عمر البشير ينحرف ببلاده عن إقليمها ويتحصن بملالي إيران

السبت 2013/08/17
قوة بحرية إيرانية ترسو في السودان

لندن- بينما كان يحلّق في السماء في طريقه إلى إيران، فوجئ طاقم الرئيس السوداني عمر البشير بمنعه من عبور المجال الجوي السعودي في اتجاه العاصمة الإيرانية طهران.

كان البشير متوجها لحضور مراسم أداء الرئيس الإيراني حسن روحاني القسم أمام مجلس الشورى. لكن الرئيس السوداني.

بهدوء ودون تضخيم للأمر أصدرت السلطات السعودية بيانا فسّرت فيه سبب منعها عبور الطائرة السودانية. وبناء على تقرير الهيئة العامة للطيران المدني السعودي فإن منع عبور الطائرة الخاصة التي تقل الرئيس السوداني عمر البشير المجال الجوي السعودي في طريقها إلى طهران، يعود إلى أسباب تتعلق بأنظمة الطيران المحلية والدولية وبالبروتوكولات الدبلوماسية، فالرحلة لم تحصل على تصريح العبور المطلوب نظاميا ولم يتم إعلام السلطات السعودية المختصة بشأن هذه الرحلة.

كان لهذه الحادثة أن تمرّ مرور الكرام لولا التقارير الإعلامية التي سرعان ما توالت لتقحم هذه الحادثة العرضية غير القانونية في أتون الصراع السياسي الدائر في المنطقة في الوقت الراهن. ولتربط بين العلاقات الإيرانية السودانية من جهة والعلاقات السودانية السعودية من جهة ثانية والعلاقات السعودية الإيرانية من جهة ثالثة.

عمر حسن البشير والتقارب القريب البعيد مع ايران

الخلاف والتوتر بين المملكة العربية وإيران يعدّ خلافا تقليديا زاد من حدّته تدخّل إيران في شؤون عديد الدول في المنطقة وتجاوزها لبعض الخطوط الحمر الدبلوماسية خصوصا في علاقاتها الاستراتيجية مع بعض دول الخليج، على غرار دورها في تأليب الشيعة وتحريضهم لتهديد استقرار البحرين وأيضا الاستفزازات التي تقوم بها فيما يخص ملف الجزر الإماراتية الثلاث. في المقابل تم تسليط الضوء على العلاقة بين السودان وإيران على إثر قصف إسرائيل لمجمع اليرموك للصناعات العسكرية في الخرطوم في 23 أكتوبر- تشرين الأول الماضي، حين أشارت تقارير إعلامية إلى أن المجمع كان يحتوي على أسلحة إيرانية.


العلاقات بين السودان وإيران


يشير المحلل دانيال واغنر في تقرير حول تبعات التحالف المتنامي بين السودان وإيران إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة الجارية في الشرق الأوسط وأفريقيا أعطت الزخم للشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين إيران والسودان. وما يدفع إلى هذا التحالف بالأساس هو الرغبة في إضعاف القوة الإسرائيلية ومن ثم الأميركية على امتداد شرق أفريقيا. وتتمثل بعض الأهداف الأخرى في صراع السودان ضد بعض القوى الأخرى التي تشكل تهديدات وجودية لنظام الخرطوم ومصلحة إيران في إنشاء ممر أسلحة بديل إلى غزة ولبنان، خاصة وأن سوريا من المتوقع أن تبقى مضطربة على المدى القريب إلى المدى المتوسط. بيد أن بعض الحلفاء العرب التقليديين للسودان يعارضون بشدة مزيد التطور للشراكة الإيرانية السودانية. وعلينا الانتظار لكي نرى مدى قدرة الخرطوم على توطيد علاقاتها مع طهران بالتوازي مع المحافظة على تحالفها مع العربية السعودية ودول أخرى في المنطقة.

عندما صعد الرئيس عمر البشير وحسن الترابي إلى الحكم بواسطة انقلاب سنة 1989 الذي أرسى دولة إسلامية في السودان، كانت إحدى المبادرات الأولى للنظام الجديد هي تكوين حلف مع إيران التي ألهمت ثورتها قبل عقد من الزمن الإسلاميين السودانيين. وبعد خمسة أشهر من الانقلاب أدى البشير زيارة لإيران وأمضت وكالات الاستخبارات بالبلدين اتفاقيات تعاون. وفي سنة 1991 زار الرئيس الإيراني رفسنجاني السودان ووعد بتقديم 17 مليون دولار كمساعدات مالية إلى جانب أسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار ومليون طن من البترول في السنة. فضلا عن ذلك يقال إن إيران أرسلت ألفي عنصر من الحرس الثوري الإيراني لتدريب قوات الدفاع الشعبية السودانية أثناء الحرب الأهلية السودانية الثانية. وفي السنة نفسها استضافت الخرطوم المؤتمر العربي الإسلامي سيئ الذكر الذي جمع بين أسامة بن لادن و»أبو نضال» وكارلوس الثعلب وأعضاء من الجماعة الإسلامية وحماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني .

وعلى مر السنوات حافظت كل من إيران والسودان على درجات متفاوتة من الدعم للكيانات التي ليست لها صفة الدولة بما في ذلك حزب الله وحماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. وفي سنة 2008 أمضى البلدان رسميا على اتفاقية تعاون عسكري، وفي شهر مايو – أيار الماضي تعزز مجال ونسق تشييد القواعد البحرية واللوجستية الإيرانية في بورت سودان بشكل ملحوظ. وباختصار قامت الدولتان في العقدين الأخيرين بتعميق علاقاتهما السياسية.

أول رئيس يمارس مهامه بعد صدور مذكرة اعتقال بحقه
صدرت بحق الرئيس السوداني عمر البشير، الذي تولى السلطة في بلاده عام 1989، مذكرة دولية باعتقاله من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك يعد البشير أول رئيس دولة يمارس مهام منصبه تصدر بحقه مذكرة اعتقال.

وشهدت السودان (أكبر بلد أفريقي)، صراعات وأزمات في الجنوب وفي إقليم دارفور غربي السودان.

ولد الرئيس السوداني عمر البشير (65 عاما) في العام 1944 في قرية حوش بانقا التي تبعد نحو 150 كلم شمال الخرطوم وكان منذ شبابه يفضل الالتحاق بالجيش، وقد ارتقى بسرعة في المراتب العسكرية وشارك إلى جانب الجيش المصري في الحرب الإسرائيلية العربية في العام 1973.

وتولى قيادة اللواء الثامن في الجيش بالجنوب في الحرب الأهلية التي اندلعت في 1983 بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان.

وفي 30 يونيو 1989، أطاح العميد البشير ومجموعة من الضباط بالحكومة برئاسة الصادق المهدي في انقلاب عسكري دعمته الجبهة الإسلامية الوطنية بقيادة حسن الترابي. ويبلغ عدد سكان السودان نحو 40 مليون نسمة موزعين على عدد من القبائل المتنوعة، بينما يشكل المسلمون غالبية سكانه في الشمال والمسيحيون والاحيائيون في الجنوب.

وقد وقعت حكومة البشير اتفاق سلام مع المتمردين في جنوب السودان يمهد لتقاسم السلطة ولإجراء استفتاء في 2011 حول استقلال الجنوب حيث يتركز الاحتياطي النفطي للبلاد.

وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية اليوم مذكرة دولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، على خلفية اتهامه من قبل مدعي المحكمة لويس مورينو أوكامبو بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور بغربي السودان، وأسقطت المحكمة تهمة الإبادة الجماعية. وتعتبر هذه المذكرة هي الأولى التي تصدرها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس دولة يمارس مهامه منذ تأسيسها في العام 2002 في لاهاي.

ويشتمل التحالف المتنامي بين إيران والسودان على محاولات من قبل الجانبين لتحقيق أهداف عددية، من بينها استهداف مصالح أميركا وإسرائيل في أفريقيا وكفاح السودان ضد القوى الأخرى التي تشكل تهديدات وجودية لنظام الخرطوم ومصلحة إيران في إنشاء ممر أسلحة بديل لغزة ولبنان، لاسيما وأن سوريا من المرجح أن تستمر في حالة من عدم الاستقرار على المدى القريب إلى المتوسط، وفي الأثناء أصبح السودان مكانا جذابا لعديد المجموعات والأفراد الجهادية المتطرفة


الحرب بالوكالة في أفريقيا


يسلّط دانيال واغنر في تقريره، الصادر عن صحيفة «هافنجتون بوست» الأميركية، الضوء على العلاقة بين إسرائيل والسعودية حيث أصبح السودان امتدادا لحرب إيران بالوكالة ضد إسرائيل التي كانت لها علاقة عدائية مع السودان على امتداد فترة طويلة من الزمن. في سنة 2012 قصفت إسرائيل السودان للمرة الرابعة منذ سنة 2009 مستهدفة مصنع اليرموك قرب الخرطوم. وربما كان الدافع إلى استهداف السودان هو معاقبتها على السماح لإيران باستعمال الأراضي السودانية كنقطة شحن أسلحة إلى غزة ولبنان عبر البحر الأحمر وسيناء بالإضافة إلى دعم الخرطوم المزعوم لحماس ومجموعات مقاتلة فلسطينية أخرى.

الرهان السوداني

نظرا إلى أن قرابة ثلاثة أرباع الصادرات السودانية تذهب إلى دول مجلس التعاون الخليجي فإن الخرطوم مرتبطة اقتصاديا بدول ترى توسع موطئ قدم إيران في شرق أفريقيا عقبة استراتيجية مهمة. والحال أن المملكة العربية السعودية وإيران تخوضان حربا بالوكالة في اليمن، فتركيز حضور عسكري إيراني في البحر الأحمر أمر مقلق من وجهة النظر السعودية.

وتعالت أصوات من المعارضة السودانية تنتقد تعاون بلادها مع إيران على أساس أنها تهدد مصالح السودان الاقتصادية مع دول الخليج وتقوض إمكانية أي تقارب محتمل مع الولايات المتحدة.

وفي ردّها على منع عبور طائرة الرئيس السوداني أصدرت حركة العدل والمساواة السودانية بيانا أشادت فيه بهذه الخطوة، مشيرة إلى أن دول الخليج تمثل عمقا استراتيجيا في السودان. وقد ساهمت بفاعلية في مساعدة السودان في الخروج من أزماته لكن النظام أبى إلا أن يصطف إلى محور الملالي الإيراني الذي يمثل خطرا على مصالح دول المنطقة».

أما من وجهة نظر عمر الشير فتتقلص الأخطار الوشيكة التي تهدد بقاء نظامه بفضل الشراكة المتنامية مع إيران. وبالنظر إلى حاجة إيران الملحة إلى توسيع موطئ قدمها في شرق أفريقيا نظرا لما تتعرض له من ضغوط بالإضافة إلى التوتر القائم بين السودان وجنوب السودان فإن إيران والسودان على ما يبدو ينظران إلى بعضهما البعض كشريكين استراتيجيين لا غناء عنهما على المدى البعيد.

7