عمال سبايدر في مصر يصادقون الموت من أجل بضعة جنيهات

رغم أنهم يحملون الاسم نفسه، ويؤدون حركات قريبة الشبه من توبي ماجواير بطل أفلام الرجل العنكبوت، إلا أن عمال تنظيف واجهات الأبراج، المعروفين في مصر باسم عمال “سبايدر مان”، لا يجنون من شهرتهم سوى الشقاء والعيش الدائم على حافة فاصلة بين الحياة والموت.
الأربعاء 2015/05/20
عمال سبادير في مصر معلقون بين السماء والأرض من أجل لقمة العيش

عمّال اسبايدرمان أو سبايدر، كما ينطقها المعوزون في مصر، يجبرهم توفير لقمة العيش على تسلق واجهات الأبنية الشاهقة من خلال “سقالات” معلقة في الهواء لتنظيف زجاج البنايات الضخمة أو وضع الإعلانات على واجهات الأبراج السكنية، لكن في الغالب لن يُلاحظ وجودهم، فهم غير مرئيين بالنسبة إلى سكان هذه الأبراج وغيرها.

الموت أقرب أصدقائهم، فهو الوحيد الذي يترّقب أرواحهم المعلقة بين السماء والأرض، حقوقهم غائبة مثلها مثل الأمل في غد أفضل يعفيهم من مغادرة حواريهم كل فجر، قاصدين أرصفة الميادين العامة، في انتظار مقاول “الأنفار” يأتي بشاحنته، مستمتعا بنظراتهم القلقة نحوه في انتظار أن يختار بعضهم لتنفيذ مهمة جديدة، يجني من عائداتها نصيب الأسد ولا يمنحهم سوى فتات من بضعة جنيهات لا تسمن لكن قد تغني أطفالهم عن مواجهة الجوع.

صفحات الحوادث، في الصحف المصرية، خير دليل على مخاطر تلك المهنة، فلا يمرّ أسبوع دون الإشارة إلى سقوط عامل وإصابته بكسور أو وفاة آخر بعد انزلاقه من أعلى أحد المباني التي كان بصدد تنظيف زجاجه، فهي مهنة تتطلب جهدا كبيرا، وتعكس واقعاً مؤلماً لفئة قدرها أن تظل بعيدة عن أنظار مجتمع النخبة ومؤسساته.

“العمل بهذه المهنة خطر على أرواحنا ونحن نعلم ذلك تماما، لكن ما باليد حيلة، فلدينا أطفال وأسر نتركها لفترات طويلة بحثا عن لقمة العيش” بهذه الكلمات بدأ سامي عبدالحليم كلامه لـ”العرب”، مشيرًا إلى أنه جاء من إحدى قرى المنوفية الواقعة شمال القاهرة بحثًا عن فرصة عمل لإطعام أطفاله، ولم يجد إلا تلك المهنة لخبرته المتراكمة فيها عند عمله على السقالات في مجال البناء.

يطالب عبدالحليم بدعم الدولة لعمال الإسبايدر، نظرا لما يلاقونه من مخاطر، لافتا إلى أن المسؤولين لا يشعرون بالظروف التي تعمل فيها تلك الفئة من العمال، حيث يملأ الرعب قلوبهم وينتظرون الموت في أية لحظة، هذا بخلاف عدم وجود نقابة أو تجمّع يدافع عنهم ويلزم الشركات بتوفير آلات حديثة يستخدمونها أثناء العمل.

عمال سبايدر يريدون قانونا يحمي حقوقهم المهنية والاجتماعية، أمام جشع أصحاب الشركات المستغلين لحاجتهم إلى العمل

أما رامي السيد، 35 عاما، فله حكاية أخرى رواها لـ”العرب” فقد تعرّض لبتر أحد أصابع يده اليمنى أثناء عمله، لكنه لم يستطع الحصول على مساعدة لحرمانه من التأمينات الاجتماعية.

وطالب السيد الحكومة بإدراج عمال الإسبايدر تحت مظلة التأمين الاجتماعي الحكومي والتأمين الصحي، فهم يتعرضون لخطر حقيقي نتيجة عدم توفير شركات تنظيف الأبراج وسائل آمنة تساعدهم في عملهم مثل السيارة الكهربائية ذات الصندوق المتحرك التي تمتلكها بعض المؤسسات الكبرى.

مواجهة غلاء المعيشة الذي لا ينتهي، هو الدافع الوحيد لاستمرار محمد عبدالغني (46 عاماً) في هذا العمل، سرد لـ”العرب” صراعه مع مصاعب الحياة، قائلا “حاولت أن أجد عملاً آخر في أكثر من شركة دون فائدة، لأن الشركات لا توظف سوى المتعلمين، ولما كنت مجبرا على توفير نفقات الطعام والتعليم لأولادي الستة لم أجد أمامي سوى القبول بهذا العمل الخطير رغم مقابله الزهيد، والأسوأ أنه دون استقرار ولا أجر مشروط”.

عبدالغني، حلم بعد ثورة يناير 2011، بغد أفضل يضمن له حدا أدنى لحياة كريمة وتأمين صحي لأولاده، لكنه أفاق على كابوس بعدما زادت أوضاعه سوءا، فمع تراجع الاقتصاد المصري تأثرا بالأحداث الجارية تخلّت الشركات عمّا تعتبره إنفاقا غير ضروري مثل تنظيف الواجهات، كما ضعفت ميزانيات الإعلان في الشركات الكبرى، وهو ما أدى إلى تراجع الطلب على خدمات عبدالغني الذي دعا الحكومة إلى النظر بعين الرحمة إلى العمال المخاطرين بحياتهم يوميا لعدة ساعات، مقابل جنيهات قليلة تلتهمها زيادة الأسعار في لحظات.

إبراهيم السبكي قال لـ”العرب” إنّه يعمل منذ 12 سنة في مهنة تنظيف زجاج واجهات المباني، وقد تعرّض للانزلاق من أعلى المبنى قبل سنوات، ما أدى إلى إصابته بكسور ومن وقتها ازداد حرصه أثناء اعتلاء السقالة، فأيّ خطأ في تنقلاته قد يودي بحياته، وأثناء وجوده على ارتفاع عالٍ لا ينظر إلى الأسفل لكي لا يختل توازنه ويسقط.

عمال سبايدر يتعرضون للاستغلال والعمل ساعات طويلة بأجور متدنية، يقبلون بها لحاجتهم الماسة للعمل بأي أجر مهما كان زهيدا

على عكس السابقين الذين اضطرتهم ظروف الحياة للعمل بالمهنة، يعشق خالد صلاح ركوب الصعاب، انطلاقا من أنّ لكل مهنة مخاطرها، وهو يعلم جيدا كيف يحقق توازن جسمه في محاولة للسيطرة على واجهات البنايات عن طريق السقالات المعلقة على أسوار الأسطح والنوافذ والشرفات، وكذلك تجنب الارتطام بالزجاج الذي يُشكل بدوره خطرا محدقا.

من جانبه، أوضح أيمن عفيفي لـ”العرب” طبيعة عمله، قائلا إنه يبدأ بارتداء جهاز تسلق الحوائط “الإسبايدر”، قبل أن يتوجّه إلى سطح المبنى، حيث يربط حبلين في حديد السطح، ويثبّت ماكينة التسلق في حبل وجهاز الأمان في الآخر، ليبدأ بعد ذلك الانزلاق على زجاج المبنى من الخارج تدريجيا حتى يصل إلى الأرض. وأوضح عفيفي أن هناك العديد من المواد المستخدمة في إنشاء السقالات كالفولاذ والألومنيوم والخشب والخيزران، لكن من الضروري أن تكون قوية بما فيه الكفاية لتتحمّل الوزن، وأن تكون مثبتة بشكل محكم ومستقرة، بما يحول دون سقوط العامل والمواد المستخدمة منها.

مها سالم، ناشطة عمالية، أوضحت لـ”العرب” أنّ العمالة اليومية في مصر يُقدر عددها بنحو 18 مليون عامل وعاملة، وقد ظلت مهمشة لفترة طويلة، ومنهم عمال الإسبايدر، مشيرة إلى أنها تسعى من خلال نقابة تم إنشاؤها مؤخرا إلى إيجاد قانون يحمي حقوق تلك الفئة الضعيفة من المجتمع، ويؤمّن لها حياة إنسانية، بعد أن تعرض المشتغلون فيها للاستغلال والعمل ساعات طويلة بأجور متدنية، يقبلون بها لحاجتهم الماسة للعمل بأي أجر مهما كان زهيدا.

ومن جهتها كشفت سلمى محمد، باحثة اجتماعية لـ”العرب”، عن مخاوفها من أن تؤدّي الضغوط المعيشية على العمّال اليوميين إلى دفعهم إلى ما يمكن تسميته بثورة الجياع، خاصة أن أغلبهم غير متعلّمين ولا يعرفون الاحتجاج السلمي، ومن الممكن أن يكونوا وقودا لانتفاضة قد تنفجر في وجه المجتمع، إذا لم تبادر الأجهزة المعنية بتحسين أحوالهم المعيشية.

20