عمرو أديب مشاكس فضائي على محك المصداقية

السبت 2016/11/19
إعلامي مصري يعتبر مبارك والسيسي أبوين روحيين له

القاهرة - أن ينجح الإعلامي في حجز مكانٍ له وسط ساحة مليئة بالبرامج والوجوه الإعلامية من كل التوجهات، فذلك تحدٍ صعب على الكثير من أصحاب المهنة، أما أن يضاعف نجاحه بالتربّع على عرش الإعلاميين ويحظى بأكثرية المشاهدة في فترة قصيرة، فهذا أمر بالغ الصعوبة، إلا على من يمتلك أدوات وسمات شخصية تؤهله لإزاحة منافسيه بسهولة.

لم يعد الانفراد بطرح قضايا مثيرة للجدل أو النجاح في إجراء لقاءات تلفزيونية مع شخصيات يصعب الوصول إليها بسهولة، بوابة عبور وحيدة نحو شهرة أيّ إعلامي وسط ساحة كبيرة مليئة بوسائل إعلام وبرامج تلفزيونية مختلفة، بقدر ما تحتاج الشهرة للمصداقية في طرح القضايا مع جملة من الصفات الشخصية والذكاء والشجاعة الاستثنائية التي تجذب الأكثرية لأن يكون هذا الإعلامي بمثابة المنبر المفضل لها.

وإن كانت للإعلامي توجهات سياسية بعينها لا ترضي بعض فئات المجتمع، فإن مصداقيته مع نفسه والآخرين ما تلبث أن تمحو أيّ آثار سلبية أو انطباعات أُخذت عنه خلال فترة ما، سواء تقرّب خلالها من أنظمة حاكمة مغضوب عليها، أو حتى كانت له مواقف يرفضها البعض، والأكثر وقعًا من ذلك، أن يتمسك بآرائه ومبادئه ولا يتبرّأ منها أو يتبدّل ويجاري وضعا جديدا في بلاده مثلما يفعل الكثير من الإعلاميين.

من هؤلاء، الإعلامي المصري عمرو أديب، الذي وخلال فترة قصيرة من ظهوره على فضائية “أون تي في” مطلع أكتوبر 2016، بعد 18 عامًا قضاها في فضائية “اليوم” التابعة لشبكة قنوات أوربت، حيث كان يقدم برنامجه “القاهرة اليوم”، نجح في أن يغيّر المشهد الإعلامي في مصر ويستأثر على النسبة الأكبر من المشاهدة، ونجح في إعادة الجمهور مرة أخرى لمتابعة البرامج التلفزيونية بعد أن كاد يهجرها.

صحيح أن الفضائيات المصرية تعج بالبرامج ويطلّ منها العشرات من الإعلاميين من توجهات متباينة، لكن المشهد العام يوحي وكأنها تدور في فلك واحد، لم يكن يجد فيها المشاهد ما يستحق أن يتابعه، إما لأنها تسبح في اتجاه مدح النظام وقراراته والدفاع عنه على طول الخط، أو تتطرق إلى أمور بعيدة عن حياة الناس وهمومهم، أو حتى تناقش القضايا بطريقة تزيد من إحباط الناس، فكانت النتيجة ابتعادا شبه جماعي عن متابعتها.

ينتمي أديب الذي ولد في أكتوبر من عام 1963، لأسرة لها تاريخ فني وإعلامي عريق، فهو نجل السيناريست والكاتب الراحل عبدالحي أديب، وشقيق الإعلامي عمادالدين أديب، وزوج الإعلامية لميس الحديدي مقدمة برنامج “هنا العاصمة” على فضائية “سي بي سي”، وله مشوار صحافي طويل، حيث التحق في بداية حياته بمؤسسة روزا اليوسف.

استطاع أن يقرأ المشهد الإعلامي بعين ثاقبة ويضع لنفسه خطة غير تقليدية للمنافسة قبل أن يطلق برنامجه “كل يوم” على فضائية “أون تي في”، ليكون في الصدارة، بعدما تلافى سلبيات البرامج المنافسة، وقرّر أن يزاحم الجميع بالعبور من بوابة “الدور الاجتماعي” للإعلامي في خدمة البسطاء.

حتى ولو كان الدور الاجتماعي يمكن أن يكون سياسيًا بالأساس، ويخدم الحكومة بشكل غير مباشر بتخفيف الهجوم عليها، فإن الحملة التي أطلقها باسم “الشعب يأمر” وتستهدف خفض أسعار السلع بنسبة 20 بالمئة لتخفيف المعاناة عن المواطنين، صعدت بنجمه، بعدما تفاعلت معها العشرات من الشركات والمصانع الكبرى، وطبعت على منتجاتها “استجابة لمبادرة الشعب يأمر”.

مع المتشددين أم ضدهم

لم يكن الدور الاجتماعي الوحيد لأديب، كصحافي يصنع لنفسه صورة مغايرة عن باقي الإعلاميين، لكنه سبق وأطلق مبادرتين أخريين قبل أشهر، بجمع تبرّعات مالية لضعاف السمع الذين يحتاج كل منهم لإجراء عملية جراحية بنحو 40 ألف جنيه. ونجح في جمع 12 مليون جنيه، فضلا عن مبادرته التي أطلقها الشتاء الماضي لـ”تدفئة الفقراء” بتوفير نصف مليون “بطانية”، لكنه جمع ضعف الرقم.

لا يمكن الفصل بين نجاح مبادراته الاجتماعية وفشل الكثير من المبادرات المماثلة لإعلاميين مصريين، وبين كونه إعلاميًا يتمتع بدرجة أعلى من المصداقية، عند المشاهدين، فتراه يهاجم النظام بضراوة ويتّهم الحكومة بالفشل في ملفات بعينها، ثم يمتدح النظام والحكومة، إذا نجحا في ملفات أخرى، بمعنى أنه لا يضع نفسه في إطار واحد مثل ما يفعل الكثير من زملائه في المهنة.

يستضيف أركان نظام حسني مبارك، مثل رجل الأعمال الهارب حسين سالم ليخلق حالة جدل تصبّ في صالحه في النهاية، وفي الحلقة التالية يستضيف شخصيات معارضة للنظام الحالي على طول الخط، أمثال خالد داوود القيادي بحزب الدستور، وأمين إسكندر السياسي والبرلماني السابق، والسفير معصوم مرزوق أحد أكثر المعارضين لاتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وكان ظهورهم على الشاشة “شبه ممنوع″، ليس بتوجيهات من النظام بقدر ما هو توجّه من بعض الإعلاميين لتجنّب غضب النظام.

الفضائيات المصرية تعج بالبرامج ويطل منها العشرات من الإعلاميين من توجهات متباينة، لكن المشهد العام يوحي وكأنها تدور في فلك واحد، لا يجد فيها المشاهد ما يستحق أن يتابعه، لتصبح النتيجة ابتعادا شبه جماعي عن متابعتها

عندما ثار الرأي العام على خالد حنفي وزير التموين السابق الذي استقال نتيجة اتهامه بإهدار المال العام في القضية المعروفة بـ”فساد القمح”، وفتحت الصحف والقنوات الفضائية النار عليه، لم يخش عمرو أديب أن يفسح له المجال للتحدث والدفاع عن نفسه أمام اتهامات النائب البرلماني مصطفى بكرى الذي حلّ ضيفًا في اليوم التالي في ذات البرنامج، وهو من قاد الحملة ضد الوزير السابق حتى أجبر على الاستقالة من الحكومة في سبتمبر الماضي.

بلغت درجة جرأته ومحاولته الاختلاف عن الآخرين، ومخاطبة كل فئات المجتمع حتى الرافضين لشرعية النظام الحالي، أن استضاف في برنامجه منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية المتشددة الذي دافع عن عناصر التيارات الإسلامية، ما جعله يتعرض لهجوم ضارٍ من البعض، بينهم اللواء محسن حفظي مساعد وزير الداخلية الأسبق، الذي اتهم أديب بأنه “يروّج لعودة الجماعات الإسلامية للمشهد”، ما ردّ عليه أديب بأن “برنامجه يخاطب كل فئات المجتمع”.

لم تكن هذه السياسة الإعلامية مألوفة عند الرأي العام المصري، خاصة في الفترة التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013 والإطاحة بنظام حكم الإخوان المسلمين، وكان الإعلام المحلي يدور في فلك واحد، يتمحور حول المؤامرات الخارجية ومكافحة الإرهاب والاصطفاف الوطني ودعم النظام الجديد في الحكم وإقصاء كل ما هو إسلامي من المشهد وتطبيق أقصى عقوبة على المنتمين للإخوان.

النهج الذي رسمه عمرو أديب لنفسه والمصداقية التي استخدمها سلاحًا شرعيًا لحشد الناس لمتابعته بترك المساحة لكل الآراء ومناقشة مختلف القضايا المؤيدة والمعارضة بشجاعة ونبرة صوت عالية طوال الوقت، جعلا منه نافذة إعلامية كان يبحث عنها المشاهد بشغف، ما سهّل مهمّته في كسب ثقة الأكثرية واستقطاب تيارات مختلفة لمتابعته، حتى المعارضون بشراسة ممّن ينظرون للإعلام المحلي على أنه “بوق للنظام”.

في خضمّ كل هذا، تراه يذهب بنفسه للترويج لمشروعات النظام في مشروع محور قناة السويس الذي يتعرض لانتقادات شديدة من تيارات معارضة، بسبب ما أُنفق عليه من مليارات الدولارات وسط أزمة اقتصادية طاحنة، ويتحدث عن إبهار مصر للعالم بالمشروعات التي شُيدت بأيادٍ مصرية تستطيع أن تحقق للبلاد نقلة نوعية في اقتصادها، وفي ذات الوقت ليس ساذجا ليحاول إقناع الناس بأن الوضع عظيم والمستقبل “ورديّ” أمامهم.

مضيف المطلوبين

علاقته بالأنظمة تتّسم بالغرابة، فهو الذي قال عن حسني مبارك إنه “الأب الروحي له”، مع أن مبارك منعه من الظهور الإعلامي قبل تنحّيه، والأكثر من ذلك، أنه في خضم كراهية الشارع لنظام مبارك وفساده لم يتبرّأ أديب حتى اللحظة من علاقته السابقة بمبارك.

حفاظه على أن يكون إعلاميًا يسبح ضد التيار مهما علت أمواجه، دفعه إلى أن يهاجم النظام الحالي وحكومته وزملاءه الإعلاميين لتجاهلهم دور حسني مبارك في انتصارات حرب السادس من أكتوبر لعام 1973، وعدم التطرق إليه في الذكرى الـ43 للحرب، حيث كان قائدًا لسلاح الطيران، ومعروف أنه صاحب الضربة الجوية الأولى آنذاك، واعتبر أن تجنّب الحديث عن دوره “خيانة للتاريخ وخوف غير مبرّر من ردّة فعل الشارع”.

يُنظر إلى أديب على أنه إعلامي صاحب موقف ثابت، لا يتخلّى عن ماضيه أو علاقته بأنظمة انهارت أمام رغبة الشعب، أو يتبرأ منه تاريخه ومواقفه القديمة لتجميل صورته في الحاضر وتحصين نفسه في المستقبل، ولا يملّ من الحديث عن علاقاته ببعض رجال الأنظمة السابقة وكيف ساهموا في بناء الدولة ووضعوها على الطريق الصحيح إلى أن جاءت ثورة يناير 2011 وأجبرتهم على الاختفاء من المشهد.

مع أنه ضد الثورة التي أزاحت مبارك ونظامه، لكنه يتعامل مع هذه المعادلة بذكاء، فهو لا يهاجمها بشكل مباشر ولا يتهم شبابها بالخيانة مثلما فعل بعض الإعلاميين، لكنه يلمّح إلى المؤامرات التي اخترقت مصر عبر هذه الثورة ومخطط الشرق الأوسط الكبير، وهو طرح يلقى قبولًا عند الفئة التي تعادي الثورة، ويتيح له الحفاظ على هذه القاعدة الجماهيرية.

بالتالي نجح في أن يكون له متابعون من مختلف التيارات والتوجهات والفئات، فهو الذي يرى فيه أعداء ثورة يناير “جزءا من الماضي”، ويرى فيه أنصار ثورة 30 يونيو “جزءا من الحاضر”، ويعتبره إسلاميون أحد منابرهم وقتما أُغلقت في وجوههم باقي المنصّات الإعلامية، وينظر إليه المعارضون باعتباره “متحدثًا بلسانهم ضد أخطاء الحكومة”، والفقراء على أنه “أحد أدوات تخفيف الأعباء عنهم”.

عمرو أديب ينجح في حصد متابعين من مختلف الفئات والتيارات. إذ يرى فيه أعداء ثورة يناير جزءا من الماضي، ويصنفه أنصار ثورة 30 يونيو بأنه جزء من الحاضر، وينظر إليه المعارضون كأنه متحدث بلسانهم، ويعتبره البسطاء أداة لتخفيف الأعباء واليأس والإحباط.

لطم وصراخ على الشاشة

لم يكن من الحنكة السياسية أن يتجاهل رأس النظام المصري، أي الرئيس عبدالفتاح السيسي، مخاطبة الرأي العام المحلي والعالمي عبر إعلامي جماهيري لديه جماهيرية عريضة مثل أديب، حتى عندما كان يطلّ على المشاهدين من فضائية “اليوم” المشفّرة التي تتبع مجموعة قنوات أوربت لمدة 18 عامًا، خلال برنامجه السابق “القاهرة اليوم”.

لم يعهد الرأي الإعلامي المصري اتصال السيسي بإعلامي وهو على الهواء مباشرة في أثناء هجومه الضاري على النظام والحكومة لإخفاقهما في بعض الملفّات، سوى عمرو أديب. وحدث ذلك 3 مرات، كان آخرها حديثه عن فشل النظام في تنمية سيناء ما تسبّب في تنامي معدّلات الإرهاب واستهداف جنود الجيش والشرطة من التنظيمات الإرهابية هناك.

وقتها فاجأ السيسي عمرو أديب بإجراء مداخلة هاتفية لشرح خطّة الحكومة في تنمية سيناء ومدافعًا عن النظام بأنه لم يفشل في دحر الإرهاب، وأنه نجح في ذلك بنسبة كبيرة، لكن شجاعة المشاكس (كما عُرف عنه) لم تغب عنه حتى عند حديثه مع رئيس الدولة، وواجهه بالكثير من الدلائل التي توحي بأن الحكومة لم تنجح في هذا الملف، ما دفع السيسي لأن يستمرّ في إقناعه بعكس ذلك لأكثر من 20 دقيقة كاملة.

لم يشعر المشاهد وقتها أن أديب يتحدث مع رئيس الدولة، حيث بدا وكأنه يحاور مسؤولًا حكوميًا تجب مساءلته عن أخطائه أمام المجتمع، حتى نبرة الصوت العالي في طرح القضايا، وهي سمة معروفة عن أديب، لم تنخفض أمام منصب الرئيس، ما يعطي انطباعًا عنه بأنه “لا يهاب المنصب بقدر ما يبحث عن المحافظة على الصورة التي أُخذت عنه وتميّزه عن باقي زملائه الإعلاميين”.

مع هجومه اللاذع على وزراء الحكومة بشكل يومي، وبطريقة تبدو مهينة للبعض أمام المجتمع، على شاكلة “أنت وزير فاشل.. أنت مطلوب رحيلك من المنصب فورًا”، لكنّهم يجدون في برنامجه منبرًا إعلاميًا مميزًا لمخاطبة الناس من خلاله، بغض النظر عمّا يحكيه ضدهم، فتراهم يبادرون بالاتصال لتوضيح الحقائق أمام الرأي العام، ربما لأنهم على قناعة بأنّ برنامجه يخاطب مختلف التيارات، وحديثهم سوف يصل إلى العامة.

كانت معركته الأشرس مع مرتضى منصور عضو مجلس النواب ورئيس نادي الزمالك الرياضي، الذي تخشى الأغلبية الصدام معه لما يروّجه من امتلاكه شبكة علاقات قوية بمسؤولين كبار بالدولة وداخل دوائر الحكم، لكن معركة منصور لم تكن سهلة، لأنّ منصور اعتبر أنه دخل المواجهة نيابة عن أغلبية المجتمع الذي ينظر إليه على أنه “شخصية منبوذة وسليطة اللسان وتدّعي أنها مدعومة من النظام”.

ما سهّل مهمة أديب في الانتصار على رئيس الزمالك الذي هدّده بـ”الخطف من قناة اليوم ومنعه من الظهور”، أن السيسي أجرى معه مداخلتين هاتفيتين على الهواء في نفس توقيت خلافه مع منصور، ما بدا وكأنه “مسنود من رئيس الدولة الذي يبارك معركته مع رئيس نادي الزمالك”.

كان طبيعيًا أن يستغل ذكاءه الفطري في الانتصار على مرتضى منصور بطريقة “إحراج النظام أمام الرأي العام” حيث قال أكثر من مرة “يا رئيس الجمهورية، هذا الشخص يهددني ”.

وقتها قرر رئيس الزمالك أن ينسحب من المعركة بسلام، وتجنّب المشاكس العنيد خوفًا من انقلاب النظام عليه، مثلما يتجنبه مسؤولون كبار في الدولة خشية أن ينقلب عليهم وتطولهم نبرات صوته التي قد تصل إلى حدّ الصراخ ولطم الخدود.

13