عمر الرزاز يؤجل معركته الحتمية مع الإسلاميين

الأحد 2017/02/19
خبير في التخطيط الحضري يواجه عقول الماضويين

عمّان - يدخل الإصلاحي عمر الرزاز بكامل ما يعنيه اسمه من قوة، كرمز من رموز التطوير في الدولة الأردنية، إلى وزارة التربية والتعليم، مصنع البيروقراطية الأردنية، حاملا معاوله لتفكيك آليات صناعة الترهل الإداري، فطالما رُفعت شعارات الإصلاح في السنوات الأخيرة، لكن قلة من رافعيها أشاروا إلى أن أيّ عملية إصلاح لا يمكن أن تتم إذا لم تبدأ بإصلاح التعليم وتطويره ليواكب حاجات العصر ومستلزماته.

ظلت عملية إصلاح التعليم وتطويره محصورة ضمن أطر وسقوف محدودة، لم تتجاوز تغييرات في طرق الامتحانات وأساليب التقويم، ولم يصل التغيير في العهود السابقة إلى عمق العملية التعليمية وجوهرها أو فلسفتها، حيث ظلّت النظرة التقليدية هي المتحكّمة بالتربية، ولم تتجاوز الرغبة في تعليم الطلاب الكتابة والحساب وبعض العلوم الطبيعية، مع تركيز واضح على التربية الدينية والوطنية ضمن بيئة ورؤية محافظة، فلم تنتج هذه العملية إلا جيوشا جرارة من العاطلين من العمل.

تندرج ضمن هذه الرؤية الطريقة التي تتعامل بها معظم الدول العربية مع مسألة التعليم، بعد الاستقلال، حيث اُستسهل التعليم الديني، وأفردت له مساحات واسعة في المناهج التعليمية؛ ما مهد لنشوء ثقافة مجتمعية محافظة، كان من أعراضها الجانبية تكوّن تيار ديني متشدد في المجتمعات العربية كافة.

وعندما جاءت مرحلة العلاج، لجأت مراكز القرار، بالاستسهال السابق ذاته، إلى عملية تغيير واسعة في المناهج، أخذت طابعا اجتثاثيا للنصوص الدينية المفرودة في الكتب المدرسية، الأمر الذي عبّد الطريق لتجذر تيار متشدد يعارض هذا التغيير، فتكون القرارات المتعجلة المستسهلة قد غذّت، بطريقة أو بأخرى، ذلك التيار المتشدد مرّتين، ومنحته شرعية لم يكن يحلم بها، أمام حواضنه الاجتماعية.

يدخل عمر منيف الرزاز الوزارة ضمن هذه الأجواء، ولا شك أنه يعدّ عدّته لمواجهات واسعة مع هذا التيار، لكنّ عارفي الرزاز، عن قرب، يقولون إنه لن يدخل معركته هذه من غير العُدد والحجج التي سيقارع بها خصومه بكفاءة واقتدار، خصوصا أنه من جيل تعلّم في أعرق الجامعات، فحصل من جامعة هارفارد على شهادتي دكتوراه في التخطيط الحضري والقانون، ودرجة الماجستير في التخطيط الحضري والإقليمي من جامعة إم تي.

الاستراتيجية الوطنية

نجح الرزاز في المهمات التي أوكلت له في الإدارة الحكومية، ومع أن بعضهم يأخذ عليه أنه اقتصادي، لكن لا أحد ينكر أنه صاحب منهجية علمية، وهو خبير الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، وصاحب رؤية اقتصادية وسياسية تجنح للتنمية والتوزيع العادل للثروة.

لهذا السبب عينه، اعتقد آخرون أنه تم استبعاده من الدوائر الاقتصادية في الدولة، التي يهيمن عليها تيار ليبرالي لا يراعي الآثار والجوانب الاجتماعية للقرارات الاقتصادية القاسية. فكان المكان الأنسب له، هو وزارة التربية والتعليم، خصوصا أن الملك عبدالله الثاني يؤمن بأن الإدارة في وزارتي التربية والصحة لا بد أن تكون بعقلية التيار الديمقراطي الاجتماعي، بحيث تتم المعالجات بما يضمن وضع هاتين الوزارتين على السكة الصحيحة، ولقد سبق للملك أن قال في لقاء له مع بعض التيارات اليسارية، قبل سنوات، إنه يؤمن بتطبيق معالجات اشتراكية في قطاعي الصحة والتعليم.

تتجاوز عملية إصلاح التعليم حدود الشعارات إلى ما هو أعقد، فالتصدي لمثل هذه العملية الجبارة يتطلب إمكانات مادية هائلة، وهذا ما يزيد الأمر صعوبة، خصوصا أننا نتحدث عن عجز في الموازنة العامة، وشحّ في الموارد باتا يؤثران في مختلف القطاعات.

عمر منيف الرزاز يدخل الوزارة ضمن أجواء مشحونة. ولا شك أنه يعد عدته لمواجهات واسعة مع التيار الديني، لكن عارفي الرزاز، عن قرب، يقولون إنه لن يدخل معركته هذه من غير العدد والحجج التي سيقارع بها خصومه بكفاءة واقتدار، خصوصا أنه من جيل تعلم في أعرق الجامعات، فحصل من جامعة هارفارد على شهادتي دكتوراه في التخطيط الحضري والقانون

ومع أن الدولة الأردنية تنفق ما يعادل 5 بالمئة من ناتج الدخل القومي الإجمالي على قطاع التعليم، وهو ما يتجاوز 20 بالمئة من موزانتها السنوية، إلا أن هذه المبالغ لا تكفي لتنفيذ الأفكار الطموحة التي يتداولها المختصون والمهتمون بنقد وإصلاح التعليم في الأردن، ففي إسرائيل، إذا كانت المقارنة صحيحة، يتم إنفاق 10 بالمئة من الدخل القومي الإجمالي على التعليم، مع ملاحظة أن هذا الدخل يساوي أضعاف أضعاف الدخل القومي الإجمالي الأردني، لكن في الوقت نفسه نجد أن الأردن ينفق النسبة نفسها التي تنفقها الدول العربية النفطية على التعليم.

طبعا؛ لا بد من الانتباه إلى أن هذه المخصصات يذهب جلّها، أسوة ببلدان العالم الثالث (ربما أكثر من 85 بالمئة)، لتغطية رواتب العاملين في قطاع التعليم، هذه الرواتب التي تعتبر منخفضة بالأساس نسبة لمستويات غلاء المعيشة وقيمة العملة الشرائية، ما يعني هذا أيضا أن النقص في المخصصات يشمل جوانب مهمة في أساسيات العملية التعليمية ومهماتها؛ كالبنى التحتية وتأهيل المعلمين والمناهج والوسائل التعليمية والبحث العلمي، وكذلك الجوانب الحديثة (من برامج ومعدات تواصل إلكتروني) التي باتت تتطلبها أسواق العمل.

فعلى سبيل المثال، حاجة وزارة التربية والتعليم لبناء وصيانة مئات المدارس سنويا، تتطلّب توفّر مبالغ طائلة تساوي أو تتجاوز المبالغ المرصودة للإنفاق على التعليم للسنة كاملة. ومن الطبيعي أن تواجه حصة التعليم في الأردن مثل هذا الواقع، ففي هذه المرحلة بالذات، نجد أن من أهم البنود التي تزاحم حصص التعليم من الموازنة، هي بنود المخصصات الأمنية، إذ أشارت بعض الدراسات المحلية إلى أن المخصصات الأمنية في الأردن ودول الجوار تبلغ الضعفين وأكثر نسبة إلى ما يخصص من موازنات للتعليم.

هروب أم تأجيل

لم يكن الدكتور عمر الرزاز، وهو يدلي بدلوه ويكتب عبارات التأييد لتعديل المناهج، إبان المعركة التي واجهها وزير التربية والتعليم السابق محمد الذنيبات، يعلم بأنه سيكون في وقت قريب في عمق هذا المشهد، وفي مواجهة مفتوحة مباشرة مع قوى الشد العكسي.

استغل الفريق الآخر تلك الآراء المنشورة على صفحة الرزاز واستخدموها مادة دعائية لعدم تنصيبه وزيرا للتربية، حيث كُلّف في التعديل الوزاري الأخير الذي جرى على حكومة هاني الملقي بحمل حقيبة التربية والتعليم، ومنذ اللحظات الأولى بدأ الهجوم الواسع الذي شكلت وسائل التواصل الاجتماعي ساحاته المفتوحة، وهذا ما يشي بأن الوزير الجديد سيواجه تلك القوى المجحفلة التي أثارت عاصفة من الاعتراضات على عملية تطوير المناهج.

هذا الفريق يتكون من التيار الإسلامي، الذي تُشكل جماعة الإخوان المسلمين ثقله الأساسي، ويسانده عن بُعد التيار المحافظ في الدولة مع لفيف من المتضررين من عمليات التغيير.

لكن الرزاز امتص الصدمة ومرّر لحظات التوتر الأولى، برغم حجم الحملة التي قادتها هذه التيارات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا طبعا لا يلغي من المشهد ظهور تيار مؤيد لتعيين الرزاز في هذا المنصب، تيار تنويري صاعد، أخذ على عاتقه مواجهة وتفنيد مآخذ التيار المناهض للرزاز.

ما قاله الرزاز، في المؤتمر الصحافي لإعلان نتائج امتحان الثانوية العامة، أنه غير متعجل في إعلان خطته للعمل، وأن الأمر يتطلب منه الإحاطة بالكثير من الأمور والتفاصيل، لبناء خطة التطوير والإصلاح الشاملة، ومعه الحق كله في ذلك؛ فهو يتصدى لعملية تطوير جبارة تتعلق بأكبر جهاز بيروقراطي في الدولة الأردنية، يحتاج إلى الكثير من الدراسة والتأني في المعالجات.

الطريقة التي تتعامل بها معظم الدول العربية مع قطاع التعليم، منذ ما بعد الاستقلال، وحتى اليوم، يشوبها الاستسهال بشأن التعليم الديني، حيث أفردت له مساحات واسعة في المناهج التعليمية؛ ما مهد لنشوء ثقافة مجتمعية محافظة

ربما هذا ما جمّد التوتر، لكنه مجرد تأجيل مؤقت لمعركة حتمية مع قوى الشد العكسي، معركة لن تلبث إلا أن تثور مجددا لمجرد أن يُفتح ملف تعديل أو تطوير المناهج.

واليوم ومع تعيين الرزاز في هذا المنصب، تبدو الإرادة لدى صاحب القرار جادة وحازمة في تطوير وإصلاح العملية التعليمية. صحيح أن قرار اختيار وزير من خارج السلك التربوي فاجأ الكثيرين، وربما كان في أولهم الوزير المُعين نفسه، وهو صاحب الخبرات الاقتصادية والإدارية، لكن صاحب القرار أراد أن ينقل الملف إلى خارج دوائره الأولى، فالرزاز خبير في استراتيجيات التشغيل وهو عضو اللجنة الوطنية لبناء استراتيجيات التشغيل، وأخبرُ الناس بحاجات أسواق العمل، ومن المؤكد أنه سيعمل من أجل أن تتواءم مخرجات العملية التعليمية مع هذه الحاجات.

حاجة السوق

في الوقت الذي نعاني فيه كعرب من بعض إغلاقات المدارس القسرية بسبب النزاعات السياسية والأعمال الحربية لتتحول إلى دور إيواء للاجئين، أو إغلاقها بسبب شحّ الموارد، مع ترافق نقاشات عريضة، في دول أخرى، حول ماهية التعليم بأن يكون دينيا

أو غير ذلك، يجري نقاش هادئ في أروقة البحث والتخطيط في مراكز بحثية عالمية متقدمة، عن قرب لحظة إغلاق المدرسة واستقلال عملية التعلم كونها عملية ممنهجة منظمة تديرها الدولة، وتحويلها إلى عملية تعليم عَرضي ذاتي، يتحصل من خلالها المتعلم على المعلومات والخبرات والمهارات من خلال وسائل الاتصال، وهو يعيش في كنف أسرته وبيته، فلا مدرسة أو معلمين ولا امتحانات أو سبورة وطباشير.

بهذه الصرعة القريبة من الواقع، قرب لحظة الحقيقة، تجاوزٌ واضح لما زلنا نطمح إلى تحقيقه من شعارات متعلقة بمجانية وديمقراطية التعليم، فالعملية التربوية اليوم أصبحت أحوج ما تكون إلى هيكلة حقيقية، بحيث يتعلّم الطالب مهارات تناسب هذا العصر، وماذا تفيد خريجا كل مهارات القراءة والكتابة إذا لم يستطع استخدام الكمبيوتر والإنترنت وتطبيقاته؟

هذا إضافة إلى أن حاجة السوق تتطلب هذه الهيكلة، بحيث تتوافق المخرجات التعليمية مع حاجات سوق العمل، وأكبر دليل على وجود هذا الخلل الهيكلي؛ أن عدد العاطلين عن العمل يساوي عدد العمّال الوافدين.

أكثر ما يحتاجه الرزاز وهو يواجه هذه التحديات، ضمانة من صاحب القرار تُعطيه الوقت الكافي لتنفيذ برنامجه الإصلاحي، الذي من المؤكد أنه سيكون طويل المدى، فهو الآن يدرس الخيارات بتمهّل الصابر المعني بالنتائج، لا المتعجل المعني بالاستعراضات التي عودنا عليها المسؤولون في العالم الثالث.

عمر الرزاز؛ لن يذهب إلى مبتغاه إلا بعد أن يعدّ العدة لولوج مرحلة يدرك أنها مهمة في مجتمع بات بأمسّ الحاجة لتطوير أدواته وإمكاناته، وبما يتناسب مع بناء دولة العدالة والمساواة التي تتحقق بها الكرامة والعيش الكريم لمواطنيها كافة.

8