عمران خان رئيس وزراء حائر بين مهارات الكريكيت وبرغماتية السياسة

الفوز المفاجئ لخان كان موضع استغراب الكثيرين، فهو رجل شعبوي بنى رصيده السياسي على نجاحاته الرياضية والفنية وحضوره الاجتماعي في جمع التبرعات.
السبت 2018/08/18
ماذا يحضر حائك السجاد الإيراني لباكستان

منذ أن توّج بطل الكريكيت عمران خان سجلّه الرياضي الحافل بالانتصارات بفوزه السياسي الكبير، مسجلا أهم وأخطر أهدافه بالوصول في انتخابات 2018 إلى قمة السلطة السياسية في باكستان، والتحليلات والتنبؤات لا تهدأ. فمن هي تلك القوى التي تلعب الدور الخفي الآن في صناعة الاتجاه السياسي لباكستان وقائدها الجديد؟

خان الذي أهلته مهاراته ليكون أحد أبرز ستة لاعبين في العالم والفنان الهندي والأميركي الدارس في كلية كيبيل في إكسفورد في الفلسفة والاقتصاد والسياسة، والذي تخرج في المرتبة الثانية في العلوم السياسية والثالثة في الاقتصاد.

رجل الخدمات الاجتماعية والجمعيات الخيرية والدنجوان في النوادي الليلية البريطانية، وزوج سيدة المجتمع الإنكليزي جيما غولد سميث لتسع سنوات، والبارع الذي استقطب قلوب الشباب المتعطشين للبطولة والتغيير، هل تؤهله النقاط التي بدأ باستثمارها من الرياضة والفنون والمجتمع إلى حقل السياسة، بعد أن قاد فريقه الوطني إلى الفوز بكأس العالم للكريكيت؟ وهل تسعفه مهاراته الحركية وذكاؤه في الهجوم وصدّ كرات الخصوم السياسيين وقد تجمعت في مواجهته أهم الأحزاب التقليدية الشائخة والمتآكلة بالفساد، بعد عقود من تداولها الحكم؟ وهل سيسعفه ما قيل عن دعم الجيش للاعب السياسة المتأرجح بين حبال الديمقراطية وحبائل الأسلمة السياسية وبين التأييد لانقلاب مشرّف العسكري وهجومه عليه؟ 

ولد خان في مدينة لاهور الباكستانية عام 1952 وكبر صبيا هادئا في طبقة وسطى بين أربع شقيقات، والده المهندس المدني إكرام الله خان نيازي المنحدر من قبيلة نيازي شيرمان خيل الباشتونية والذي استقر في إقليم البنجاب.

المقال الصحافي الشهير والذي يحمل عنوان "فلينهض عمران الحقيقي رجاء" ينقل عن أحد قادة حزب "بي تي آي" المؤسس في كراتشي قوله "إننا نجد صعوبة في تحديد شخصية عمران الحقيقية حتى الآن". هو في باكستان يرتدي الثياب التقليدية الباكستانية يعظ ويتحلى بالقيم الدينية، ويتحول كلية عندما يكون جنبا إلى جنب مع النخبة في بريطانيا وأماكن أخرى في الغرب

سرعان ما تعلّم الفتى عمران لعبة الكريكيت من أقارب والدته شوكت خانم، ودرس في كلية أيتشسون في لاهور، ثم في روسيستير في إنكلترا، ملتحقا بكلية
كيبيل في إكسفورد ليدرس الفلسفة والاقتصاد والسياسة حاصلا على المرتبة الثانية في العلوم السياسية والثالثة في الاقتصاد. 

وبسبب تأثره بالتصوف، صوت لاحقا في البرلمان لصالح التيار الإسلامي المتشدد، ممثلا بتحالف الأحزاب الدينية في باكستان الذي كان قائده مولانا فازلور رحمن، وهو رجل دين من المؤيدين لطالبان دعا إلى حرب مقدسة ضد الولايات المتحدة على أساس ديني في باكستان.

الشعبوية تنتصر

لقد أثار استغراب الكثيرين ذلك الفوز المفاجئ لرجل شعبوي بنى رصيده السياسي على نجاحاته الرياضية والفنية وحضوره الاجتماعي في جمع التبرعات وبناء مستشفى لمرضى السرطان وتأمين الخدمات وتصيّد الهنات السياسية والفساد والتنافس غير الشريف في رصيد القيادات التي سبقته.

فبعد سنوات من احترافه لعبة الكريكيت، وظّف خان معارضته لكل من برفيز مشرف وآصف علي زراداري، وللسياسة الخارجية لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في تسويق اسمه، مستفيدا من دعم الفريق حامد جول الرئيس السابق للمخابرات الباكستانية، والذي عرف بدوره في صعود حركة طالبان ومناهضته للسياسات الغربية.

عمران خان يوظف في سياساته معارضته للسياسة الخارجية للندن وواشنطن
عمران خان يوظف في سياساته معارضته للسياسة الخارجية للندن وواشنطن

أطلق حزبه أواسط التسعينات تحت شعار “إنصاف ، إنسانية، واحترام الذات” ولكنه هزم هو وحزبه في انتخابات 1997 العامة، وندد برئاسة مشرّف بعد دعمه له، فوسمته الأوساط السياسية بالانتهازية، فراح يبرر فعلته بقوله “آسف على دعم الاستفتاء، لقد أُفهمت أنه عندما يفوز الجنرال سيبدأ في عملية لإصلاح الفساد”.

بعدها عارض دعم باكستان اللوجستي للولايات المتحدة، ومنذ انتخابه في الجمعية العامة عمل في دائرة ميانوالي كعضو في اللجان القائمة على الحسابات الحكومية، والشأن التشريعي الواضح في العلاقات الخارجية والتعليم والعدل.

وتصدّى لمجلة النيوزويك، في حملتها للتدنيس المزعوم للقرآن في سجن غوانتانامو الأميركي العسكري في كوبا، وطلب من الجنرال مشرّف أن يحصل على اعتذار من الرئيس الأميركي جورج بوش، وبلغ به الأمر إلى أن علق بقوله  “مشرّف يجلس هنا وهو يلعق حذاء بوش”، مضيفا “نحن لا نريد لرئيسنا أن يكون كلبا لبوش، ووصف زعماء العالم الإسلامي بأنهم “عرائس متحركة”.

علاقات خان مع طالبان

 خلال زيارة بوش لباكستان في مارس عام 2006 تم وضع خان قيد الإقامة الجبرية في إسلام أباد بعد تهديداته بتنظيم مظاهرة احتجاج، وفي الثاني من أكتوبر عام 2007 قدم مع 85 نائبا ديمقراطيا طلبا بالاستقالة من البرلمان احتجاجا على الانتخابات الرئاسية التي سيشارك فيها مشرّف، قبل استقالته من منصبه كقائد للجيش، وطالب بإعدام مشرّف بسبب فرضه حالة الطوارئ، ثمّ خرج وانضم إلى حركة الطلاب المعارضة في جامعة البنجاب فسلّمه طلابها من حزب جماعة الإسلام السياسي إلى الاعتقال بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، وبزعم تحريض الشعب على حمل السلاح، والدعوة إلى العصيان المدني، ونشر الكراهية، أفرج عنه بين ثلاثة آلاف من المساجين السياسيين.

الكثيرون يستغربون الفوز المفاجئ لرجل شعبوي بنى رصيده السياسي على نجاحاته الرياضية والفنية وحضوره الاجتماعي في جمع التبرعات وبناء مستشفى لمرضى السرطان وتأمين الخدمات وتصيّد الهنات السياسية، والفساد والتنافس غير الشريف في رصيد القيادات التي سبقته

تقاعد خان عام 2007 وحلّ محله أحد أعضاء حزبه في البرلمان وقاطع الحزب الانتخابات المحلية 2008، ليوضع تحت الإقامة الجبرية في حملة الرئيس الباكستاني زرداري على الاحتجاجات المناهضة للحكومة. وباع شقته في لندن واشترى بيتا ومزرعة في باكستان يزرع فيها المحاصيل ويربي الأبقار. لكن هذا
لم يمنعه من الترشح لرئاسة وزراء باكستان.

تضمن برنامج خان السياسي ومجمل تصريحاته القيم الإسلامية وتحرير الاقتصاد وخلق دولة الرفاه؛ وتقليل البيروقراطية وسن قوانين مكافحة الفساد، وصولا إلى حكومة نظيفة، وقضاء مستقل، وإصلاح نظام شرطة الدولة، ومجابهة العسكرة لباكستان ديمقراطية.

ووفق ما نقلته جريدة الدايلي تليغراف البريطانية، يقول خان “نحن بحاجة إلى اللامركزية، وتمكين الشعب على مستوى القاعدة الشعبية”.

لقد أثيرت ضده الكثير من التهم عن النفاق والانتهازية، والتقلّب من مستهتر لعوب إلى متزمت، وعن عدم التزامه بوعوده، مما أضعف ثقة الناس به، وقد ورد في مقال صحافي عنوانه “فلينهض عمران الحقيقي رجاء” نُقل قول عن أحد قادة حزب “بي تي آي” المؤسس في كراتشي “إننا نجد صعوبة في تحديد شخصية عمران الحقيقية حتى الآن”. هو في باكستان يرتدي الثياب التقليدية الباكستانية يعظ ويتحلى بالقيم الدينية، ويتحول كلية عندما يكون جنبا إلى جنب مع النخبة في بريطانيا وأماكن أخرى في الغرب.

صدمة عنيفة تصيب الوسط السياسي الباكستاني بصعود خان، بينما ترحب إيران وكذلك الحوثي به، لتتكشف خيوط علاقاته الخفية مع ولاية الفقيه
صدمة عنيفة تصيب الوسط السياسي الباكستاني بصعود خان، بينما ترحب إيران وكذلك الحوثي به، لتتكشف خيوط علاقاته الخفية مع ولاية الفقيه

محور الولي الفقيه

يفخر خان بأنه صاحب مقعد واحد في الجمعية العامة ولكنه يحصل على تغطية إعلامية تتناسب عكسيا مع نفوذه السياسي. ورغم أنه نقل اسم دولته الفقيرة إلى الشهرة بعد فوز فريقه الوطني بكأس العالم في الكريكيت، فقد تناوله كاتب العمود السياسي أعظم خليل بقوله “أحترمه كأسطورة في الكريكيت، ولكنه واحد من الفاشلين تماما في سياسة باكستان”. وأضاف في صحيفة فرونتير بوست “عمران خان غيّر اتجاهه السياسي مرارا وتكرارا، وليست له في الوقت الحاضر طريقة في التفكير، ولهذا لم تحمله الأغلبية الساحقة من الشعب على محمل الجد”. 

ورغم كل هذا الضجيج، فقد شكّل فوزه صدمة عنيفة للوسط السياسي التقليدي، بينما رحبت به إيران وباركته وباركه الحوثي، فأخذت تتكشف خيوط علاقات خان الخفية مع ولاية الفقيه، مما أغضب الرياض وحلفاءها العرب، إذ ربما ينذر هذا بخروج باكستان من مجموعة الدول الصديقة والمشاركة في المجلس الإسلامي العالمي، ولكن هل سيكون من السهل على عمران خان أن ينقلب على كل السياسات الإسلامية والحيادية الشكلية الراسخة لباكستان النووية وفي خلافتها المستمرة مع الهند؟ 

سوء طالع خان أنه أتى متأخرا إلى حلف ولاية الفقيه وهو في ذروة أزمته وحصاره واضطرابه وربما تداعيه، بفضل إشكالاته الداخلية المعيشية والسياسية والاحتجاجات والتظاهرات الشعبية الحاشدة والمتوافقة مع الضغوط الأميركية

ولعله من سوء طالع خان، أنه أتى متأخرا إلى حلف ولاية الفقيه وهو في ذروة أزمته وحصاره واضطرابه وربما تداعيه، بفضل أزماته الداخلية المعيشية والسياسية والاحتجاجات والتظاهرات الشعبية الحاشدة والمتوافقة مع الضغوط الأميركية، بدءا من إلغاء اتفاقية “1+5” وانتهاء بوضع كامل الملف الإيراني قيد التصويب الأميركي والدولي المباشر.

 وسيكون على خان إذا سار في هذا الخيار أن يواجه الحملة الأميركية والدولية في بلد ذي علاقات تقليدية معها وفي ظلّ معارضة داخلية، ترفض تخريب علاقاتها مع الغرب وتخشى من إغضاب المحور العربي ومجموعة الدول الإسلامية والعربية المتأذية من تدخلات إيران وتخريبها في الدول المجاورة والبعيدة.

 وقد أخذت تكتلات حزبية وسياسية ودينية كبيرة تعمل ضده وضد علاقاته ومبايعته لإيران، وقد تشكل هذه النقطة ثقبا أسود في سياساته، التي سيتجاوز تأثيرها الجانب السياسي إلى التجاري والاقتصادي والثقافي، وستبقى هذه منفذا لخصومه الداخليين والإقليميين والدوليين، وإلا فسيسارع إلى دور أقرب إلى الحياد الشكلي في مرحلة الانقسام الحاد وإعادة التشكّل، الذي يبنى على قاعدة “من ليس معنا فهو ضدنا” السائدة في تحركات وسياسات ترامب ونظيره الروسي وغيرهما، مما يصعّب عليه الحفاظ على سياسة متوازنة في دولة تعودّت على التابعية للقطب الأميركي والغربي بشكل عام. 

ولذلك فقد أعلن خان مؤخرا عن اختياره للسعودية كأول بلد يزوره بعد تكليفه برئاسة الوزراء، ولكنه لم يتركها وحيدة، بل أضاف أن السعودية وإيران ستكونان أول بلدين يزورهما رئيس لوزراء باكستان البلد الإسلامي النووي الحليف للعرب.

12