عمر السينما 120 عاما

الجمعة 2015/07/31

يبلغ عمر فن السينما 120 عاما بالتمام، حيث كانت ولادة السينما سنة 1895 عندما عرض الأخوان لوميير في مقهى غراند كافييه بباريس فيلمهما الأول “وصول القطار” المتكون من لقطة واحدة، بعد أن وضعا الكاميرا في مكان ثابت وبدآ التصوير مع قدوم القطار نحو الكاميرا حتى انتهاء الفيلم الخام، ويقال أن المتفرجين وقفوا في أماكنهم خشية أن يدهسهم القطار.

واستمر الأخوان لوميير في تصوير أفلامهما بذات الطريقة: يثبتان الكاميرا على الحامل ويصوران الموضوع أمامهما باستمرار حتى النهاية… وما كانا يعرفان المونتاج ولا حركة الكاميرا، كانا يصوران ما يجري أمامهما حتى ينتهي الحدث أو الفيلم في الكاميرا، إلى أن جاء جورج ميليه الذي وضع بدايات الفن السينمائي باستعمال أوليات عناصر المونتاج الذي أصبح أساس السرد السينمائي حتى يومنا هذا.

مقارنة بتاريخ الفنون الأخرى التي تمتد على مئات، بل آلاف السنين، كالرسم والموسيقى والشعر والأدب والرقص، فإن تاريخ الفن السينمائي مازال قصيرا، ومازال فتيا.. ولكنه يمتاز عنها جميعا بسرعة تطوره ونضوج ملامحه الأساسية في فترة زمنية قصيرة جدا.

لقد استغرق نمو وتطور تلك الفنون مئات السنين، كي تكتسب ملامحها وقواعدها وتصل إلى ما وصلت إليه من إبداع وازدهار وظهور عباقرة ومبدعين في كل منها، بينما وخلال الـ20 سنة الأولى من ولادة صنعة السينما استطاع رواد السينما المثابرون الأوائل أن يبتكروا معظم مهارات الفن السينمائي التي نعرفها اليوم.

فهذا جورج ميليه يبتكر بعد سنوات قليلة المونتاج، ويكتب السيناريو، ويصور مشاهد محضرة في الأستوديو وليست كما تجري في الواقع، وهو أول من ابتكر الخدع السينمائية، واستطاع عام 1902 أن يصور أول فيلم من الخيال العلمي وهو فيلمه الشهير “رحلة إلى القمر” جامعا فيه كل وسائل تطويع الكاميرا والخدع المرئية والمونتاج.

وفي هذه الفترة المبكرة ظهر المصور المبتكر أدون بورتر، فطوّر فن المونتاج وجعل اللقطة هي أصغر وحدة سينمائية وليس المشهد، وحرر الكاميرا من مكانها الثابت وخلق المونتاج المتوازي، محدثا أول تغير نوعي في السرد السينمائي، كما ظهر ذلك في فيلمه الأول “حياة رجل مطافئ أميركي”.

وبورتر هو أول من أخرج أفلام المطاردات والصراع وأفلام الكاوبوي، واكتشاف قدرة المونتاج على بناء القصة السينمائية في فيلمه الشهير “سرقة القطار الكبرى” في سنة 1902، أي بعد بضع سنوات فقط من ولادة صنعة السينما، محدثا ثورة في التعبير السينمائي وفي الإثارة أيضا والأكشن.

كان رواد السينما الأوائل يبتكرون من بنات أفكارهم، ولا تتاح لهم الاستفادة من تجارب الآخرين إلاّ نادرا، ولم تكن الخبرة والتجارب تراكمية، ولكن فيلم بورتر “سرقة القطار الكبرى” لفت الانتباه إلى قدرة المونتاج الكبيرة في السرد السينمائي، إلى أن ظهر عراب السينما العبقري المخرج الأميركي ديفيد غريفيت، ليحدث ثورة حقيقية في فن السرد السينمائي، ويقود العمل السينمائي بشكل بليغ ومبتكر تجسّد في فيلمه الكبير “مولد أمة” (1915)، وكان عمر السينما أقل من عشرين سنة.

وكان أول نجاح جماهيري كبير لفيلم سينمائي والذي بلغت إيراداته آنذاك مئة مليون دولار (ما تزيد قيمتها الشرائية عن ثلاثة مليارات في أيامنا هذه).

وحينما أنجز غريفيت ذروة أعماله فيلم “التعصب” (1916) اعتبره النقاد والمختصون الأب الشرعي لفن السينما، وكان تأثير تجاربه في المونتاج والسرد السينمائي والبناء الدرامي قدوة لأغلب السينمائيين في العالم.

ويعترف الكثيرون أن ما أنجزه غريفيت هو لب الفن السينمائي الذي أضاف إليه أو طوره الكثير من المبدعين الآخرين الأوائل مثل كولبيشوف أعظم مجرب في السينما الفنية، وأيزنشتاين الذي يبين كم استفادت السينما السوفيتية من مهارات غريفيت في المونتاج المتوازي.

يؤكد المخرجان فرانك كابرا وسيسيل دي ميل أنه لم تتحقق أية انجازات هامة في مجال الإخراج السينمائي بعد غريفيت، ويقول هيتشكوك كلما شاهدنا فيلما اليوم وجدنا فيه شيئا من غريفيت.

والمخرج رينيه كلير يقول: لم تتم إضافة أي شيء جوهري إلى فن السينما بعد غريفيت.

إذن، مع كل التطور التقني في صناعة السينما طوال 120 سنة من عمرها، وكل مبتكرات تقنيات الكمبيوتر والخدع الإلكترونية وخلق العوالم الافتراضية ودمجها مع الواقع، بقيت مبادئ الإخراج السينمائي والبناء المونتاجي والسرد السينمائي تعتمد على أسس ابتكارات الرواد الأوائل، الذين اجتهدوا وعملوا في العشرين سنة الأولى بعد ولادة السينما، ابتداء من الأخوة لوميير وحتى غريفيت الذي تنكرت له هوليوود، فمات منسيا عام 1948 في أحد فنادق هوليوود.

17