عمال أجانب غير قانونيين يرحلون عن قطر بلا ندم

تتهاوى أحلام العمال القادمين إلى الدوحة متدحرجة بين معاناتهم من كفلائهم الذين يمعنون في استغلالهم، وبين ظروف السكن التي تشبه أحياء الصفيح المزرية في دول أميركا اللاتينية، لتصبح هذه المعاناة جحيما بعد أن منعهم كفلاؤهم من الانتقال إلى عمل آخر وحظروا عليهم السفر. وإذا عصوا أو تمردوا فإن التهمة التي تؤدي الى السجن جاهزة؛ إنها السرقة، هذا دون الحديث عن إهانة العاملات المنزليات وتعذيبهن. ويضطر أغلب العاملين إلى الهرب من كفلائهم والدخول في الصفة غير القانونية للإقامة، ويكون العقاب في انتظارهم بعد ذلك، وتصبح المغادرة والرجوع إلى حياة الفقر أفضل الحلول للتخلص من حياة الذل والمهانة.
الاثنين 2016/11/28
عودة إلى الديار بيد فارغة وأخرى لاشيء فيها

الدوحة- تنتظر العاملة المنزلية كالاواني في دائرة رسمية بالدوحة، الموافقة على السماح لها بالعودة إلى بلادها للمرة الأولى منذ عام 2010، بعدما بقيت متخفية عن عيون السلطات القطرية أعواما، كحال آلاف العمال من ذوي الوضع “غير القانوني”.

وبموجب عفو حكومي يمتد على مدى ثلاثة أشهر وينتهي في الأول من ديسمبر، ستكون كالاواني واحدة من زهاء تسعة آلاف شخص غير قانوني يتوقع أن يغادروا قطر قبل هذا الموعد أو بعده بأيام، بعدما أتاح لهم العفو تسوية أوضاعهم دون تبعات قانونية. وتقول كالاواني إنها هربت من رب عملها السابق بعدما رفض دفع راتبها الشهري البالغ ألف ريال قطري (275 دولارا أميركيا)، وهي مسألة تتكرر في الإمارة التي تعرضت لانتقادات عدة من منظمات دولية على خلفية حقوق اليد العاملة الأجنبية.

وتضيف العاملة قائلة “لم أتلق أي راتب من كفيلي”، ما دفعها إلى الهرب والتخفي، بعدما بات وضعها غير قانوني، إضافة إلى أن نظام الكفالة المعمول به في قطر لا يتيح لها تغيير عملها دون موافقة الكفيل نفسه.

إجراءات حثيثة

واعتمدت كالاواني خلال الأعوام الستة التي أضحى فيها وضعها غير قانوني، على مساعدة من عائلتها، كما عملت في مقهى بشكل غير قانوني أيضا، لأن التأشيرة التي دخلت بموجبها البلاد تتيح لها فقط العمل كعاملة منزلية.وتضيف بنبرة هادئة “هذا العفو جيد بالنسبة إلي، أريد العودة إلى بلادي”.

وعادة ما تفرض القوانين القطرية غرامات مالية وحتى عقوبة بالسجن على من يخالف نظام الإقامة أو يبقى في البلاد بطريقة غير قانونية. إلا أنه بموجب العفو، وهو الأول منذ 2004، تتيح السلطات للمخالفين المغادرة في حال تقدموا إليها بجوازات سفرهم وبطاقات الهوية أو تأشيرات الدخول، إضافة إلى تذاكر العودة إلى بلادهم، أو على الأقل إثبات حصولهم على ما يكفي من المال لاقتناء تذاكرهم.

طابور الرحيل

تتولى إدارة البحث والمتابعة التابعة لوزارة الداخلية، النظر في أوضاع كالاواني وغيرها من المقيمين بشكل غير قانوني. ويقع مقر الإدارة في الأطراف الجنوبية الغربية للدوحة، محاطا بموقف كبير للسيارات وأشجار النخيل، على مقربة من طريق سلوى السريع.

وعند مدخل المبنى، يشي عدد الحقائب التي تنتظر أصحابها بأن مسار إجراءات السفر بدأ يتحدد؛ فالبداية تكون مع ردهة “الاستقبال”، حيث يسجل الراغبون في تسوية أوضاعهم أسماءهم، وينتقلون بعد ذلك إلى خيمة كبيرة يقوم فيها موظفون من وزارة الداخلية، بتسجيل المعلومات الشخصية وأخذ بصمات المتقدمين للتسوية. ويقول أحد ضباط الوزارة “عندما بدأت مهلة العفو، كنا نستقبل زهاء مئة شخص يوميا. حاليا مع اقتراب الموعد النهائي، وصل العدد إلى نحو 300 يوميا”.

ولا تتوافر أرقام رسمية عن عدد المقيمين بشكل غير قانوني في قطر التي يبلغ عدد العمال فيها 1.8 مليون شخص، يتركز قسم كبير منهم في المشاريع التي تنفّذ استعدادا لكأس العالم لكرة القدم 2022. وفي ظل الانتقادات الواسعة التي وجهت إلى الدوحة على خلفية حقوق العمالة الأجنبية لا سيما منذ منحها حق استضافة أبرز بطولة عالمية في كرة القدم، يسعى المسؤولون إلى تلميع الصورة بالتعريج على إصلاحات تنفذ في مجال حقوق العمالة، منها تعديلات في نظام الكفالة وضمان حصول العمال على رواتبهم بشكل دوري ومنتظم.

ويوضح مسؤولون في إدارة البحث والمتابعة أن أغلب الذين سيستفيدون من العفو ينحدرون من دول آسيوية كبنغلاديش ونيبال والفلبين. وفي قاعة المغادرة حيث يتلقى العمال الموافقة النهائية على تسوية أوضاعهم، يقول الهندي سجاد إنه واجه مشكلات جمة تسبب له فيها كفيله، من أبرزها مسألة الراتب، ما دفعه إلى قضاء ثمانية أشهر في وضع غير قانوني، قبل أن يعلم بأمر العفو من خلال إعلان عبر موقع “فيسبوك” للتواصل الاجتماعي.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت عن العفو في بيان نشر عبر مواقع التواصل، وترجم إلى 14 لغة. ويقول سجاد والبسمة تعلو محياه “أنا ذاهب إلى بلادي إن شاء الله. سأذهب مباشرة من هنا”. ويوجد في مقر إدارة البحث، مكتب للخطوط الجوية القطرية للراغبين في شراء تذاكر السفر. ويبدي البعض من الساعين إلى تسوية أوضاعهم، رغبة في العودة مجددا إلى العمل. ويقول السائق النيبالي أحمد فرام (42 عاما) “إذا كانت العودة ممكنة، سأعود”، وهو الذي أمضى عامين بشكل غير قانوني.

نظام الكفالة

عمال آخرون يَبدون أقل تفاؤلا، ومنهم باكستاني يعمل في مجال البناء، ويقول إن صاحب عمله سرق جواز سفره ويطالبه بدفع عشرة آلاف ريال لاستعادته. ويتحسّر هذا العامل قائلا “لا أستطيع العودة إلى بلادي”. ويخضع العمال الآسيويون، على غرار مليوني عامل مقيم في الإمارة، لقانون نظام الكفالة، الذي يضع كل العمال الأجانب تحت رعاية كفلائهم ومشغّليهم المحليين.

تعديلات نظام الكفيل غير كافية لحماية العمال

ولا يتمتع هؤلاء العمال بأي حقوق، سواء دفعت لهم الرواتب أو لم تدفع أبدا، يعيشون في أماكن غير صالحة للسكن على غرار مخيم العمال في مدينة الريان التي تشبه مدن الصفيح المزرية. ويمنع القانون على العامل الأجنبي تغيير كفيله دون موافقة الأخير، وتحجز وثائق السفر العائدة له لدى الكفيل، ويتعيّن عليه الحصول على موافقة مسبقة من مؤجره لتتسنى له مغادرة الأراضي القطرية.

وتقول فرح -عاملة منزلية من أندونيسيا في العقد الثالث من عمرها- إنها بعد سنة من العمل كان من المفروض أن تعود لزيارة الأهل، لكن المشغلة ظلت تماطل في الأمر ولم تسلمها جواز سفرها إلى أن مرت سنتان. ومع إلحاح فرح على إجازة غيرت ربة العمل طريقة تعاملها، وصارت تماطل في دفع المرتب الشهري لخادمتها حتى توقفت عن دفعه نهائيا بحجة أنها خربت أحد أجهزة المطبخ. وتقول فرح إنها لم تكن تحصل على يوم راحة ولم يكن بوسعها النوم قبل ذهاب مشغلتها وأطفالها إلى الفراش.

وعانت فرح من المعاملات السيئة، إلى أن اظطرت إلى الهرب من بيت مشغلتها التي أبلغت الشرطة، فألقي عليها القبض، وحوكمت بتهمة السرقة، وهي الآن تستعد للرحيل بعد أن اصطدمت أحلامها بواقع مرير. وأمام ارتفاع الضغوط الدولية على التجاوزات في حق العمالة الأجنبية في قطر، وفي محاولة منها لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي وافقت الحكومة على تعديل نظام الكفالة لأول مرة في مايو 2014. وفي أكتوبر 2015 عدلت قطر بإقرار قانون الكفالة الجديد، حيث لن يكون العامل الأجنبي مضطرا لأخذ موافقة المستخدم على السفر.

يذكر أن التعديلات الجديدة وضعت كلمة المستخدم أي المؤجر بدل كلمة كفيل ذات السمعة السيئة، لكن هذا القرار سينتظر إلى بداية 2017 حتى يمكن تطبيقه. وتعتبر منظمات دولية أن هذا القانون الذي يعدل ولا يلغي نظام الكفالة، غير كاف، وربما لن يؤدي إلى تحسين وضع العمال الأجانب. وأمام عدم جدية تحسين وضعيتهم اختار عدد منهم ان يغادر إلى بلده حيث الكرامة رغم الفقر.

20