عمر الشريف سفير العرب في هوليوود وفارس أحلام نساء العالم

الأحد 2015/01/04
"لورانس العرب" عمر الشريف المغرد خارج جميع الأسراب

منذ أسابيع قليلة عاد الممثل المصري العالمي عمر الشريف إلى القاهرة، بعد غياب دام أكثر من ثلاث سنوات، أمضاها في منزله بالعاصمة الفرنسية باريس، حيث كان يرفض العودة إلى القاهرة، بسبب عدم شعوره بالأمان في ظل الأحداث التي شهدتها مصر، عقب ثورة 25 يناير 2011، وما تلاها من تداعيات لم يكن مرتاحا لها، حتى رحل الإخوان عن الحكم، وتغيرت أمور كثيرة في المشهد السياسي الملتبس، فقرر العودة والاستقرار في مصر.

قبل عشرة أيام من تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتحديدا في 31 يناير 2011، أعلن عمر الشريف رفضه لعدم استجابة مبارك لمطالب الثوار بالتنحي، قائلا: “إنه فشل في تحسين مستوى معيشة المواطن العادي وتكفيه فترة الحكم التي قضاها”، كما أبدى تعجبه من فكرة التوريث، التي تردّدت قبل رحيل مبارك عن الحكم، على اعتبار أن مبارك نفسه لم يحقق شيئا حقيقيا لشعبه، ومع أن علاقته كانت سطحية بمبارك، إلا أن زوجته سوزان مبارك طلبت منه أكثر من مرة مرافقتها في الحفلات، خلال تواجدها في باريس، فكان حريصا على عدم الانخراط في أمور سياسية، إلا القليل منها، حتى لا تتأثر أعماله الفنية، وتتعرض لإسقاطات هو في غنى عنها.

الممثل الذي لقّب بـ“لورانس العرب”، أحد المكرّمين ضمن مجموعة من كبار الفنانين المصريين، في “الليلة الذهبية” للتليفزيون المصري تكريمًا للمبدعين في مجالات السينما والتليفزيون والموسيقى والغناء، عن مُجمل مشوارهم وعطائهم الفني.


التشكيك في وطنيته


الشهرة ولقب “العالمي”، لم يكونا فقط حصاد عمر الشريف من وقوفه أمام الكاميرا مع كبار الفنانين العالميين، مثل صوفيا لورين وباربرا سترايسند، بل حصد أيضًا اتهامات عدة تعلقت بالتشكيك في وطنيته وديانته، خاصة بعد وقوفه أمام سترايسند يهودية الأصل، لكن الشريف لم يعتد الرد على مثل هذه الاتهامات، وأرجع ذلك إلى أن وطنيته لا تحتاج إلى مبررات أو تفسيرات، لا سيما أن جذوره العائلية ساعدت على تكرار هذه النوعية من الاتهامات، من حين إلى آخر.

ميشيل شلهوب ابن المدارس الأجنبية يبدأ مشواره السينمائي نجما ويلعب دور شاب صعيدي فقير أمام سيدة الشاشة فاتن حمامة ليتزوجها في قصة حب ما تزال حديث الناس

في 10 أبريل من العام 1932 وفي مدينة الإسكندرية المصرية، ولد الطفل عمر الشريف واسمه الحقيقي ميشيل ديمتري جورج شلهوب، وكان جده لأمه يهوديًا ووالده من المسيحيين المتدينين، وكان يعمل في تجارة الأخشاب، بينما كانت لوالدته شخصية قوية وكلمة مسموعة في العائلة، وتلك عائلته التي جاءت من الشمال السوري وعاشت فترة طويلة بمدينة الإسكندرية الساحلية على البحر المتوسط.

إجادته لأكثر من لغة، مثل الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والأسبانية، تعود إلى تلقيه التعليم في أكبر المدارس الأجنبية في مصر، حيث ألحقته والدته بالمدرسة الفرنسية التي تركها في سن العاشرة، بسبب زيادة وزنه، وأدخلته والدته بعدها المدرسة الإنكليزية، وهي تعرف أن طعامها سيئ، كي لا يأكل المزيد منه. عندما بلغ ميشيل سن الخامسة عشرة، التحق بمدرسة فيكتوريا كوليدج، أشهر مدرسة إنكليزية في مصر في ذلك الوقت، والتي أسسها الاحتلال الإنكليزي لأبناء الصفوة، وهناك تعرف على زملاء الدراسة صوفيا والحسين ويوسف، الذين أصبحوا فيما بعد الفنانة العالمية الجميلة صوفيا لورين، والملك حسين ملك الأردن، والمخرج المصري الراحل يوسف شاهين.


إدمان طاولات القمار


الفنان الوسيم لم يكن مجرد فنان وصل إلى العالمية، بل هو حالة فريدة تعيش في عالم خاص، شخصية تعلمت أن الحياة لعبة والبقاء فيها للأذكى، وأن الأذكى من يجلب السعادة إلى نفسه دون النظر إلى السلبيات، ومثلما كان عمر الشريف يجيد لعبة الحياة، كان أيضًا يجيد لعب القمار بكافة أنواعها، وكان واحدًا من أبرز لاعبي البوكر والبريدج، ووصل جلوسه على موائد القمار إلى حد الإدمان.

حصد عمر الشريف الملايين من وراء لعب القمار، حتى انتهت اللعبة بعد عشرات السنين بخسارة كبيرة، على يد رجل إنكليزي يدعى سام بينادي، ألحق بعمر الشريف خسارة كبيرة في أحد أخطر لعب القمار “لعبة الجسر الأوروبية”، وفقد قصرًا فخمًا كان يطلق عليه اسم كازا، بلغ ثمنه 4.5 مليون جنيه إسترليني، وكانت مساحته تصل إلى 7 آلاف متر ويقع في جزيرة لانزراروت الأسبانية، وكان القصر بمثابة تحفة معمارية من أروع الأماكن التي بنيت على المحاجر البركانية.

شخص الشريف بنظره إلى الجانب الآخر من الشاطئ، حيث البلاد البعيدة التي تغرّب في موانئها ومطاراتها وفنادقها سنوات طويلة قبل أن تجرفه أمواج الحنين وتعيده إلى الوطن، لكنها لم تكن عودة الابن الضال، بل عودة النجم الذي استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً على القمة.

في باريس كانت بدايته مع الغرب، حيث سافر مع والدته، وهناك تعرف على فتاة تدعى يان لي مولر، وسعد كثيرًا عندما عرف أنها أيضا في زيارة لباريس وأنها تعيش في الإسكندرية.

ورغم حبه للفتاة رفض والده بشدة الزواج منها، لأنها مسيحية بروتستانتية، وعائلة شلهوب مسيحية كاثوليكية، وكانت الصدمة الأولى عاطفيًا في حياته، ولم يكتف والده بذلك بل اصطحبه معه للعيش في القاهرة، وزادت أحزانه، بعد علمه أنها تزوجت شابا آخر غيره.

وعاش عمر الشريف وسط عائلة بالغة الثراء، لكنه تربى على الاعتماد على النفس منذ الصغر، ورفض دائما العمل مع والده في تجارة الأخشاب واختار أن يجنح بعيدًا عنه، ولم يخف رفضه للسياسة التي كان يتبعها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، واعتبره قاد البلاد إلى الهاوية، عندما اعتقد أنه يستطيع هزيمة إسرائيل في حرب الأيام الستة، ومع ذلك قدم الشريف سلسلة من الأفلام التي عبرت عن ثورة يوليو 1952 وانحيازها للبسطاء.

النجم العالمي يجيد لعبة الحياة وكان بطلا على طاولات القمار في لعبة انتهت بخسارته قصرا بـ 4.5 مليون إسترليني

أعلن الشريف رأيه صراحة في هذه السياسة، بعيدا عن السينما، حيث قال إن: “الغلابة والفقراء والفلاحون المصريون صدّقوا عبد الناصر وانقادوا وراء طيشه”، ولم يكن ينسى أبداً سخرية الأميركيين منه، فكانوا يستهزئون بجنسيته المصرية للدرجة التي جعلته يبكي.

ورغم علاقة الصداقة التي كانت تربط بينه والأسرة المالكة، إلا أن عمر الشريف كان سعيدًا بثورة يوليو في البداية، لكنه تراجع عن حبه لها، وأصبح غاضبا منها، بسبب الموقف من الديمقراطية والحريات، وفرض نظام الخروج والدخول للممثلين، والحصول على ما يشبه تأشيرة حسن سير وسلوك قبل السفر.

صاحب القبعات المتعددة التي كان يظهر بها جميعا في مظهر أنيق وجذّاب، أجاد كافة الأدوار التي لعبها أمام الكاميرا، هو حسن ومرقص في آن واحد، هو الريس محسب وجيفارا، وهو أيضًا دكتور جيفاغو الذي تتعلق مشاعره بين امرأتين، وفي الوقت نفسه هو حسين الشاب الخجول المرتبك الغارق في حب ابنة عمه سميحة، هو الهائم ومحب الحياة الذي يسير في شارع سليمان باشا ويجلس على مقهى جروبي بوسط القاهرة، لتأخذه قدماه بعدها إلى الشانزليزيه في باريس، ومن الإسكندرية إلى القاهرة ومن أستوديو مصر إلى أستوديوهات هوليوود.

الصدفة وحدها قادت عمر الشريف إلى التمثيل، حيث تقابل مع المخرج يوسف شاهين، عندما كان يتناول الأيس كريم مع صديقه أحمد رمزي في جروبي، وسمع حديثا يدور بينهما كان الشريف يعرب خلاله لرمزي عن رغبته في تعلم التمثيل، فتدخل شاهين قائلا، “عاوز تروح تتعلم التمثيل أنا أخدمك، سأعطيك بطولة مع أكبر ممثلة في مصر”.

فبدأ عمر الشريف نجمًـا في عالم التمثيل، ووقف أمام الرائعة فاتن حمامة في فيلم “صراع في الوادي”، وكان عمره 22 عامًا.

ابـن المـدارس الأجنبيـة وقف للمرة الأولـى، أمام الكـاميـرا في دور شـاب صعيدي فقير، فأجـاد وخطـف قلـب النجمة التي أحبته وأحبها للدرجة التي جعلته يشهـر إسلامـه، حتى يتمكـن من الـزواج منهـا عــام 1955م ودام زواجهمـا نحـو عشـرين عـامًا، وكـان طـارق ثمـرة هذا الزواج.

توالت العروض السينمائية على عمر الشريف فلعب دور البطولة في أكثر من عمل منها “صراع في الميناء” و“أرض السلام” و“لا أنام” و“سيدة القصر” و“نهر الحب” و“إشاعة حب” و“في بيتنا رجل” و“الأراجوز” و“حسن ومرقص” و“المسافر”، وغيرها. كما شارك في عـدة مسلسلات إذاعية مصرية منها “أنف وثلاث عيون” و“الحب الضائع”، وفي العام 2007 قدم تجربته الأولى في التمثيل التلفزيوني من خلال مسلسل “حنان وحنين”.


التجسس الذي رفضه


زواجه من فنانة شهيرة ووصوله إلى النجومية، إضافة إلى وسامته قاداه إلى الاتهام بالجاسوسية لصالح دول أجنبية، وحاول صلاح نصر رجل المخابرات الأول في عهد عبدالناصر تجنيدهما، خلال زيارة لهما في منزلهما بالزمالك، وطلب من عمر وفاتن أن يطلعاه أولا بأول على أخبار نجوم بعينهم وحدّدهم بالاسم، معللا أن ذلك من أجل أمن الوطن ، لكن الجميلة فاتن حمامة لم يرهبها الموقف وأجابت صلاح نصر أنها ترفض أن تؤدي هذا الدور ضد أي زميل أو زميلة، وهو ما رفضه الشريف أيضا.

فيلم “لورانس العرب” كان نقطة انطلاق الشريف نحو العالمية، حيث كان المخرج الإنكليزى “دافيد لين” يبحث عن ممثل لكي يلعب دور شخص عربي ويستطيع التحدث بالإنكليزية، فجاؤوه بصور كل الممثلين العرب، فالتقط من بينهم عمر الشريف وقال للمنتج، “الولد ده في مصر لو شفته تاخد معاه ميعاد ولو بيتكلم إنكليزي هاتهولي هنا”، وبالفعل ذهب لمقابلة لين في وسط صحراء الأردن، واتفق على أداء الدور، وخرج الفيلم عام 1962.

في فيكتوريا كوليدج يدرس عمر الشريف مع صوفيا لورين والملك حسين ويوسف شاهين

جنى عمر الشريف ثمارا عديدة من “لورانس العرب”، على رأسها الشهرة، كما تم ترشيحه كأفضل ممثل مساعد في الأوسكار، وفاز بجائزة أفضل ممثل مساعد في الـ“جولدن جلوب”، وحصل على نجمة تحمل اسمه في مدريد، خلال فعاليات الدورة الـ11 لـمهرجان ألميريا للأفلام القصيرة، وحصل على نجمة تحمل اسمه بممشى المشاهير بالتزامن مع الذكرى الـ50 للفيلم. تتابعت نجاحاته ليقوم بعدة بطولات مثل فيلم “دكتور جيفاغو”، بعدها توالت أعماله ومنها “الرولز رويس الصفراء”، “الثلج الأخضر”، “الوادي الأخير”، “بذور التمر الهندي”، “المماليك”، “جنكيز خان”، “ليلة الجنرالات”، “فتاة مرحة”، “مايرلنغ” و”الموعد”.


وسيط السادات للكنيست


وصوله للعالمية، جعله سببا في التمهيد للزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس الراحل أنور السادات إلى الكنيست الإسرائيلي، فبعد مقابلة مع السادات في حفل أقيم بالبيت الأبيض، دعاه لحضور حفل زفاف نجله جمال في مصر، وبالفعل حضر الشريف الحفل، وطلب السادات منه في أحد الأيام التوسط له عند الإسرائيليين، لكي يفتح صفحة جديدة، وبالفعل أجرى الشريف اتصالًا بمناحيم بيغين وأبلغه طلب السادات، وكان رد بيغين وقتها: “إذا جاء السادات فسأستقبله كالمسيح”، وحدثت الزيارة بعد أسبوع من المكالمة.

كانت هذه الوساطة، سببا في اتهام الشريف بالتطبيع، فبعد وفاة الكاتب سعدالدين وهبة، عرض على النجم عمر الشريف تولي رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لكنه هوجم بصورة ضارية، بدعوى أنه جاهز للتطبيع مع إسرائيل، وأنه يظهر في أفلام تحتقر العرب، إضافة إلى أن حفيده يجيد اللغة العبرية من والدته اليهودية البولندية، كما كان يتهم في دينه ووطنيته، وقد ثارت هذه الضجة عدة مرات، خاصة بعد فيلم “السيد إبراهيم وزهور القرآن”، ونال الشريف خلال مشواره الفني العديد من الجوائز، بينها أفضل ممثل درامي عن مسلسل “دكتور جيفاغو” عام 1965، بالإضافة إلى جائزة “سيزر” كأفضل ممثل في فيلم “السيد إبراهيم وأزهار القرآن”، وجائزة “الأسد الذهبي” من مهرجان البندقية السينمائي عن مجمل أعماله، وفي عام 2004 تم منحه جائزة مشاهير فناني العالم العربي تقديرا لعطائه السينمائي.

عودته واستقراره نهائيا في مصر أخيرا، هل تشهد مفاجآت في مسيرته الفنية، أم ينزوي ويظل محافظا على ما حققه على مدار أكثر من نصف قرن؟

10