عمر الجيش العراقي 82 سنة فقط وما بعد ذلك جيش آخر

الثلاثاء 2015/01/13
بول بريمر وضع أسس جيش عراقي طائفي زاد من ضعفه انتشار الفساد

احتفل العراقيون يوم 6 يناير بالذكرى الـ"94" لتأسيس الجيش الوطني العراقي، الذي تشكل عام 1921 من القرن الماضي، وطرأت عليه تغييرات جذرية إبان الاحتلال الأميركي؛ وهو اليوم يخوض حربا مصيرية على جبهات مختلفة، ليستعيد وطنيّته ووحدته، وليستعيد ثلث مساحة بلاده من تنظيم الدولة الإسلامية.

هل يمكن تأسيس جيش وطني حقيقي تحت ظل الاحتلال؟ سؤال قد تبدو الإجابة المباشرة عنه بالنفي، لكن بالعودة إلى 6 يناير 1921 يتأكد أن ذلك ممكن، لأن العراق، حينها، كان فعليا تحت الانتداب البريطاني.

السؤال الآخر في مقدمة حديثنا: هل الجيش الحالي في العراق هو جيش وطني حقيقي؟ هنا تكمن الإشكالية، لأن من يقضي من منتسبيه هم أبناء العراق وشبابه، كما كان دائما، إلا أن المفارقة الدامية، هي في تفتيت الوطن لا الجيش.


كم عمر الجيش العراقي؟


مع دخول القوات الأميركية والتحالف الدولي للعراق، في 9 أبريل 2003، أصدر الحاكم المدني للعراق (بول بريمر) قراره بحل الجيش؛ فانتهت بذلك مرحلة الجيش الوطني العراقي الذي تؤكّد الوقائع التاريخية أن تأسس من خلال تشكيل فوج موسى الكاظم. وقد جاء ذلك بعد ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني وإثر تشكيل أول حكومة عراقية برئاسة عبدالرحمن الكيلاني، نقيب أشراف بغداد. وتشكّل الفوج من خيالة خان الكابولي في الكاظمية في 9 مارس 1922؛ وانتقل الجيش بعد ذلك إلى مدينة الحلّة حيث كانت بداية توسعه، إلى أن تمّ حله على يد الاحتلال الأميركي. إذن، فعُمر الجيش العراقي الفعلي، وليس الافتراضي، هو 82 عاما فقط، وختم بالشمع الأحمر في 2003.


من هم المؤسسون؟


ماذا قبل 1921؟ الجواب على هذا التساؤل نجده في البحث بين صفحات بيبليوغرافيا الشخصيات العسكرية العراقية والضباط الذين درسوا في الأستانة وكانوا ضمن الجيش العثماني.

وهؤلاء هم الذين أسسوا نواة جيش بُني على العلم والخبرة والدراسة والرغبة في التحرر من المستعمر الأجنبي، وتجلى ذلك في رفض استمرار القواعد العسكرية البريطانية، فيما بعد، وتفجر ثورة مايس في أبريل 1941؛ وما بعدها من نتائج معروف مثل إعدام الثوار وفرار قائدهم رشيد عالي الكيلاني.

مع بداية مايو 1948 دخلت جيوش الممالك العربية: العراق ومصر والأردن وسوريا، دخلت في حربها ضد الميليشيات المسلحة الصهيونية في فلسطين إثر إعلان بريطانيا إنهاء انتدابها. ورافق ذلك إصدار الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية. وكانت نقطة اندلاع الحرب الواسعة الأولى في مواجهة الخطر المتفاقم في المنطقة وأصبح تاليا قضيتها المركزية.

تلك الحرب، ورغم ما رافقها من مكائد ومحاولات لهزيمة العرب، أنتجت جيلا من الضباط الأحرار الذين قادوا بلدانهم بعد ثورات فجّروها ومازال تأثيرها قائما في وطننا العربي، وللعراقيين مقبرة في مدينة جنين الفلسطينية تؤرخ لتضحيات الجيش العراقي في مواجهة التقسيم بإسهام فوجين للمشاة وفوج مشاة آلي و36 دبابة وكتيبة مدفعية وبطارية مدفعية مضادة لسلاح الجو، وكانت هذه القوات كلها تحت إمرة قائد عسكري عراقي هو محمد الزبيدي.

المؤسسة العسكرية العراقية دفعت ثمن انتصاراتها على الجيش الإيراني خلال حرب الثماني سنوات

في حرب 1967 قاتل الجيش العراقي برفقة شقيقه الأردني، ويشهد على ذلك الصراع، حطام، معروض في المتحف العسكري العراقي، طائرة إسرائيلية مغيرة حاولت تأخير زحف القطعات العسكرية إلى الأردن أسقطها الجيش العراقي.

ورابطت القوات العراقية لمدة ليست بالقليلة وكان الجنود يذهبون إلى الأردن بعد إجازاتهم الدورية في العراق. وفي مدينة المفرق الأردنية، القريبة من الحدود السورية مقبرة، لأبطال العراق الذين ضحّوا بأرواحهم دفاعا عن أمّتهم، وفيها ضريح الرئيس العراقي عبدالرحمن محمد عارف الذي فضل أن يثوي بين جنوده وهي الإرادة نفسها التي دفعت بشيخ العسكرية العراقية والعربية الفريق أول الركن عبدالجبار شنشل إلى أن يختارها مرقدا له، وشواهد القبور التي لاتزال قائمة إلى اليوم تعمّق مفاهيم العراق الواحد والشعب المتجانس، وتؤكد أن ما يحصل، الآن، إنما هو ثمرة تأثير الأجندات والمخططات الفاعلة في المنطقة وفي مقدمتها العراق.

ومن ذا الذي ينسى دور الطيارين العراقيين في الطلعات الجوية المبكرة على الجبهة المصرية وتحطيم خط بارليف الشهير بدفاعاته الحصينة على قناة السويس. وكذلك حركة الجيش العراقي بقطعاته ومن ضمنها دباباته التي انطلقت على سرفاتها لحماية دمشق من السقوط بأيدي القوات الإسرائيلية. والمعلومة المهمة أن القيادة، آنذاك، في حرب تشرين 1973 أجّلت الإعلان عن مشاركة القوات العراقية خشية استهدافها على الطريق المؤدي إلى سوريا.


ماهي أسباب الحرب الإيرانية العراقية؟


الأهم فيما أريد تناوله، هنا، هو القفزة النوعية المتطورة في الجيش العراقي إثر الصراع واضح المعالم بينه وبين إيران مع بداية السبعينات والتحرّش بالحدود العراقية أيام الشاه. وبالذات ما حصل باتجاه البصرة من جهة عبادان وتعرض العراق للكثير من المضايقات التي دفعت بالرئيس العراقي أحمد حسن البكر إلى توجيه خطابات شديدة اللهجة للحد من غطرسة إيران؛ ومن ثمة تطورات مسألة الحدود المائية وخط التالوك في شط العرب ومعاهدة الجزائر المعروفة ونتائجها. عزز هذا كله فكرة تطوير النهج القديم الذي اتسم بالأسلوب البريطاني في التدريب والانضباط والحركة واللوجستيات والتعليم العسكري. وحدث انفتاح كبير على العلوم العسكرية وبدأت أولى المتغيرات المهمة في ابتعاث الطلاب إلى أكثر من جهة متخصصة ومتقدمة وشملت العديد من دول العالم، وأهمها دراسة التقنيات الحديثة وعلوم الاتصال والحاسوب.

الإرادة الدولية كانت تسعى إلى إضعاف العراق وتجريده من قواه، وفي مقدمتها جيشه الذي قهر أكبر جيوش المنطقة في أطول حرب في القرن العشرين

في منتصف السبعينات من القرن الماضي تشكلت نواة الجيش العراقي الحديث وأدخل القادة حسابات الصواريخ والمسافات والتطوير ثم القفزة الأخرى هي توجهات الصناعة العسكرية كخط مرافق للصناعات الأخرى.

وبالرغم من التسليح ذي الطابع الروسي في المعدات الحربية، وأهمها الدبابات والطائرات وكذلك سلاح المشاة، كانت المفاجأة في امتناع القيادة في موسكو عن تجهيز العراق بالسلاح والعتاد بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، التي دامت ثماني سنوات. وهنا كانت الصعوبة في إدامة زخم التسليح والتجهيز. لكن العراق نجح في تجاوز ذلك والتصدي، باعتماده بالإضافة إلى دوره السياسي، لتصعيد وتيرة الاستخدام الأمثل للعقول العراقية في التصنيع العسكري وانتاج العتاد وتشكيل المزيد من الفرق العسكرية لسد احتياجات جبهة القتال على حدوده الشرقية بامتدادها الجغرافي الكبير.

كانت حرب السنوات الثماني وخروج العراق منها بانتصاره العسكري دلالتين على ميلاد جيش مقتدر في المنطقة والعالم، سيذهب بعيدا في ثقته بنفسه وقوته وإعداده ونمط مقاتليه وقادتهم الذين خرجوا بتجربة ميدانية لا مثيل لها. وكان قبول القيادة الإيرانية بقرار مجلس الأمن الدولي 598 ووقف القتال، مرغمة، سببه تدهور معنويات الجيش الإيراني.

هذا الجيش تعرض لإبادة منظمة وتم زجه مجبرا في أتون معارك غير متكافئة وضمن توقيتات وأماكن، يمكن اعتبارها فخا كبيرا أعدّ له مسبقا لتنفتح المنطقة أمام هيمنة الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.

والإجابة على أسئلة من قبيل كيف تم احتلال العراق خلال مدة قصيرة؛ تحيلنا في النهاية إلى حقيقة واحدة وهي أن الإرادة الدولية كانت تسعى إلى إضعاف العراق وتجريده من قواه، وفي مقدمتها جيشه الذي قهر أكبر جيوش المنطقة في أطول حرب في القرن العشرين. فقد أصبح هذا الجيش عبئا كبيرا على أمن إسرائيل ومستقبلها، وأيضا، على برامج واشنطن وأجنداتها ومصالحها واستراتيجياتها في المنطقة.

وهكذا اختل توازن القوى لصالح إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. ودفع الجيش العراقي ثمن انتصاره في حربه مع إيران وتهديده لأمن اسرائيل. أما لماذا انهزم جيش ما بعد الاحتلال في الموصل تلك الهزيمة النكراء؟ فلذلك حديث آخر.

7