عمرو جبريل: نحارب الإرهاب بتوحيد الجهود الدعويّة

رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالكاميرون يدعو إلى ضرورة تفعيل المواجهة الفكرية بجانب المواجهات المسلحة لمنع الخلايا النائمة من نشر التطرف.
الجمعة 2020/02/21
عمرو جبريل: الخطاب الدعوي لم يكن متوافقا مع التحديات المجتمعية

أدى تنامي موجات العنف والإرهاب في دول الساحل والصحراء إلى تعزيز القناعة بضرورة تفعيل التعاون بين هذه الدول، وتمخضت المحاولات الدؤوبة للتنظيمات المتطرفة لإعادة تمركز عناصرها في مناطق جديدة إلى الجمع بين محاربتها أمنيا وفكريا، كما دفع تبني بوكو حرام في نيجيريا وأنصار الدين في مالي لأفكار داعش والقاعدة، العديد من الهيئات الدينية في غرب أفريقيا إلى تشكيل تكتل دعوي لتعزيز المواجهة الفكرية للحرب على الإرهاب والتطرف.

أكد الشيخ عمرو جبريل، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في دولة الكاميرون، في حواره مع “العرب”، خلال زيارته للقاهرة أخيرا، أن غياب التنسيق الدعوي في مواجهة المتشددين يمنح التنظيمات الإرهابية فرصة لتجنيد المزيد من الشباب، ويدفع الخلايا النائمة إلى محاولة ملء الفراغ في المشهد الدعوي، وبالتالي نشر الأفكار المتطرفة في القواعد الرخوة في عدد من المجتمعات المحلية بالقارة.

وأخذت الجماعات المتطرفة تعزف على وتر إشعال الصراعات القبلية والعرقية لتجد لنفسها مكانا في منطقة غرب أفريقيا، باعتبارها بيئة خصبة لنشر الأفكار المتطرفة، ومساعدة العناصر القادمة من ليبيا للتسلل إلى عمق القارة، بدعم تركي غير خاف، بالتزامن مع هجمات نفذتها تنظيمات إرهابية بعضها استهدف كنائس مسيحية لخلق بؤر توتر داخلية، وفتح الباب لنشوب حروب دينية أو إحياء صراعات قبلية معينة، ما يفرض ضرورة مواجهة هذه الموجة بتطوير الفكر الدعوي قبل أن تستفحل الأخطار.

وقال عمرو جبريل، إن مقترح تأسيس تكتل دعوي بين هيئات دينية في دول غرب أفريقيا ظهر مؤخرا، مع مبادرة أطلقتها قيادات دينية في القارة لإنشاء مجلس للوساطات والمساعي الحميدة وقوافل السلام، للخروج من حالة الاضطراب والصراع والاحتراب السائدة.

وأضاف أن محاولات العناصر الإرهابية التسلل إلى دول غرب أفريقيا، دفع قيادات مجالس الشؤون الإسلامية في كل من الكاميرون والنيجر ونيجيريا وتشاد وغانا وكوت ديفوار، لتنسيق جهود المواجهة، لأن الخطر بات يهدد الجميع والمواجهات الفردية لن تجدي في التصدي للجماعات المتطرفة.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من تصاعد العنف في منطقة غرب أفريقيا، حيث بدأ الكثير من التنظيمات المتطرفة يولي اهتماما بها، وارتفعت معدلات العمليات الإرهابية بصورة تهدّد جميع الدول الواقعة في الحزام الساحلي في غرب أفريقيا، وزادت الهجمات ضد أهداف مدنية وعسكرية بمقدار خمسة أضعاف في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

وخلفت هذه الهجمات عدة آلاف من الضحايا، وسرّعت التنظيمات الإرهابية من وتيرة عملياتها قبل أن تتزايد خطوات تطويقها، بما يمنعها من الحصول على الأسلحة وتأمين منافذ تهريب العناصر الإرهابية، لذلك حثت الأمم المتحدة دول غرب أفريقيا على الوفاء بالتزاماتها أملا في التصدي للإرهاب والتطرف.

وذكر عمرو جبريل أن التنسيق بين مجالس الشؤون الإسلامية في غرب أفريقيا ينطلق من توحيد الجهود الفقهية والدعوية، وتبادل الخبرات في مجال عمل مراكز رصد الآراء والفتاوى المتشددة، وتشكيل لجان تضع خططا موحدة لموضوعات الدروس والخطب الدينية، بطريقة علمية ومدروسة تتماشى مع الواقع، ولا تكتفي فقط برد الفعل بل تبادر بطرح قضايا تعلي من قيم المواطنة والتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد من ذوي الانتماءات المختلفة.

عمرو جبريل: حان الوقت لإعادة التفكير في صحة الطفل ووضع الأطفال ضمن أعلى أولويات البرامج الحكومية مع وضع رفاههم فوق كل الاعتبارات

وأضاف أن التنسيق بين الهيئات الدينية من العناصر المكملة للتعاون الأمني، ويرفع الغطاء “المقدس” عن الجماعات التي ترفع شعارات دينية وترتكب جرائم تخالف تعاليم الإسلام، وتنطلق هذه المواجهة من رؤية مشتركة بأن الإرهاب لا يستهدف دولة واحدة، لكن يستهدف العالم، وتحديدا منطقة الساحل والصحراء.

وأوضح في حواره مع “العرب”، أنه تم الاتفاق مع عدد من القيادات الدينية على أن تتضمن المناهج والخطط الدعوية قضايا نبذ الفرقة والتعصب، وتكثيف قوافل الأئمة التي تعمل على ترسيخ قيم الولاء والانتماء للوطن وإعلاء المواطنة، لأن الجماعات المتطرفة تستغل تعدد اللغات واللهجات والأعراق بغرب أفريقيا لضرب استقرار تلك المجتمعات ونشر الفوضى.

ولفت رئيس مجلس الشؤون الإسلامية في الكاميرون، إلى أن قيادات دينية في دول غرب أفريقيا قدمت توصيات للجهات الرسمية، تضمنت ضرورة تفعيل المواجهة الفكرية بجانب المواجهات المسلحة لمنع الخلايا النائمة من نشر التطرف عبر وسائل التواصل الحديثة، وهو ما استدعى تشكيل لجان تضم عددا من المتخصصين في مجالات متعددة، بهدف وضع خطط شاملة لمحاصرة المتشددين وتصحيح المفاهيم المغلوطة.

وتابع “ينفذ مجلس الشؤون الإسلامية في الكاميرون مجموعة من الخطط والبرامج لمواجهة التطرف، تتضمن ترجمة ونشر أبحاث مؤتمرات المؤسسات الدينية في كل من الإمارات ومصر والسعودية، وتنفيذ توصياتها التي يحضرها كبار العلماء لأنها تمثل خارطة طريق لمحاصرة المتطرفين، إلى جانب ترجمة عدد من الإصدارات المهمة في إطار تصحيح المفاهيم التي تروجها العناصر الإرهابية، وتسعى من خلالها لتجنيد الشباب للانخراط في صفوفها”.

وكشف جبريل أن حكومة ياوندي أسست مراكز لمواجهة التطرف تعمل على تصحيح أفكار الذين خرجوا من الغابات وكانوا يحاربون الدولة قبل ذلك، بهدف تأهيلهم وتصحيح المفاهيم التي دفعتهم للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية، وعرض تجاربهم في وسائل الإعلام لحماية الشباب من مخاطر الارتماء في أحضانها.

وتوقع أن تكون هناك تأثيرات إيجابية للتعاون الدعوي بين مجالس الشؤون الإسلامية في غرب أفريقيا، في ظل دعم فكري كبير من “منتدى تعزيز السلم” بدولة الإمارات، الذي تبنى مبادرات عديدة لمواجهة التطرف في أفريقيا.

واعترف بأن الخطاب الدعوي الذي ساد في الكثير من الدول الأفريقية في السنوات الماضية، لم يكن متوافقا مع التحديات التي تتعرض لها المجتمعات المحلية، لذلك استشعرت المؤسسات الدينية في دول غرب أفريقيا المزيد من الأخطار التي تمثلها الجماعات المتطرفة مؤخرا، وحققت خطط تضييق الخناق عليها في دول مختلفة نجاحات كبيرة بعد ظهور محاولات للعناصر الإرهابية للتمركز في غرب أفريقيا.

وقال عمرو جبريل، خلال الدورات التدريبية التي تعقد للأئمة والدعاة نطالب التركيز بشكل أساسي على فقه التحذير من مخاطر الجماعات الإرهابية، وتوعية الشباب بأنه لا تعارض بين الولاء للوطن والانتماء للدين، بجانب حملات توعية مستمرة ينفذها الدعاة تركز بشكل أساسي على نبذ العصبية والقبلية وإعلاء مبدأ قبول الآخر.

13