عمرة المعارف‎ وزكاة البتكوين.. ممارسات دينية رقمية تيسر أداء العبادات

انتشار الإنترنت وتعدد المواقع الاجتماعية، يجعل البعض يتخذ من هذا التطور التقني فرصة لأداء عدد من العبادات في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية لا سيما العربية منها.
الاثنين 2018/06/25
لا مجال للسيولة

لندن - فتح انتشار وتطور الهواتف الذكية للبشر بوابة على العالم، ولم يعد من الصعب تقصّي أخبار وأحوال الآخر صوتا وصورة والانتقال بين الدول دون جواز سفر، حتى أن هناك ظاهرة تفشت في السنوات الأخيرة متمثلة في أن المرء صار بإمكانه أن يجوب الأرض طولا وعرضا دون أن يركب طائرة، والأمر لا يتطلب ورقة وقلما وصورة سلفي ومنشورا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

التنقل بين البلدان ليس بالأمر الهيّن لكن تكوين صداقات افتراضية من مختلف أنحاء العالم أيسر ما يكون في ظل وجود شبكات اجتماعية وتطبيقات مواعدة وصداقات وكاميرات متطورة، مما ساهم في انتشار موضة قصاصات ورق مكتوب عليها دعوات وأسماء وتحيّات ومذيّل عليها توقيع اسم صاحب الدعوة من أماكن مختلفة من العالم.

قد يكون أمرا عاديا ظهور مثل هذه القصاصات كنوع من التودّد بين الأصدقاء، لكنه أوحى للبعض بفكرة ما يسمّى بـ”عمرة المعارف”، إذ تحولت مثل هذه القصاصات إلى المملكة العربية السعودية ودونت عليها عدة أسماء من أمام الكعبة الشريفة في محاولة من أصحاب هذه المبادرات لإشراك معارفهم وأصدقائهم في عمرة افتراضية.

هذه الموضة ساهمت في رواجها طريقة تناولها كمنشورات على مختلف الشبكات الاجتماعية.

بورقة وقلم

يحلم الكثير من البشر من مختلف الجنسيات والأعراق بأداء مناسك العمرة والحج، إلا أن تردي الأوضاع الاقتصادية الذي يضرب أقطارا مختلفة من الأرض يثني البعض عن ذلك، وتعتبر إسراء وبسمة وإيمان من بين الحالمات منذ سنوات، بأداء مناسك العمرة، لكنّهن اصطدمن برسوم مالية إضافية وأوضاع اقتصادية صعبة بدّدت أو أجّلت كثيرا أحلامهن بزيارة بيت الله الحرام.

ورغم ذلك، وجد مصريون ومصريات ضالتهم في مناجاة الله عبر عمرة يؤديها معارف لهم (أقارب أو أصدقاء)، ويطلبون منهم الدعاء لهم أمام الكعبة الشريفة.

وتنتشر على منصات التواصل الاجتماعي في مصر صور أمام الكعبة لقصاصات ورق مكتوب عليها دعوات ومذيل عليها توقيع اسم صاحب الدعوة.

مجرد كتابة اسمي في بيت الله الحرام، أسفل دعوة خاصة بي تشعرني بحالة كبيرة من الفرح والسعادة
مجرد كتابة اسمي في بيت الله الحرام، أسفل دعوة خاصة بي تشعرني بحالة كبيرة من الفرح والسعادة

وفرضت الحكومة المصرية في فبراير الماضي، حوالي 570 دولارا على من يكرر أداء العمرة خلال 3 سنوات، بخلاف نحو 533 دولارا كرسوم لمن أدى العمرة، خلال عام مضى، ويرغب في أداء أخرى، العام الجاري.

وهذه الزيادات أضيفت إلى ارتفاع بنسبة 5 بالمئة على أسعار الإقامة في فنادق الأربع والخمس نجوم، و2.5 بالمئة على ما دون ذلك، إضافة إلى 5 بالمئة ضريبة قيمة مضافة قررتها سلطات المملكة، منذ بداية العام الحالي.

وقالت كريمة كريم، أستاذة الاقتصاد في جامعة الأزهر، “هناك فئات كثيرة تضررت من قرار ارتفاع رسوم أداء مناسك العمرة، ولم يعد بإمكان الكثيرين أداؤها بسبب تلك التكلفة”.

ورصدت كريمة سببا لذلك بالقول “هذا راجع إلى أن هناك أولويات في تنظيم الميزانية (الخاصة بالأسرة)، وهناك أمور أساسية من أجل الحياة”.

وتابعت “رأينا الكثيرين يؤدون مناسك الحج أكثر من مرة، وربما سنويا، قرار الارتفاع جاء من أجل إعادة ترتيب أولويات الناس، وهناك بدائل أخرى لإرضاء الله لا تقتصر فقط على أداء العمرة”.

واتفق صبري عبدالرؤوف، أستاذ الفقه المقارن، مع فرض الدولة رسوما إضافية لضبط هذه العملية، قائلا “كل إنسان متديّن بطبعه، وإن كان التدين يختلف من إنسان إلى آخر تبعا لاختلاف المكان والزمان والأحوال”.

وأضاف “وإذا كانت الدولة قد وضعت بعض القيود على أداء العمرة، فهذا أمر يرجع إلى السياسة الشرعية، فمن حق ولي الأمر أن يتدخل في مسألة من المسائل تتعلق بالمصالح العامة”.

وتابع “يجب على هؤلاء بدلا من أن يشغلوا أنفسهم بالعمرة، وهم المستفيدون منها فقط، أن يهتموا بإنفاق نفقات العمرة على المرضى والفقراء والمساكين ورعاية الأيتام والأرامل.. هذا أولى، فالمصلحة العامة تُقدم على المصلحة الخاصة”.

إزاء الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها أغلب فئات المجتمع المصري، بات اللجوء إلى “دعوات قصاصات الورق” حلا، ولو مؤقتا، لتلبية الاشتياق إلى البيت الحرام.

وأفادت بسمة (28 سنة) أنها تحلم بأداء مناسك العمرة، لكنّ ارتفاع تكلفتها، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تفرضها الحكومة أجهضت حلمها.

لكن بسمة وجدت ضالتها في تكليف إحدى صديقاتها، التي تمكنت من أداء المناسك، بأن تدعو لها، وتلتقط لها صورة مكتوبة لما دعته.

وأضافت الشابة المصرية “مجرد كتابة اسمي في بيت الله الحرام، أسفل دعوة خاصة بي، تشعرني بحالة كبيرة من الفرح والسعادة”.

وطلبت إيمان (32 سنة) هي الأخرى من أحد أقاربها، وهي تزور بيت الله الحرام، أن تدعو لها بأن يجعل الله حياتها مليئة بـ”الفرح”.

ولم تتحمل إيمان المشهد، فما إن وصلتها صورة بالدعاء الذي طلبته حتى غلبها البكاء من عظم الفرحة.

وقالت “لم أفرح في حياتي مثلما فرحت بتلك الصورة، حلمت كثيرا بأداء مناسك العمرة، لكن الظروف لا تسمح لي، مجرد كتابة اسمي في بيت الله هو فضل عظيم من الله.. أشعر كأنني قد أديت العمرة حقا”.

Thumbnail

توثيق تقني للدعوات

فسّر عبدالرؤوف هذه الظاهرة بقوله “إذا كان بعض الناس يطلبون من المعتمرين الدعاء لهم، وكتابة دعاء أمام الكعبة مطلوب ومرغوب فيه، لكنّ الأوراق لا قيمة لها (فقهيا)، ويكفي المعتمر الدعاء لمن طلب منه ذلك”.

وتابع “سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما ذهب لأداء عمرة على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال له الرسول لا تنسنا من دعائك، بل إنّ الرسول الكريم يقول: اسألوا الله بلسان الغير، فلعلهم أقرب منكم إلى الله عز وجل”.

لكن عبدالرؤوف رأى أن “كتابة الأدعية على أوراق ونشر تلك الصور لا وجود لهما في الشرع، ولا يعتد بذلك ويجب ألا نشغل أنفسنا بكل هذه الخزعبلات”.

وأشادت هدى زكريا أستاذة علم الاجتماع بتلك الممارسات، ورأت أنّها تمثل ممارسة لطقوس دينية.

وقالت إن “الحج والعمرة هما من الطقوس الدينية التي يمارسها كل من استطاع إليها سبيلا، ومن لا يستطيع، سواء لمرض أو فقر أو غير ذلك، لكن قلبه معلق بالكعبة، فيحمل من يسافر في الرحلة المقدسة بأمانيه ودعواته”.

وأوضحت أن “هذه الممارسات مرتبطة بالتطور التكنولوجي الخاص بتصوير الورقة المكتوب عليها الدعوات وخلفها الكعبة المشرفة، وهذا لم يكن موجودا مثلا قبل 50 عاما، وبالتالي فالأمر مرتبط بتطور تكنولوجيا الاتصال وتطور أساليب الابتكار في الممارسة الدينية”.

وختمت بأن “الوضع اختلف عما سبق، ففي الماضي كان شخص ما يكلف آخر بالدعوات وينتهي الأمر عند ذلك، لكن حاليا الأمر تحول إلى إيصال أو وثيقة، وبالتالي نحن أمام عملية توثيق للدعوات بالصورة والكلمات عبر استخدام التكنولوجيا”.

والأمر لا يقتصر فقط على الدعاء من أمام الكعبة بل تجاوز ذلك إلى الإطلالة بمثل هذه القصاصات من أماكن متفرقة من العالم تهنئة بالنجاح أو مشاركة في حدث كروي أو تمنيات بزواج سعيد.

زكاة رقمية

Thumbnail

وجود هذه القصاصات لا يعد كل شيء، فتدخل التكنولوجيا في أداء العبادات ظهر أيضا مؤخرا خلال شهر رمضان الماضي، من خلال مبادرة هي الأولى من نوعها، تمثلت في قبول مسجد بشرق لندن الزكاة والصدقات بالعملات الرقمية المشفرة لمن يملكونها ويرغبون في دفع زكاة أموالهم أو التصدّق بها.

وصرح مسجد رمضان بأنه من بين بضع هيئات في العالم تقبل تبرعات خيرية بعملتي البتكوين والإيثريوم الرقميتين على الرغم من الغموض بين رجال الدين بشأن تداول هذه العملات.

وأثار ذلك جدلا بين علماء المسلمين بشأن ما إذا كانت العملات الرقمية قد تم السماح بتداولها من الناحية الدينية أم لا.

لكن أحد الأئمة في مسجد رمضان قال إنهم يعتبرون البتكوين مثل أي عملة أخرى.

وأطلق المسجد مناشدته خلال شهر الصوم لتوسيع قاعدة المانحين من أجل زيادة الأموال المتوفرة له كي يتمكن من تقديم الخدمات المجتمعية للمسلمين.

وبقبول العملات الرقمية يأمل المسجد في أن يتمكن من جمع تبرعات من مسلمين من دول أخرى إضافة إلى تسهيل الأمر على من يتعاملون بالفعل بالعملات الرقمية ليجدوا مصدرا يقبل مثل تلك المدفوعات.

وقال لوكاز موسيال، مستشار تقنية “بلوك تشين”، إن هذه العملية تساعد المتبرعين والمسجد الذي يقول إنه في طريقه لمضاعفة التبرعات التي يتلقاها هذا العام إلى أكثر من 13305 من الدولارات.

وتقنية “بلوك تشين” هي قاعدة بيانات موزعة تمتاز بقدرتها على إدارة قائمة متزايدة باستمرار من السجلات المسماة “كتل” أو “بلوك”.

وبعيدا عن المعاملات المالية المشفرة فقد تزايد أيضا بشكل لافت عدد المتخذين من المنصات الاجتماعية بوابة للمعايدة والتهنئة في مختلف المناسبات.

وتلعب التكنولوجيا اليوم دورا كبيرا في حياة البشر ومست أغلب معاملاتهم، إذ ألقت بظلالها على حياتهم اليومية وصارت جزءا من سلسلة علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأضحت رابطا يصلهم ببعضهم البعض، حيث اختزلت المقابلات في المكالمات الهاتفية ومن ثمة اختصرت في عدد من الحروف عبر الإرساليات لتصبح “إيموجي” يضم كل مشاعر المودة والمحبة والغضب والكره.

ومن ناحية أخرى يسّرت كاميرات الهواتف الذكية والتطبيقات التكنولوجية تبادل المكالمات بالصوت والصورة وقرّبت المسافات وألغت مظاهر الاغتراب، لا سيما في المناسبات والأعياد، ويبقى السؤال المطروح على الدوام إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا أن تتدخل في حياة البشر وتوجهها بشكل مختلف ينطوي في كل مرة على مجموعة من الإيجابيات والسلبيات ويثير جدلا واسعا بين مختلف شرائح المجتمع خصوصا الطبقة المتعصبة من المتشدّدين الرافضين لكل أشكال التطور التقني؟

12