عمرو خالد وقتل العقل الناقد

الأحد 2016/03/06

من الوهلة الأولى نفرتُ من أداء الداعية الشيك عمرو خالد، كان ذلك منذ سنين طويلة، من خلال لقطات شاهدتها له هنا وهناك أحسست أن تركيبته في مجملها تستفز مشاعر سلبية بداخلي وتقول لي إن هذا الرجل ليس كما يريد أن يبدو، نبرة صوته، مبالغته في الأداء، إصراره على التباكي -الذي سمعت بعد ذلك أنهم استخرجوا له دليلًا من السنة النبوية(!)-، الشكل النهائي لوجهه بتأثير اختياره لقصة الشعر وطريقة ترتيب اللحية والشارب.. إلخ.

الخلاصة، نفرت منه – كما أنفر عادة من كل مبالِغ في أدائه-، يحضرني كمثال هاني شاكر في أغنياته الأخيرة بعد أن تحول إلى شحاذ يتسول الحب بوردة، وهو في الواقع يتسول نجاحًا بلون نجحت منه أغنية كان فيها صادقًا، يحضرني كذلك الدكتور عطية الذي يحمل دائمًا وردة ويتحدث بطريقة لا تليق، هي ليست مشكلة مع حُب الزهور ولكنها مشكلة مع عشق الظهور الذي يدفع الناس إلى الادعاء والمبالغة.

بعد مرور فترة طويلة، اكتشفتُ أنني لم أمنح نفسي فرصة الاستماع إلى هذا الرجل -أعني عمرو خالد- لكي أقف على الأقل على أسباب موضوعية تبرر هذا النفور الذي ربما يقف عند حدود المظهر والأداء الخارجي، لم أكن أطيق الاستماع إليه عشر دقائق متصلة، خاصة حين يرتدي عدة الشغل وينهمك في إلحاق القصص ببعضها لصنع الحالة التي يريد من خلالها التأثير في الشباب وبسطاء الناس.

قررت أن أمنح نفسي فرصة لكي أكون موضوعيًا، فاستهديت بالله وجلست لأستمع لحلقة كاملة من حلقاته. كان الرجل يتحدث عن "الطاعة"، تخيلوها من فضلكم منطوقة بنبرة صوته وأدائه الخاص.

لا بأس فلنر ما الذي يريد داعيتنا أن يتعلمه الناس حول الطاعة.

راح الرجل يُجهد حلقومه في بيان معنى الطاعة وأثرها العظيم في استقرار المجتمعات، ويبين أهميتها وحكمتها وحكمها وغير ذلك من أمور، ثم انتقل إلى سرد ما جهزه من قصص الرسول وصحابته لكي يعزز بها ما "فرشه" من أفكار في البداية.

وقع اختيار الرجل على "علي بن أبي طالب" وهو اختيار شديد الحساسية، ليس من وجهة نظر الدين فحسب، بل من وجهة نظر الأدب والبلاغة والحكمة والحساسية الإنسانية التي يمثلها هذا الصحابي الجليل خاصة لدى محبي الأدب والبلاغة.

فما القصة التي كان بطلها رجل بعقل علي بن أبي طالب؟

قال عمرو خالد وهو يستدعي طبقة السوبرانو في صوته إنه خلال واحدة من غزوات الرسول، أراد أن يرسل بعثة استكشافية تستطلع أمر العدو، فاختار لذلك علي بن أبي طالب ورجلين معه، وطلب منه أن يذهب ويعود محملًا بالأخبار، وأكد عليه "ولا تولّينّهم ظهرك أبدًا".

حتى الآن يبدو الأمر منطقيًا، ويمكن تخليصه من كل خلفياته العقائدية وغيرها ليصبح الحديث عن قائد في حالة حرب يختار من بين رجاله من يراه الأكفأ لتنفيذ مهمة.

يقف عمرو خالد عند وصية الرسول لعلي: ولا تولّينّهم ظهرك أبدًا، ينغّمها ويلوّنها بصوته، قبل أن ينتقل إلى الفقرة التالية من القصة، وهي الفقرة التي يستهلها ببيان طبيعة الجو في ذلك الزمن من حرارة ورمال أو رطوبة..، وحالة الجهد والتعب التي كان يعانيها المحاربون.. إلى آخر ذلك من مشهّيات لها هدفها الذي سيتضح بعد ذلك. فماذا حدث؟

ما حدث أن علي بن أبي طالب، بعد أن قطع مسافة طويلة في عمق الصحراء – وقد عرفنا كيف كانت الأجواء صعبة!- تذكّر رضي الله عنه أنه نسي أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا، ودون هذا الشيء فإن المهمة لن تكتمل أو ستنعدم فائدتها.

فماذا يفعل بابُ مدينة العلم علي بن أبي طالب في هذه الحالة؟ هكذا جلجل عمرو بالسؤال في طبقة السوبرانو وهو يستدعي ذرات الفضول المتناثرة في دماء الشباب وبسطاء المشاهدين، ماذا يفعل عليّ وقد أوصاه الرسول بأن لا يولّينّهم ظهره أبدًا؟ كيف يعودُ إلى الرسول من دون أن يشقَ عصا الطاعة في هذه الوصية (..).

صحيح ماذا يفعل؟ يخبرنا عمرو خالد في أداء تمثيلي بارع أن علي بن أبي طالب، أستاذ البلاغة أعلم العرب بالفَرق بين مجاز الكلام ومعناه، لم يجد حلًا لورطته سوى أن يعود المسافة الطويلة التي قطعها في الصحراء باتجاه العدو ممتطيًا ظهر جواده بالمقلوب (..)، أو كما راح الدكتور عمرو خالد يُصوصوها بصوته في انفعال بالغ “بضهره.. بضهره يا جماعة، بضهره شوفوا الطاعة يا إخوانا!”.

كل محاولة عاقلة لتحليل هذه القصة -التي أشك أن يكون نسبها إلى علي بن أبي طالب صحيحًا- تشبه السير في حقل ألغام، فهؤلاء الذين يخلطون بين الأشخاص والأفكار لن يُمهلوا أنفسهم فرصة التفكير في "الفعل" لقياس مدى معقوليته بصفة عامة، فطالما اقترن بالشخص الذي لا يقبلون فيه كلمة، فسوف يستكثرون عليك أو على غيرك أن يراجع فعلًا قام به أو نُسب إليه، لأنه بلا شك يتضمن حكمته حتى لو تجلّت لك أو لغيرك عدم معقوليته وغرائبيته، ثمة حكمة تخفى علينا دائمًا عندما يكون الفاعل في أذهان محبيه أكبر وأعلى من أن يقوم بما يمكن لأمثالنا مراجعته!

فإذا خلصت من هذا الفريق، وقعت بين يدي فريق آخر لا "عقل ناقد” لديهم، إنما فقط "عقل لاقط" مستعد للتعاطف والتعامل وتبنّي كل خطاب ملوّن يجيده شخص تفرغ لتجويد أدائه وحبك خلطته وتشبيعها ببهارات سمع بصرية تاريخية دينية.

وإذا خلصت من أولئك وهؤلاء، وقعت في أيدي من لا يستطيعون فهم أن هذه القصة لا تحث أبدًا على مكارم الأخلاق، إنما تدعو إلى تغييب العقل وتسليم القياد وتقديس الخطوات والمظاهر مهما بدت غريبة وشاذة ومنفصلة عن النتائج والأهداف المرغوبة.

ما يفعله عمرو خالد -ومَن على شاكلته من دعاة القصص والسير الدينية- هو فرضٌ لنمط فكري مُغلق تذوب فيه الفواصل بين الأخلاق والدين والأشخاص، وهي الخلطة السحرية المثلى لتفريخ التعصّب الأعمى الذي يمكن تعريفه بأبسط كلمات بأنه الحالة التي لا يستطيع معها الإنسان التفرقة بين هذه المكونات الثلاثة بالتحديد: الأخلاق والدين الذي ينتمي إليه والأشخاص الذين يمثلون هذه الأخلاق وهذا الدين، شخص مصمت غير قابل للتواصل، كل نقاش معه في الأخلاق يستدعي حميّته الدينية، وكل تساؤل عن الأشخاص يستدعي حميّته للنموذج كله، ليظل النموذج مغلقًا.

هل يظنون أنهم بذلك يحمون الشباب؟ إنهم يجردونهم من وجودهم، إنها دعوة للتعصب الأعمى وإن تسترت بكافة أشكال التسامح والتواضع. إنها عملية قتل عمد للعقل الناقد في التكوين الثقافي للشباب، وهو -بالفعل- يلفظ أنفاسه الأخيرة في المجتمع المصري منذ عقود، وكنا نأمل أن تستعيده ثورة الوعي التي انطلقت في الخامس والعشرين من يناير.

ولكنني شخصيًا قد تنازلت عن هذا الأمل بعد أن قرأت هذا الخبر على صفحات الجرائد المصرية “بدأ الموقع الرسمي لوزارة التربية والتعليم نشر عدد من الدروس الصوتية للداعية الإسلامي، عمرو خالد في إطار حملة ‘أخلاقنا’، التي تهدف لإعادة الأخلاق للشباب والشارع المصري بمشاركة وزارات الشباب والرياضة، والدكتور على جمعة”.

وبلغ سلامي لتجديد الخطاب وخطاب التجديد.

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

14