل مع أنصاره. ويجب أن يكون أيضا خيار دول حريصة على أن لا تقع في قبضة الأخ الأكبر، وخيار شعوب وأفراد عاشوا على مدى قرون في وهم أسطورة الإعلام الحيادي واحترام حرية التعبير، وعندما استفاقوا وعثروا على البديل امتدت يد نظام شمولي يدعي الديمقراطية تريد حرمانه منها وإرجاعه إلى القمقم.

هل ستكتفي المستشارة الألمانية والحكومة الفرنسية بمجرد عبارات تشكيك بالخطوة التي اتخذها عمالقة التكنولوجيا، وحتما، من ورائهم لوبي أميركي قوي من رجال الأعمال والسياسة، أم ستبادر تلك الدول للبحث عن بديل يحررها من قبضة الأخ الأميركي الأكبر؟

18