عمال سوريون يقدمون عرضا مسرحيا يحذر الناس من الطباخين

العرض يحمل مضامين ورسائل تفيد بضرورة تحصين أنفسنا وبيوتنا من الداخل في وجه الساعين إلى احتلال وتقسيم بلداننا.
الجمعة 2021/06/11
طباخ يتحكم في الجميع

اللاذقية (سوريا) - بعد غياب يقارب الثلاثين عاماً عاد المسرح العمالي باللاذقية إلى جمهوره مع العرض المسرحي “الطباخ” المأخوذ عن نص “كوميديا الأيام السبعة” للكاتب العراقي علي الزيدي وإعداد وإخراج سليمان شريبا.

العرض الذي تستضيفه خشبة مسرح دار الأسد باللاذقية على مدى ثلاثة أيام، من 9 إلى 10 يونيو الجاري، يشكل باكورة الأعمال المسرحية لفرقة المسرح العمالي التي أعيد تشكيلها مؤخراً من محبي وهواة المسرح العاملين في مؤسسات مختلفة تُعنى بـ”المياه والزراعة والسياحة وغيرها”، دون الاعتماد على ممثلين محترفين من أعضاء نقابة الفنانين، وفق مدير المسرح العمالي باللاذقية المخرج شريبا.

وكمعظم أعمال الزيدي المسرحية يتناول العرض الواقع الصادم لشعوب الأنظمة الاستبدادية التي تسحق مواطنيها، وعبث تلك الأنظمة السلطوية في ممارساتها لشؤون الحكم، وما تصدره من فرمانات عبثية واجبة التنفيذ وغير قابلة للمناقشة أو المراجعة، يكون من نتيجتها المزيد من سحق شعوبها بينما الحكام يرتعون مستمتعين بكل ما حرّموه على مواطنيهم من ملذات.

وليس هناك ضغط على الإنسان أكثر من سلبه حريته وإملاء الأوامر عليه وحرمانه من سبل الحياة وإجباره على أن يكون من أعوان الحراسة الأوفياء عدوا للجميع عدا السلطة التي يتملقها وينجز ما تطلبه منه.

ومن هنا كانت فكرة المسرحية، فالطاهي في أي منزل هو المالك الحقيقي للمطبخ والمتحكم في بطون أصحابه وقوتهم وضروراتهم الحياتية، ومن أراد السيطرة على أمة عليه التحكم في بطون شعبها، وقد وقع اختيار المؤلف على الطاهي الذي يحتل المنزل ليتحكم في سكانه ويسير حياتهم وفق وصفاته هو للحياة.

الطباخ إذن رمز للسلطة بكل ما لها من دهاء وتحكم في المقادير والأسرار، وهي التي تمسك الشعب من قوته وتمنعه من التفكير أو الحياة والحرية، أي أنها تمنعه في النهاية من ممارسة إنسانيته عبر التلاعب به وتقييده بخيط الحاجة غير المرئي وتحركه به.

يتوارى النص المسرحي في تناوله للواقع العربي خلف شخصية الطباخ مبتعدا عن المباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التواري يأتي نوعا من التجنب لأي صدام متوقع مع أي سلطة مستبدة تحكم سيطرتها على معظم بلداننا العربية.

وأوضح شريبا في تصريح له عقب العرض أن الفرقة التي بدأت تدريباتها المكثفة فور تشكيلها تهدف إلى تقديم عروض للطبقة العاملة تناسب العائلة والأطفال، كما تسعى إلى تنشيط العمل المسرحي والنهوض به إلى جانب الفرق المتواجدة لتبقى اللاذقية مركزاً للمسرح السوري.

وعن عرض “الطباخ” الذي افتتحت به الفرقة نشاطها بين شريبا أنه يحمل مضامين ورسائل تفيد بضرورة تحصين أنفسنا وبيوتنا من الداخل في وجه “الطباخين” الكثيرين الذين ابتليت بهم منطقتنا عبر تاريخها والساعين إلى احتلال وتقسيم بلداننا ونهب خيراتها.

من جهته عبر عضو الفرقة بسام سلكان (الذي يؤدي دور الطباخ في العمل) عن سعادته بعودة المسرح العمالي بعد غياب طويل آملاً أن تعود معه كل الأنشطة التي كانت موجودة قبل الحرب في سوريا، بما يتيح لكل الشباب المحبين للمسرح والفن فرصة الظهور أمام الجمهور وإثبات قدراتهم ومواهبهم، منوهاً بأهمية العمل الذي يأتي كإسقاط للأحداث في المنطقة كون النص لكاتب عراقي خبرت بلاده ما تعرضت له منطقتنا من عدوان.

الفنان نضال عديرة الذي أدى في العرض دور الجد لفت إلى أهمية عودة المسرح العمالي إلى اللاذقية، إذ يعتبر من أهم وأعرق المسارح الموجودة في سوريا ومن شأنه أن يغني الحركة الفنية ويسمح بمشاركة أكبر عدد من المسرحيين بأعمال تحمل رؤى وطروحات مختلفة.

وعبر رئيس اتحاد عمال محافظة اللاذقية منعم عثمان عن أمله في أن يكون العرض انطلاقة جديدة للمسرح العمالي باللاذقية الذي توقف لسنوات طويلة بفعل ظروف قاهرة، كي يعكس واقع شريحة العمال وهمومها وشجونها وآمالها ويكون منبراً حضارياً وثقافياً للتعبير عن قضاياها، مشيراً إلى تقديم كل الدعم لنجاحه بما يسهم في تعزيز الحركة المسرحية في اللاذقية من خلال رفدها بطاقات جديدة من المواهب العمالية.

والمسرحية -إذا أردنا تصنيفها- تنتمي إلى تيار المسرح العبثي الذي عرفه العرب بداية من ستينات القرن الماضي عبر كتابات يوجين يونسكو وصمويل بيكيت وفريناندو أربال، وقدموا فيه مقاربات وإن كانت محتشمة فإنها ساهمت في الدفع بالفن الرابع إلى التجدد.

ويشارك في هذا العمل الذي شهد افتتاحه حضوراً رسمياً وشعبياً كل من منار الآغا وسوسن أحمد ودينا العش وحسين مهنا.

15