عمان والاتحاد الخليجي: أين المفاجأة

الجمعة 2013/12/27

راق للبعضُ في الخليج أن يتفاجأ من الموقف العماني إزاء مشروع إقامة الاتحاد الخليجي. في فحوى المفاجأة عبقُ ضيقٍ داخلي وعلّةٌ بيتية تسكنُ البيت الخليجي. تَقلقُ المِنطقةُ من “جنيف الإيراني” وتخشى أن يتجاوزَ أمر ذلك الاتفاق التفصيل النووي، ليتّصلَ بسلّةٍ كبرى تتيحُ لطهران نفوذاً قام مجلس التعاون تاريخياً للتصدي له.

مشروعٌ ذلك القلق. شهدت المنطقةُ العربية برمتها تمريناً أميركياً سريالياً يتخلى عن حلفاء ويتنصلُ من تعهدات وينأى عن سياسات لصالح ماكيافيلية سوقية لا تليق بالدول الكبرى. من حقّ دول مجلس التعاون الخليجي أن تشكك بحلفها، المسمى استراتيجي، مع الولايات المتحدة، وأن تسعى وفق ذلك للبحث عن سُبل بديلة ناجعة. من تلك السُبل، ردّ الوصل إلى علاقات دولية بديلة أو موازية (مع روسيا والصين مثلاً) لطالما تمّ إهمالها، أو تمتين المجلس بلُحمة أقوى تزيدُ المنطقة تضامنا وصلابة ومَنعَة.

نكادُ نجزم أن لدى الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ست سياسات خارجية فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران. ولئن كانت تلك السياسات متقاربةٌ في العام متباينة في التفاصيل، إلا أن أسبابا وحوافز وحيثيات أملت مواقف أبو ظبي والدوحة والكويت، كما مواقف المنامة والرياض. وحدها عُمان اتّبعت دائماً خياراتٍ أخرى، قد تلتقي أحيانا مع عواصم الجيران في الخليج، وقد تختلف وتتناقض معها وفق الظرف والزمان.

يريدُ بعض الخليجيين أن يتفاجأوا من الموقف العماني الرافض بشكلِ حازم لاتحادهم العتيد. لكن المراقبَ الموضوعي لابد أنه سيلاحظ ثباتاً منطقيا لسياسة عُمان مع المنطقة والعالم بما يتواءم مع منهجٍ وفلسفةٍ طبعا مقاربة مسقط للعالم. وربما أن فرضية انخراط عُمان في منظومة الإتحاد المقترحة، كانت ستشكل، هي، المفاجأة للدارسين والمتابعين للشأن العُماني.

تفهمُ عُمان وجودها ودورها في سياقٍ ينهلُ منابعه في التاريخ ويستسلم لحتميات الجغرافيا. تأخرت عُمان تاريخيا عن الالتحاق بالتشكّلات الإقليمية العربية المخصّبة بالأيديولوجيا والغيبيات أحياناً. كانت مسقط تدركُ العالم من خلال صراعاته في المحيط الهندي والخليج، فتعايشت وأدارت أمنها مع وبين المتصارعين. لكن تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970، أحدث تحوّلا في المقاربة العُمانية لصالح الانخراط الإقليمي في الدائرتين الخليجية والعربية، دون أن يؤدي ذلك إلى تهميش للعلاقة مع طهران. فإيران، بالنسبة للعمانيين، دولةٌ كبرى مجاورة، وهي وجدت لتبقى سواء حكمها شاهٌ أو آية الله (لا تنسى عُمان التدخل العسكري الإيراني في عهد الشاه ضد حركة ظفار المسلحة لصالح النظام في مسقط، ولا تنسى عجز الجامعة العربية عن حلّ المسألة).

لماذا المفاجأة وعُمان لم تخف علاقتها بطهران (ورفضت المشاركة في مشروع مظلّة الدفاع الأميركية لحماية أمن الخليج ودعت إلى تفاهم أميركي إيراني في شأن ذلك)؟ حافظت مسقط وطوّرت تلك العلاقة في عزّ الحرب العراقية- الإيرانية، فتحوّلت ميدان تواصل بين العالم وطهران، بل بين الخليج وطهران. لم يتناقض ذلك “الاختراق” مع التضامن الخليجي مع العراق. في ذلك حرفة التوازن وحكمة ضبط إيقاعات العلاقة مع الأضداد.

تُقارب عُمان مسألة الأمن من مداخل الحوار والتعاون ودوام الوصل، وهي كانت دائماً تعتبر أن أمن المنطقة يتجاوز الدول الست (استضافت عام 1976، أي قبل قيام مجلس التعاون، اجتماعاً للدول الست مع العراق وإيران لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي).

تتشارك عُمان وإيران في الإطلالة على مضيق هرمز. ومن موقعها البحري تعتبر عُمان نفسها طرفاً أصيلاً في أمن الخليج (فهي الدولة العربية الوحيدة في التاريخ التى تمكنت من تكوين امبراطورية امتدت فى فترات ازدهارها إلى زنجبار وكينيا فى شرق أفريقيا، وبلوشستان فى آسيا، وبندر عباس فى فارس ومعظم سواحل الخليج العربي). المضيق رواق بحري استراتيجي دولي تُدرك طهران خطورة العبث به، وكم ساهمت مسقط في توضيح أمر ذلك لطهران. عُمان لا تخفي صداقتها مع الغرب الذي يقفز في جنيف وفق المقاربة العُمانية للتعايش مع «الواقع» الإيراني وتدجينه (وهو أمر قد يعود الوصول إليه إلى ما قيل عن محادثات سرية استضافتها مسقط بين واشنطن وطهران).

في الخلاف العُماني الخليجي حول الاتحاد تناقضٌ، يبدو أنه كان مؤجلاً، في فهم التكتلات الإقليمية. وفي الخلاف العُماني الخليجي الظاهر ما يعبّر عن خلاف لا يراد له أن يظهر بين بقية دول الخليج حول أمر ذلك. قام مجلس التعاون الخليجي (عام 1981) لحماية الدول الست وتأكيد استقلالها وسيادتها. والمجلس آلية للتعاون والتقارب والتنسيق بما يتناسب، ولا يتناقض، مع سيادة الدول الأعضاء. حقق المجلس إنجازات لافتة، إذا ما قورنت بإنجازات الجامعة العربية. لكنه أخفق في الارتقاء بفكرة التعاون نحو مستويات الوحدة (تأمّل السجال السابق حول العملة الموحدة والبنك الخليجي المركزي).

لن تأنسَ الكويت لمجلس التعاون حين يتناقض مع مصالحها. ولن تأمن أبوظبي للمجلس حين يتعارض مع سياساتها. ينسحب الأمر على بقية دول المجلس التي تتعايش داخل جدران المجلس، متجنبة إثارة ما من شأنه إثارة الحساسيات، وما أكثرها في المزاج والمصالح والثقافة وتنوع الهواجس.

ما تقوله عُمان اليوم (كما الأمس) في شأن الاتحاد الخليجي جهاراً، لا يبدو أن بعض دول مجلس التعاون الأخرى بعيدة عنه. ما نلاحظه هذه الأيام أن السجال يقوم بين الرياض ومسقط، وليس بين مسقط والمجلس عامة. في مفردات السجال خارطة طريق معلنة. عُمان لن تمنع قيام الاتحاد وستتعامل معه لكنها لن تكون جزءا منه (تصريحات وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبد الله مثالاً). الاتحاد سيقوم يوماً ما، وهو آتٍ، حتى دون عُمان (تصريحات تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق مثالا). في عهد الجنرال شارل ديغول انسحبت فرنسا من المؤسسات العسكرية للحلف الأطلسي، لكن ذلك لم يمنع من بقاء باريس حليفة لواشنطن والغرب. ديغول نفسه رفض دخول بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة التي كان يعتبرها “حاملة طائرات أميركية في قلب أوروبا”. لم يمنع هذا من تحالف باريس ولندن مع الغرب ضد الاتحاد السوفياتي. في الاتحاد الأوروبي حاليا من ليس عضواً في منطقة اليورو التي تتداول العملة الأوروبية الموحدة، ومن ليس عضواً في اتفاقية الشينغن الشهيرة. في ذلك أمثلة على مسلّمة التعايش والتعاون والتحالف وفق تميّزات تحترم ظروف وخصوصية كل طرف.

من حقّ الرياض أن ترى في مشروع الاتحاد تطورا منطقيا لمجلس التعاون. ومن حقّ الرياض أن تجد في هذا الخيار أداةً ناجعة للدفاع عن المنطقة إزاء التطوّر الإيراني. لكن أيضاً، من حقّ عُمان أن لا تجد نفسها، كيانا وتاريخا وسياقا، ضمن هذا التشكّل المتوخى، وأن لا ترى في الاتحاد آلية أمن واستقرار. ثم أن الأمر يتطلب تمريناً تربويا يُقنع أهل المنطقة بنضوج ذلك وفق قناعة جماعية، وليس وفق ردّات فعل ظرفية يُخصّبها كثيرٌ من النزق والمزاجية (تلك القناعة يجوز أن لا تشمل الدول الست على حدّ تلميحات وزير خارجية البحرين).

وقبل أن يتحوّل الموقف العُماني إلى خلاف يهددُ “لزومية” المجلس وديمومته، حريٌّ بكافة الدول الأعضاء، سواء من خلال المنابر الرسمية، أو تلك الخاصة بالنخب والإعلام والمجتمع المدني، رفعَ سقف النقاش وإخراجه إلى دائرة الضوء، بحيث لا يظهر الاتحاد بصفته سجالاً ثنائيا، بل مناسبة صريحة لإعلان المواقف وتبادل الأفكار والهواجس، على نحو يعكس جديّةً في ملفٍ لا يتم إخراجه ودفنه بين قمة للمجلس وأخرى.

عُمان أدلت بدلوها حاسماً صريحاً في شأن مشروع الاتحاد الخليجي. لكن ماذا عن مواقف الدول الأخرى؟ صحيح أنها لم تتخذ موقفا رافضا على منوال مسقط، لكنها ظهرت وكأنها مرتاحة للموقف العُماني عله يُبعد كأسا مراً. ثم لماذا تُتهم المشاريع الوحدوية بصفتها مشاريع تروم تمتين سطوة الرياض على بقية الدول الأعضاء؟ ولماذا، بالمقابل، تعجز المقاربات السعودية عن طمأنة دول المجلس من مزاعم الهيمنة التي تُكال للرياض على المجلس؟

على الرغم من التجربة اللافتة لمجلس التعاون الخليجي، ونجاحه في اجتياز استحقاقات كبرى في المنطقة منذ الحرب العراقية الإيرانية حتى الآن، إلا أن السجال العُماني السعودي الذي سجّلته صحف البلدين أفاض في إخراج المستور، بحيث تراجع المُنجز خليجيا، وراج خطاب التمنن والتفضل (في إشارة إلى المساعدات المالية التي قدمها المجلس لعُمان)، وكادت لهجات النقاش تلامس التخوين. وإذا ما كانت ثقافة وتقاليد أهل الخليج ستتيح “لفلفة” الأمر وتأجيله ووقف تداوله، فإن المناسبة أفرجت عن الطبيعة الحقيقة لمجلس التعاون راهناً، بما يستدعي تأمل آلياتٍ أنضج لترميم بنيانٍ ثبت كم هو غيرُ نهائي وكم يحتاجُ إلى صيانة دائمة.


* صحافي وكاتب سياسي لبناني

9