عمال فرز النفايات في المغرب يكافحون في صمت

الثلاثاء 2018/02/06
راحة بال رغم الشغل الشاق

الرباط - عدد كبير من الأشخاص يصابون بالتقزّز لمجرد فكرة الاقتراب من شاحنة النفايات، ويسارعون إلى إغلاق أنوفهم عندما يصادفون كومة من القمامة. بينما عمّال فرز النفايات يترفّعون عن مثل هذه التصرّفات ويقومون يوميا بجمع قمامة تسيل منها الرواسب وتزكم روائحها الكريهة الأنوف، مع ما يمثّله ذلك من مخاطر إصابتهم بأجسام حادة.

أنشطة هؤلاء العمال، الذين يمارسون في كثير من الأحيان بوسط غير مهيكل، تتجلّى أساسا في فرز واستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير أو القابلة لإعادة الاستخدام، وذات قيمة تجارية، وذلك على مستوى صناديق القمامة المنزلية أو على مستوى مطارح النفايات.

وبعد عملية استعادة المواد تأتي مرحلة البيع، وعادة ما يتم بيع المواد المخصّصة لإعادة التدوير إلى جهات وسيطة، تعمل على إعادة إدخال هذه المواد ضمن السلاسل الصناعية، في حين يتمّ تسليم الأجهزة والقطع المخصصة لإعادة الاستخدام أو الموجّهة إلى الخردة إلى أجهزة تفكيك متخصّصة.

مصطفى، وهو عامل في فرز النفايات، يبلغ من العمر 39 عاما، يجوب شوارع مدينة القنيطرة ليستعيد، مواد مختلفة قابلة لإعادة التدوير، مثل المواد البلاستيكية والألمنيوم والزجاج.

ويوضّح هذا الشاب، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه بعد عملية فرز النفايات، يعمل على بيعها في أحد الأسواق للوسطاء الذين يبيعونها بدورهم لشركات متخصّصة في إعادة التدوير.

وفي إطار التساؤل عن الوضع الخاص وغير المهيكل الذي ينشط فيه، يعترف مصطفى بأنه يفضّل العمل بمفرده وعدم الالتحاق بتعاونية أو بمنظمة.

وأضاف قائلا إنه “على الرغم من الظروف الصعبة التي أشتغل فيها، إلا أنني أشعر بحرية وراحة بال أكبر”.

وعلى الرغم من التهميش الذي يعاني منه من قبل بعض الأشخاص، فإن مصطفى لا ينكر أن العديدين يدعمونه هو وآخرين من “عمال فرز النفايات غير النظاميين”، ويشجعونهم على مواصلة عملهم النبيل لفائدة البيئة.

وبالنسبة إلى كتابة الدولة المكلّفة بالتنمية المستدامة، فإن المغرب مدعوّ إلى مواصلة تطوير سلاسل لتثمين النفايات وذلك من أجل الانتقال، على المدى المتوسط والطويل، نحو استراتيجية لخيار مدافن النفايات، ولبلوغ أهداف التقليص من انبعاث الغازات الدفيئة المحددة في ناقص 13 بالمئة بحلول عام 2020، وكذا التوجه نحو الاقتصاد الدائري.

إرادة جادة لتطوير عملية إعادة تدوير النفايات مع احترام البعد الاجتماعي والبيئي

وأشار مهدي شلبي مدير الإنجازات والبرامج بكتابة الدولة المكلّفة بالتنمية المستدامة، إلى أن المغرب أعلن بوضوح إرادته بتطوير عملية إعادة التدوير، مع احترام البعدين الاجتماعي والبيئي. كما حدّد هدفا استراتيجيا يتمثّل في التدوير بنسبة 20 في المئة، وكذا التثمين الإضافي بأشكال مختلفة بنسبة 30 في المئة على الأقل من النفايات بحلول سنة 2020.

من جهة أخرى، استند شلبي إلى دراسات سابقة أحصت ما مجموعه 7 آلاف شخص يشتغلون في القطاع غير المهيكل لعمّال فرز النفايات، مشددا على أن “تطوير السلاسل لا يمكن تحقيقه إلا في إطار الحفاظ على التوازن الاجتماعي. كما لا يمكن له تجاهل القطاع غير المهيكل والنشيط جدا في مجال الفرز وإعادة تدوير النفايات”.

وفي ما يتعلق بتبنّي هذا القطاع غير المهيكل، أكد المسؤول على ضرورة إدراج عمّال فرز النفايات في اقتصاد التدوير وتحسين الشروط الصحية والبيئية والاقتصادية لأنشطتهم. ولا يمكن الحديث عن الانتقال من القطاع غير المهيكل إلى المهيكل في ما يخص فرز وتثمين النفايات دون ذكر نماذج كمطرح “أم عزة” قرب الرباط، الذي تستغله المجموعة الفرنسية “بيتزورنو أونفرينمون” عبر تعاونية التوافق، التي بصمت على منعطف مهمّ في معالجة النفايات.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، قالت نسرين بوشيفع، المسؤولة عن مشاريع التثمين بالمجموعة “لقد شرعنا في مواكبة التعاونية سنة 2008، عاملين على هيكلة وإحصاء وتكوين ومواكبة عمّال فرز النفايات، الذين يبلغ عددهم حاليا 160 عامل فرز، وكذا تحديد نقط البيع”. وأوضحت بوشيفع أن العمل التحضيري للإنشاء الرسمي لتعاونية التوافق، في يناير 2010، تطلّب سنتين من العمل، وأن عمّال الفرز يقومون بـ”الفرز على مستوى الحجرات المعدّة لهذا الغرض، واسترداد المواد التي تمّ فرزها، وتخزينها وبيعها”، كما استفاد العمّال من تكوين أساسي في استعمال الآلات.

من جهته قال مهدي شلبي إن مطرح “أم عزة” يعدّ “مثالا يحتذى به” في ما يخصّ تثمين ومعالجة النفايات، نظرا إلى أنه استطاع بلوغ أهدافه من حيث النهوض بأوضاع عمال الفرز الذين أضحوا يتوفرون على مدخول قار وعيش كريم.

ونوّهت نسرين بوشيفع بمركز طمر النفايات “أم عزة”، الذي كان يتوفر على خط فرز وحيد وعلى حجرتين للفرز، وأضحى يتوفر منذ أكتوبر 2016 على خط ثان للفرز سيمكّن من معالجة ما مجموعه 1100 طن من النفايات.

وإذا كانت النقاشات والندوات حول فرز وتثمين النفايات تتواتر بالتئام خبراء وأكاديميين، يتدارسون فيها أوضاع هذا القطاع، وفق رؤى علمية، فإن عمّال الفرز من جهتهم، يجعلون من النفايات وسيلة للحصول على قوتهم اليومي، ويكافحون في الظل ضد التغيّرات المناخية ومن أجل غد أفضل.

20