عمرو الدباغ.. بطل معركة "الاستثمار" السعودي الوهمي

الأحد 2013/11/03
رجل اللغة المختلفة والدبلوماسية الاقتصادية

عمرو الدباغ، حكاية سعودية لم يكشف عنها سوى فصول السوء، رغم أرقام القوة والوجود في تقارير عالمية، لكنها تفتقد إلى المصداقية على أرض الواقع، وهذا ما يسيئ لتاريخه وسعيه إلى تسهيل إجراءات العمل والاستثمار المحصور لمن يفد على تأشيرات العمل.

رجل فتح ملف الاستثمار في السعودية، وغادر بثيابه بين بياض وسواد، وسمعته الاقتصادية و"الهيئة العامة للاستثمار" (SAGIA) التي كان محافظها في ثمانية أعوام، مليئة بالثقوب التي استغلتها مؤسسات وأفراد للقذف من خلالها بعمالة بنت غالبها مصانع لإنتاج الاستثمار المزيف.

عمرو الدباغ، "صنع" هيئة الاستثمار السعودية، وبنى معها على الورق أجمل الخطط، وجذب الأنظار بـ"الأرقام" التي لم يتحقق سوى بعضها، وأشعل حربا ضروسا في "تنافسية" بين كتاب الصحف السعودية، حتى استعرت تلك النار لتصبح في منطوق مختلف؛ حربا مناطقية بين كتّاب مدافعين من "الحجاز" حيث أصول الدباغ، وبين كتّاب من "نجد" يحملون منصات الصواريخ الإعلامية ويتعاملون بالواقع.

في صفحته على الإنترنت، يغيب أي تعريف عنه باللغة العربية، فهو رجل استثنائي في الظهور، عليه أن يكون رجل اللغة المختلفة والدبلوماسية الاقتصادية ليظهر في ثياب المضيف المقدم على طاولة كبيرة كل أدوات الترحيب والالتهام استثمارا صناعة وتجارة، في بلد يفيض الخير من باطن أرضه، ولا يزال معتمدا على ينابيع السحابة السوداء حتى اليوم.

الدباغ يحمل سيرة علمية متواضعة، لا تبرق بالكثير من المميزات، سوى أنه فاعل ميداني، وبشواهد معدودة، لكنه كان فارسا بيده سيف من خشب في قطاعات دولة تريد الوثوب نحو الصناعة ومن يسيطر على العملية بأكلمها بيروقراطية قاتلة قاتمة اللون.

رجل اقتصاد، ومتحدث بارع، لكن خارج سياقات الإعلام لذلك أقلقت منامه وصحوه وبرت له أقلامها وجعلته في عداد المفقودين الأحياء والخاسر الأكبر في عملية نهضة كانت بيده

رجل اقتصاد، ومتحدث بارع، لكن خارج سياقات الإعلام التي يهرب منها ويمقتها، لذلك أقلقت منامه وصحوه وبرت له أقلامها وجعلته في عداد المفقودين الأحياء والخاسر الأكبر في عملية نهضة كانت بيده، لولا أنه أدار ظهره للإعلام الكاشف، والباحث عن تفاصيل إعلانات هيئة الاستثمار التي تنكشف يوما بعد آخر بأنها فصل جديد من فصول الوهم السعودي.

جاء الدباغ ومعه حلمه، جاء ليسجل في تاريخه كمحافظ لهيئة الاستثمار السعودية، التي صنعت تحركا ملحوظا في أعوام عديدة، وحين تُذكر الهيئة تُذكر حتما مدن اقتصادية سعودية ساقها العاهل السعودي الملك عبدالله منذ قدومه للحكم وبإشراف الهيئة ذاتها وظهور عمرو الدباغ كأحد أبطالها.

هو واحد من حزمة مسؤولين سعوديين ينبغي مساءلتهم عن أحاديثهم ومشاريعهم، لكنّ اختلافه عنهم يقع في حدود النقلة التي تخطط لها السعودية في تحوّلها نحو جذب الاستثمار خاصة في الجانب الصناعي، وهو جانب مفقود محليا في ظل وجود النفط كمحرك للاقتصاد.

تغرد الهيئة العامة للاستثمار في السعودية وحيدة، بعيدا عن الجميع من مؤسسات حكومية وأفراد، بفعل أجنحة صنعها لها عمرو الدباغ، تحمل مستثمرين من خارج المملكة، لديهم من المميزات والحوافز ما يغطي على مجموع حوافز رجال الأعمال والصناعيين السعوديين السائرين بين عجلات الأنظمة الحكومية المعقدة، وهو دور للدباغ ذاته الذي تقع هيئته في نطاق التيسير على السعوديين من المستثمرين كما هم من خارج المملكة.

تلك الأجنحة الحالمة العالية لم تفتح لبعض رجال الأعمال من المستثمرين سوى الاستفادة من إغراق السوق السعودي بالعمالة، خلافا لما تريد الهيئة الوصول إليه من خططها، ففتح الاقتصاديون النار عليه وظل متشبثا بما يريد دون مساءلة أو توقف. فأنشأت هيئته للمستثمرين من الخارج حكرا، وعددا من مراكز الخدمة الشاملة فى جميع أنحاء المملكة لتقديم الاستشارات وتسهيل المعاملات وإجراءات استخراج التراخيص من الهيئة والوزارات الحكومية ذات العلاقة.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل ابتعد الدباغ عن دباغة خريطة التوطين وسعودة الوظائف وهي همّ سعودي مستمر، حيث نفى المحافظ عمرو الدباغ أن تكون هيئته تسعى إلى سعودة الوظائف مفيدا أن "السعودة ليست من أهداف الهيئة، ولن يتم فرض نسبتها على المستثمر الأجنبي"، فانبرى له الكتاب السعوديون المهتمون بالشأن المحلي باتهامات عديدة لم يتحرك معها أي ساكن واستمر الدباغ في مهمته.

وفي قسم كبير من أقسام هيئة الاستثمار السعودية، تطل المدن السعودية الاقتصادية الأربعة، مدينة الملك عبدالله الاقتصادية برابغ، ومدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة، ومدينة جازان الاقتصادية، ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية بحائل، لكن ماذا عنها وهي مواليد هيئة الاستثمار المنطلقة بقوة في سوق دولي وجاذبة للإعلام الخارجي قبل المحلي؟

من رابغ، تعاني مدينة الملك عبدالله الاقتصادية من صعوبات جمة، وهي المدينة الاقتصادية الأكبر بين مثيلاتها في المنطقة، وضع حجر أساسها الملك عبدالله في العام 2005 ولا تزال في بوتقة المرحلة الأولى التي لم يُر منها سوى بضع مبان حتى اليوم، وشفافية لا تعكس متانة الاقتصاد السعودي والمنهج الكبير الذي تريده هيئة الدباغ.

هو واحد من حزمة مسؤولين سعوديين ينبغي مساءلتهم عن أحاديثهم ومشاريعهم، لكن اختلافه عنهم يقع في حدود النقلة التي تخطط لها السعودية في تحولها نحو جذب الاستثمار خاصة في الجانب الصناعي.

في جازان، تعاني مدينتها الاقتصادية من صعوبات انسحابات المقاولين والمطورين للمدينة التي أعلن العمل بها في العام 2006 مما حدا بالحكومة السعودية تسليمها لشركة أرامكو السعودية آخر الحلول المعتادة في ظل تواضع الإدارات المحلية، فيما لا تزال مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد في حائل محتارة في اختيار موقعها المتخاصم عليه، وأما عن مدينة المعرفة فلا تزال شامخة بيضاء من غير بناء سوى لوحة تقرأها أجيال تمر على ثاني أهم مدينة إسلامية.

وسط كل تلك النيران، كانت إعلانات الدباغ على الورق والصوت كقناديل البهاء في ظلمة الليل، لكن السوء كبير فهي واقعا تميل نحو الاستثمار الرقمي دون تحقيق أي تقدم في عجلة الإنتاج، فهو من قال "إن السعودية تأتي ضمن قائمة أفضل خمس دول في العالم أجرت إصلاحات اقتصادية خلال السنوات الخمس الماضية".

وهو من حكى في منتديات عالمية كمنتدى دافوس الاقتصادي أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الصناعي بالسعودية تجاوزت السبعين مليار دولار، مع صمت كبريات الشركات السعودية التي لم تر أيّ منافس لها في قائمات المستثمرين المعفيين عن الضرائب، والممنوحين للتسهيلات لتدفع بفريق الدباغ نحو مراتب كلامية لا واقعية.

أطلق خطته (10x 10) وهو أن تصل السعودية إلى المرتبة العاشرة في تنافسية الاستثمار في عشرة أعوام، وهو ما اقترب منه بفتح مصراعي الباب لكل من حملته أوراقه المالية للتواجد في السعودية بانيا صروحا من خيال هوت، وتكشّف الكثير منها، بعد نيل المستفيدين ما يريدون.

ويرى العديد من الاقتصاديين أن التصنيفات الدولية بعيدة عن أرض الواقع، وأن الاقتصاد السعودي لازال يعاني من اختلالات مالية وإدارية هي الجوهر. ورغم غياب هيئة الاستثمار ورئيسها الدباغ الذي خرج من باب خلفي رغم وهج الأسئلة عن التعقيب أو الرد على التحقيقات الاقتصادية المتسائلة والناقدة في الصحف المحلية إلا "أن غيابها يعلله المتابعون بتكفل فريق مدافع عن الهيئة بأنها أكبر المنجزات التي دعمت الاقتصاد الوطني!".

أفراد فريق المحافظ السابق عمرو الدباغ، يسعون إلى تقديم رؤية الدفاع عن الدباغ المتهم فوق العادة، خاصة في مجالات الاستثمار بأنه استطاع أن ينجح في الدفاع بموضوعية عالية عن الهيئة العامة للاستثمار، مستندين على الأرقام العالمية، وأنها لن تتحقق بين عشية وضحاها أو فتح قلم وإغلاقه وإنما يتطلب ذلك مزيدا من أرقام العمر والزمن، ابتداء من عام 2015.

اليوم، يعيش عمرو الدباغ حياة هانئة بعد تنصيبه رئيسا لمجلس إدارة شركة (بترومين) العالمية، وهي شركة سعودية حكومية سابقة، باعتها لشركة سعودية هي مجموعة الدباغ القابضة (أسرة الدباغ) ومجموعة هندية باعت حصتها قبل فترة لم تتجاوز العام إلى مجموعة الدباغ لتنال كامل الشركة على طبق من ذهب في صفقة مميزة.

بعد تولي الدباغ مجلس إدارة شركة (بترومين) عادت مطالبات بعض الكتاب السعوديين لجعله على مقصلة مكافحة الفساد، بتهم عديدة، ومنها تضليل الرأي الحكومي والشعبي بمشاريع لم يتحقق منها سوى أرقام وهمية لم تدفع بالواقع السعودي إلا ألما وضيما متكررا من تزايد أعداد العمالة ومشاريع سعودية متوقفة رغم نيلها رخص هيئة الاستثمار للتجارة أو الصناعة. يتبوأ عمرو الدباغ منصب نائب رئيس "صندوق المئوية" المؤسس بموجب مرسوم ملكي سعودي، ويهدف إلى تمكين جيل الشباب من أن يصبحوا من أصحاب الأعمال الناجحين، وتمكينهم من بدء أعمالهم الخاصة من خلال الإرشاد والتسهيل والإقراض.

ورغم ذلك التواجد الحكومي في منصب آخر فإن لعنات عدم الرضا تلاحقه في هذا الصندوق المهتم بصغار الأعمال وشبابها ممن يملكــون الفكر وتضيــق يدهم ماليــا.

10