عمر أميرلاي الذي واجه الطوفان فمات مقهورا

الأحد 2015/05/03
عمر أميرلاي مثقف وسينمائي اكتشف بعدسته حاجة سوريا إلى ثورة

لو انتظر شهراً آخر لرأى السوريين يندهون للحرية والكرامة التي حَلُم بها مثلهم تماماً، ولكان شاهد الشباب ينتفض قبل أن يُغمض عينيه، لكن قلبه فيما يبدو تعب من الانتظار أو ربما أتى الموت سريعاً ليمنعه من رؤية الجلاد يدمّر البلد. رحل مبكّراً قبل انطلاقة ثورة السوريين بشهر واحد، فلم تتكحل عيناه برؤية أبناء بلده يخرجون من تحت النير.

عمر أميرلاي، المخرج السوري المبدع، الراحل مبكراً، السينمائي الذي لم يركع لسلطة ولا لمال، صاحب الأحلام الكبيرة، والمدافع عن الحرية والعدالة والساعي لها، أحد رواد السينما التسجيلية في العالم العربي، هامَ في أكثر من بلد بحثاً عن كل ما يساعد شعبه على الرفض والنقد والانتفاض ضد واقعه الأليم.

انتفاضة باريس 68

شغّل كاميراته أول مرة في انتفاضة الطلبة في باريس عام 1968، ومنذ ذاك اليوم ألهمته الثورات وسحرته، عاش مع هموم الناس وشعر بآلامهم، وضع يده على الجرح وشَخّصَ الأسباب وتوصّل إلى نتائج.. لا بد من ثورة، ثورة تطيح بالدكتاتور وحاشيته وحاشية حاشيته.

منعت السلطات السورية عرض معظم أفلامه حتى في إطار مهرجان دمشق السينمائي الدولي، ومنعته في بعض الأحيان من مغادرة سوريا لأسباب سياسية، لتثبيت موقف بأنها لم ولن ترضى عمّا كان يقوم به.

وُلد في دمشق عام 1944 في أسرة لها أصول شركسية وتركية وعربية، رسم الكاريكاتير في صحف سورية ولبنانية قبل أن يدخل كلية الفنون الجميلة، التي تركها مغادراً إلى باريس لدراسة السينما، ولم يحالفه الحظ في إكمال تحصيله الأكاديمي بسبب انتفاضة الطلبة بباريس عام 1968، فعاد إلى وطنه ليدخل عالم السينما التسجيلية كمخرج له بصمة مميزة، وبعد أن رأى جنون الجلاد وخبر قسوته، عاد إلى باريس من جديد عام 1980 وبقي فيها حتى أواخر حياته.

العدو الحميم

رغم إقامته في باريس إلا أن موضوعات أفلامه بقيت عربية، ففيلمه “مصائب قوم” عن الحرب الأهلية اللبنانية، و”الحب الموؤود” عن المرأة العربية، و”العدو الحميم” عن المهاجرين العرب في فرنسا، و”هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يقولها المرء” عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ظلّ أميرلاي طوال أربعين عاماً وفياً للفيلم التسجيلي، وصنع منها نحو عشرين فيلماً، عن المجتمع وأناسه، وعن القادة السياسيين والشخصيات الثقافية البارزة، وساهم في تأسيس لغة سينمائية تسجيلية فريدة، مختلفة عن غالبية المخرجين السوريين خريجي المدارس السينمائية السوفياتية والأوروبية الشرقية.

رأى أميرلاي المستقبل بعدسة كاميراته، وأحياناً كثيرة رآه بعينه المجردة، بفكره وتحليله، عرف الماضي وقرأ الحاضر فاستنتج أيّ مستقبل ينتظر السوريين، ابتعد عن الدعاية والإعلام، كما ابتعد عن الادعاء والكلام، والتفت إلى العمل، نبّه الناس إلى مصيرهم وأيقظ من نام منهم ولم يأبه بالخطوط الحمراء التي عرفها كثيرون غيره طوال عقود.

حمل أميرلاي أحلاماً كبيرة، ومارس فناً حقيقياً، وأنتج أعمالاً مميزة، كان متذوقاً للفن، متيّماً بكل جميل، وفي نفس الوقت كان جريئاً على المستوى الاجتماعي والفكري والسياسي، فقد آمن بأن وطنه يستحق، وأن شعبه مظلوم ويستحق هو الآخر، وتيقّن أن الاستقلال الحقيقي ستحصل عليه سوريا عند رحيل النظام.

فيلم "طوفان في بلاد البعث" يعالج قضية غمر بحيرة سد الفرات لعشرات القرى، وهو الأمر الذي دفع بعائلات وبقرى بأكملها إلى الرحيل إلى المجهول، طوفان أغرق ذكريات الناس وذكريات طفولتهم، انتقد أميرلاي من خلال هذه المأساة حرية واشتراكية السلطة، والتجهيل الممنهج للمجتمع، والفقر القسري

عمل على تفكيك المجتمع والسلطة، شَرّحَ بأعماله الثورة الاشتراكية العربية، القائد الرمز قاهر الإمبريالية، الحزب قائد الدولة والمجتمع، الاستقلال الأول المنقوص وضرورة الاستقلال الثاني، الخوف من المستقبل ومن رجل الأمن ومن جدران السجون، الخوف من التخلف والموت، حاول تصحيح القيم المقلوبة، لكن الواقع كان أقوى منه.

يقول المخرج السوري أسامة محمد في بعض ذكرياته عن أميرلاي “إنه رجل مبدع، عاش تحت قمع النظام الأسدي، فمات قهراً”.

بدايات مشاكسة

في فيلم “الحياة اليومية في قرية سورية ـ 1974″ كان أميرلاي مخرجاً وسعدالله ونّوس شريكاً بالإعداد، عن قرية نائية منسيّة في الجزيرة السورية بعد 11 عاماً على ثورة البعث، وكيف غزاها النظام بعنصرين، التعليم والجيش، وهما سلاح النظام للسيطرة على الكل، التعليم لتدميره والجيش لتضخيمه، وتناول موضوع تنشئة الأجيال، وكيف يصنع منهم النظام أجيالاً مؤدلجة سياسياً بدلاً من أن يصنع منهم رجالاً أقوياء.

غاص الشريكان في أسباب تخلّف وإهمال تلك القرية البعيدة، وهما يقصدان تخلّف سوريا في الحقيقة، سوريا التي حُكِمت بالبعث، أو بالأحرى حُكِمت ببدايات مشروع النظام السوري التخريبي الذي استغلّ البعث ليهيمن على كل شيء، أساء التطبيق والممارسة ليضمن خلوداً للدكتاتور، فوضع أقنعة وتحدّث عن التحرير والنضال والمقاومة ليعتلي السلطة وفي الحقيقة كان يقوم في السر بتحويل سوريا إلى أرض جفاف وفقر.

فيلم “الدجاج ـ 1977″ من أول أفلامه، وهو فيلم يتمتع بقيمة فنية عالية على الرغم من أنه بالأبيض والأسود، ويعتمد على الصورة أكثر من الحوار، رصد من خلاله التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على إحدى القرى السورية القديمة المذكورة بالتوراة، وتحوّلها حديثاً إلى قرية جرداء شبه مهجورة، فجفاف مياهها حوّل فلاحيها إلى أصحاب مداجن حديثة، لكنهم خسروا كل شيء بسبب عدم حماية القوانين لهم من البضائع المستوردة، وانتهى بأن أغلق عليهم باب حديد ضخم لمدجنة فارغة وكأنهم باتوا هم بذاتهم بضاعة للتدجين.

شارك في صناعة فيلم “ابن العم” عن المعارض السوري البارز رياض الترك الذي قضى أكثر من 17 عاماً في الحبس الانفرادي كسجين سياسي أثناء فترة حكم حافظ الأسد، وله فيلم “هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدّث عنها المرء” اعتمد فيه على مقابلة مطوّلة مع المسرحي السوري سعدالله ونوس وهو في أوج صراعه مع مرض السرطان، كما له فيلم “الرجل ذو النعل الذهبي” عن رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وعرضت أفلامه في بعض أهم المهرجانات المختصة بالسينما التسجيلية في العالم.

أميرلاي الشاب يشغل كاميراته أول مرة في انتفاضة الطلبة بباريس عام 1968، ومنذ ذاك اليوم أخذت الثورات تلهمه وتسحره، عاش مع هموم الناس وشعر بآلامهم، ووضع يده على الجرح وشخص الأسباب وتوصل إلى نتائج

الطوفان

فيلمه “طوفان في بلاد البعث” مبني على مادة تسجيلية نادرة وفريدة، عن الوضع الاجتماعي والنفسي والروحي للإنسان السوري البسيط زمن البعث، يكشف فيه حقيقة النظام السوري وخباياه.

عالج قضية غمر سد الفرات لعشرات القرى، وهو الأمر الذي دفع بعائلات وبقرى بأكملها إلى الرحيل إلى المجهول، طوفان أغرق ذكريات الناس وذكريات طفولتهم، وانتقد من خلال هذه المأساة حرية واشتراكية السلطة، والتجهيل الممنهج للمجتمع، والفقر القسري.

في فيلمه الذي كان من المفترض أن يكون عنوانه “خمسة عشر سبباً لكرهي حزب البعث” غاص أميرلاي بأعماق عقل الاستبداد وآلياته، يسخر بشكل ذكي من حزب البعث وقائده الذي رحل ووريثه الذي يُدمّر سوريا الآن، وما هي بحنكة بين المدرسة والسجن، سجن الأيديولوجيا الشمولية والمنطلقات النظرية، حيث يتعلم الأولاد كيف يفقدون حرية اختيارهم بـ”طلائع البعث” ويؤلهون الحاكم المطلق الذي لا يُخطئ.

وعن موضوعاته بين فيلمي “الدجاج” و”الطوفان” قال “إنها مسيرة ربع قرن من الانزلاق التدريجي والحثيث لسوريا نحو العبث وحافة اليأس، إنها ثبات صورة عائلية شاحبة لـ18 مليون إنسان تخشبت أبصارهم أمام عدسة المجهول، طبيعة صامتة لجرود قاحلة تغرّد فيها، من حين إلى آخر، طيور برية رائعة، والنتيجة، بلد مُعذّب مُتعب، هدّه الصبر والأمل بفرج قريب”.

خاض معارك شرسة للدفاع عن استقلالية السينمائيين السوريين عن السلطة، وقبل الثورة السورية أيّد الثورة الفلسطينية، وبعدها أيّد خروج الجيش السوري من لبنان ووقّع على إعلان دمشق ـ بيروت، وكان له دور بارز في ربيع دمشق عام 2000، وأيّد الثورات العربية وشدد على حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الدكتاتوريات، واستُدعي مرات للفروع الأمنية للاستفسار عن مواقف اتّخذها أو أعمال قام بها.

بعد عام 2003 لم ينجز أيّ فيلم، ربما بسبب التضييق الأمني، أو ربما بسبب الإحباط، فكأيّ مبدع كان يحتاج إلى مناخ سياسي حر ليتابع إبداعه، خاصة وأنه كان يرفض أن يرضخ لأيّ سلطة أو شروط تمويلية لا تتماشى مع مبادئه، كان يريدها سينما سورية وطنية، لا تخضع لمزاج رقيب صغير أو رجل أمن تافه.

تفكيك المجتمع والسلطة، يعتبر أكثرما شغل ذهن أميرلاي حيث شرّح بأعماله الثورة الاشتراكية العربية والقائد الرمز قاهر الإمبريالية والحزب قائد الدولة والمجتمع وكذلك الاستقلال الأول المنقوص وضرورة الاستقلال الثاني وبالطبع الخوف من المستقبل

هجر السينما

وعن سبب هجره تصوير الواقع السوري لسنين طويلة، قال أميرلاي “لا شك أن للرادع الأمني الذي صار متأصلاً في لا وعي الفرد عندنا دوراً ما في هذه المسألة، لكن ثمة عاملاً آخر أظنه كان وراء ثنيي عن التحرش بهذا الواقع، وهو خشيتي ربما من أن يكشف العمل الفني صورة العجز المشين الذي نتخبط فيه جميعاً، مثقفين وفنانين ومعارضين سوريين، ويفضح استقالتنا المفجعة أمام رؤية خراب بلادنا”.

حمل أميرلاي روحاً ثورية، لكنها مسالمة، وكان يؤمن بأن على السوريين الانتفاض والثورة لتغيير الواقع والنظام سلمياً وتدريجياً، وأن عليهم العمل والمطالبة بالمزيد من الحريات وإنهاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وصياغة دستور عصري وإطلاق حرية عمل الأحزاب وإنهاء فساد السلطة وشخوصها ومؤسساتها، وإعادة الاعتبار إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية وتمكين القضاء، وكان هذا برأيه كفيلا بضمان تداول السلطة، ولم يحاول قط إثارة أيّ نعرة من أيّ نوع.

انتقد اميرلاي المعارضة السورية بعد أن اكتشف نقاط ضعفها، وقال بهذا الصدد “لقد نجحت السلطة إلى حد كبير في أن تُنتج معارضة على شاكلتها، معارضة كلامية خطابية، وفي بعض الحالات غوغائية، همها (مناقرة) السلطة فقط، على اعتبار أن المجتمع ورقة مضمونة في جيبها، وهذه حقيقة سقطنا جميعاً في فخها، منذ وجد شيء اسمه معارضة في سوريا البعث”.

ولا يستثني في هذا السياق الثقافة ولا الفن المعارضين، فقد قال “ما زلت أذكر كيف أن أكثر ما كان يثيرنا في عملية صنع الفيلم، لعبة التحايل على السلطة ورقابتها التي كنا نلجأ إليها لإمرار غمزنا النقدي، السياسي والاجتماعي لها، غير عابئين إن كانت شطارتنا هذه سوف تعني شيئاً للجمهور أم لا، فكيف تريدنا اليوم أن نكون محصّنين من النظرة الأحادية للأشياء والقطيعة بيننا وبين الناس على هذا القدر من الجفاء؟”.

في واحدة من آخر رسائله التي استقرأ فيها واقع سوريا قال “إن الإحباط واليأس اللذين وصل إليهما الواقع السوري اليوم، وانعدام البدائل والخيارات المتاحة أمامه، تقودني لأن أكون أكثر تشاؤماً بالمستقبل من أيّ وقت مضى”.

حذّر أميرلاي السوريين من الطوفان الأكبر الذي ينتظرهم في ظل سلطة شمولية، طوفان يُغرق سوريا بالدم كما أغرقها بالمياه قبل عقود، وحرّض على التغيير السلمي، التغيير الذي يبدأ باكتشاف الواقع وإعمال العقل والعمل من خلال التطلع للمستقبل الأفضل الذي يستحقه السوريون، وربما لحسن حظّه أنه لم ير كيف دمّر النظام سوريا برمتها من أجل الاحتفاظ بالسلطة ورفض فكرة التغيير السلمي، وقبل وفاته قال إنه يعيش في بلد “تسير بشكل ثابت نحو زوالها بعد أن خانها حكّامها وهجرها عقلاؤها وتخلى عنها مثقفوها”.

9