عمر علوي ناسنا: الشاعر الحقيقي يبقى شاعرا ما لم يتبعه أحد

الجمعة 2015/04/17
نحن في أمة لها نظرة خاصة إلى الزمن، ننظر إلى الزمن وكأننا نتثاءب

كتاباته تغرقك في دهشتها وعمقها، شاعر يحمل معه قناديل الشذرات ليروي روايته، ويحكي القصة. كتاباته يتيمة تخشى الموت، هي في أبسط تعريف لها نفحات إبداعية، يدهشك عبرها بصراعه الدائم مع اللغة، التي لا تغلبه ولا يغلبها؛ فكلاهما يحتوي الآخر.

مفرداتها تدهشك حدّ البهجة وتحرضك على القراءة مرارا، هل يكفي هذا لتقديم عمر علوي ناسنا؟ هل هذا يكفي لصانع خبز الله بتنورات قصيرة، والناحت لخربشات الطفولة؟ هو كاتب “وصايا الشيطان الطيب”، وصاحب “أنا مؤقتا أنا”، ومقدم “خارج التغطية”، “مرافعات سردية”، ومقدم “حماقات شعرية”، هذا بعض مما أنجزه عمر علوي ناسنا، الشاعر والشاذر والروائي المغربي التقته “العرب” فكان معه هذا الحوار.

يؤكد الشاعر والشاذر والروائي المغربي عمر علوي ناسنا أنه يكتب لأن أوان قطع أصابعه قد فات، ويقول: إنها لوقاحة كبيرة أن نكتب، أن نسيء للصمت الذي يتوقع منا أن نكون أكثر صلابة، لا يمكننا حقا أن نشبه الصخور ونحن نستسلم لنداء الهشاشة الفادحة التي تمثلها الكتابة، كل كتابة، أغبط الذين لا يكتبون، أولئك الذين يركلون العالم بالصمت. أعتقد أن اللغة أعطيت إلى الإنسان لغاية محددة بعد اكتمال كل عناصر الجريمة الوجودية، إنها الصيغة المتاحة للصراخ.

لكن الوحدة قاتلة، الوحدة الوجودية في داخل كل واحد منا، حقا كانت مارغاريت دوراس على حق “ماذا نفعل بكل هذه الوحدة؟” أعتقد أن الوحدة الزائدة عن الحاجة، الوحدة الكريمة السخية حدّ الموت، الوحدة التي تطعمكَ نفسك قطعة قطعة، هكذا دون طبخ، كلحم نيء لغزال فتي، قطعة قطعة دون أن تتبدد، ومن آخر قطعة تنبت من جديد فيك، كي تنهشك وحدتك من جديد، الذين يعيشون في وحدة يعرفون طعم الدم، دمهم، ويعرفون طعم اللحم النيء؛ لحمهم، يعرفون حتى طعم فضلاتهم، يقتاتون على أنفسهم، من أول خيط نور حتى آخر شهقة لليل، الوحيدون يعيشون ليلا متصلا، ليلا يزوره النهار ليعذبه بالضوء، ضوء لا معنى له، ضوء يربّى في حاضنات العبث، الوحيدون ينفردون بالوحش، وحش أنفسهم.

هكذا فالكتابة لم تأت لمواجهة الموت والبحث عن الخلود، في رأي عمر علوي، بل جاءت أساسا كشكل من أشكال الموت، الموت بأعين مفتوحة وبفم لا يكف عن الصراخ. ويضيف علوي: الكتابة هي احتجاج على المعنى، إنه لأمر مروّع أن أكون شاهدا على المعاني، والأكثر إيلاما أن أكون مدعوّا لوليمتها، دم كثير على الطاولة، دم في الصحون ودم في فمي ودم في عينيّ، ليس بوسعي أن أمسح شيئا، ينبغي أن أظل شاهدا على نفسي كسكين، وعلى نفسي كخاصرة، أنا زواج الجلاد بالضحية.

يكون النقد نقدا حين يقودك إلى مدخل سريّ، كما فعلت أليس في بلاد العجائب، النقد الأكاديمي هو الذي حول الأدب إلى مشرحة

هجرة الشعر

عن المسافة بين النقد والإبداع يقول عمر علوي: ليست هناك فجوة بالمعنى الدقيق، بل ما بينهما هو تقاسم طعم القنوط واليأس، هما معا يأكلان من نفس الصحن المسموم، صحن اللاجدوى. منسوب القراءة في أدنى مستوياته، ويكون النقد نقدا حين يكون مبدعا، حين يقودك إلى مدخل سريّ كما فعلت أليس في بلاد العجائب، النقد الأكاديمي الذي حول الأدب إلى مشرحة بائسة لقتل الأدب. لكن ربما هذا هو اختيار دولة تمارس تسمين العقول، تسمين يقتضي قراءة كتاب في فن القتل، قتل الذوق. النحاف هم الأذكياء دائما، وأقصد بالنحاف أولئك الذين قاطعوا الوليمة، أولئك الخدج الرائعون الذين قفزوا قبل محطة الذبح.

في سؤالنا عن سبب كتاباته للرواية وهل كانت بمثابة هجرة للشعر أم هي تأكيد لزمن الرواية؟ يقول علوي: نحن لسنا في زمن الأدب عربيا على الأقل، الأدب بكل أسرَتِه التي لم تجد ملجأ بعدُ. الأدب حالة يُتمٍ دائمٍ في مجتمع وثقافة تحارب الحياة وتمارس بإخلاص منقطع النظير وأد الجمال. قلتُ مرة إني أخاف من دولة تحارب الجمال لأن الانتماء إليها سيكون حينها بحسب درجة الولاء للقبح.

لذلك أجد الحديث عن زمن الرواية حديثا طموحا متفائلا، ليت لي ربع هذا التفاؤل، نحن في أمة لها نظرة خاصة إلى الزمن، نظرة قائمة على التثاؤب، الزمن لا يركض، إنه يأخذ كامل وقته كي يناسب هذا البطء التاريخي. لا ألوم أحدا على التحوّل من الشعر إلى الرواية أو من الشعر إلى القصة، أدعو لهذا الحراك، أحرض على الخيانة، على التحول، على التجريب. لقد دفعنا بما يكفي ضريبة الإخلاص للموت، آن لنا أن ننصت للحياة في تشكلاتها الانقلابية الفاتنة.

عن الإبداع المغربي ونظرة المشرق العربي إليه يجيبنا ناسنا: قيل لراقص بولوني ما وطنك؟ فقال قطعة الخشب التي أرقص فوقها، هذا مدخل مناسب لأقول لك لست في أية جبهة، أنا هارب من التجنيد، لا أدين بالولاء لأحد، هل هذه خيانة؟ الخيانة، ماذا يعرفون عنها أولئك الملثمون بالوفاء؟ يوضع الإنسان بين صورتين: إما أن تلتهمه وحدته أو يتناوشه الحشد، فالرصاصة عندهم جاهزة قبل الرأس، لا إمكانية لصورة ثالثة، لكن المرء يعرف بحدسه وبعينه التي يفتحها على داخله أن ثمة دائما إمكانية ثالثة لا نصر فيها ولا هزيمة، إمكانية مفتوحة يصحّ فيها الحديث عن إيمان يتوسّد شكه، عن جسد لا تتجبر فوقه روح، وعن روح لا يعذبها بالطين جسد. الأدب يغتني بكل أهله مشارقة كانوا أو مغاربة، أومن أن النصوص الجميلة العميقة هي التي تنتصر. لا أومن بانتماءات، أومن بمذاقات مختلفة تصنع سحر الأدب والفن، أنتصر للجمال ولا يهمني من أي جهة أشرقت شمسه.

الكتابة لم تأت لمواجهة الموت والبحث عن الخلود

صرح الشاعر العراقي، سعدي يوسف، بأن الشعر المغربي لا يقدم شيئا، كما كتب جابر عصفور أنه لا يوجد شعراء كبار وأصحاب مشروع إبداعي حقيقي سوى سعدي يوسف وأدونيس. كيف استقبل ضيفنا مثل هذه التصريحات، يردّ الشاعر: الشاعر العزيز سعدي يوسف قدم شعرا إنسانيا عميقا بجمالياته، ومن حق جابر عصفور أن يقدم تصوره لشاعرين قدما للتجربة الشعرية ألقا كبيرا.

أنا ضدّ أن يُجلد الناس بآرائهم وتصوراتهم، ضد أن يتم تحويل رأي إلى مذبحة، ضدّ أن نخلق الجبهات وحفلات الولاء، لا مكان للقطعان في التجربة الجمالية، الشاعر الحقيقي يبقى شاعرا ما لم يتبعه أحد. هل المطلوب هو أن نبتلع ألسنتنا؟ لكل رأي سياق وخلفية ومرجعية، الآراء تقابل بالآراء، أما المَدافع والسحل والتخوين، فهي أمور نتركها لسدنة الدم.

بيت الحكمة

الشذرة بيت الحكمة جاء سؤالي للشاذر عمر ناسنا، لماذا الشذرة خاصة وأنها بيت الحكمة ومسلك العارفين، وهو مازال في طليعة المبدعين الشباب؟ يجيب محدثنا: كل كتابة تؤوب إلى الشذرة، إلى الذرة الأصلية، إلى نواة الخلق، أزعم أن الشذرة هي البذرة، الشذرة تطرح سؤال الحرف عن نفسه، تقول لك الشذرة: الحرف الذي لا تعيشه ولا يعيشك، لا تكتبه. الحرف الذي لا تكون به ولا يكون بك، لا يسابقك وتسابقه، لا يجعلك أنت ولا يجعلك غيرك، الحرف الذي يبقى حرفا لا تكتبه.

لا أومن بكتابة لا تترك دما، دم كاتبها ودم من يقرأها، لا أومن بكتابة تبقى بعدها كما كنت قبلها، لا أومن بكتابة لا تَقرأ ولا بقراءة لا تكتب، لا أومن بكتابة تبتاع مدادها من السوق، أومن بكتابة مغتصِبة سارقة مختلِسة، أومن بكتابة تشبه قبلة عنيفة تهب دون إنذار وتقتلع كل أغراسنا البالية المسنة، تلك التي أنبتتها صحبة الظل ومصالحة السفوح.

الثقافة سلعة، عن رؤيته إلى حال الثقافة العربية وهل الثقافة سلعة رائجة؟ يقول عمر علوي ناسنا: الحديث عن السلعة يقتضي الحديث عن السوق، ليس هناك سوق، هناك حالة مواساة دائمة، حفل عزاء مفتوح. أعتقد أن الموضوع ليس صدفة، الأمر اختيار، قصدية واضحة، ذلك أن دولنا لا تراهن على المعرفة، هي لا تتحمل المعرفة، تعرف جيدا أن المعرفة تكشف الحجب وتوضح الأحجام وتفضح الأيدي التي تمسك بالخيوط. التساهل مع القبح، تعذيب الجمال بحجة الحرية تلك أقصر الطرق لإفلاس المعنى، والدول المحترمة، تعرف أن الجريمة هي خطوات معنى مفلس.

عن الكتابة وإن كانت كفيلة بأن تطعم من جوع وتؤمن من خوف، يؤكد عمر ناسنا قائلا: لا يمكن أن تكون الكتابة مهنة، لا ينبغي أن تكون كذلك. كتبت يوما مخاطبا الشباب ما يلي: هل اخترتم الكتابة حقا بوعي كامل؟ ألم يغرّر بكم أحد؟ ألم يجر توريطكم بحبوب مهلوسة أو بأخذ أي من أحبابكم رهينة؟ هل تعرفتم بوعي على المتع الأخرى والهوايات العديدة التي يمكن أن تغنيكم عن هذا الاختيار؟ إن ما أخشاه حقا هو أن يكون اختياركم للكتابة شكلا من أشكال بحثكم عن الحضور، أو جزءا من أفكاركم بشأن اعتلاء منصة أو مراودة منبر لأخذ الكلمة وقول شيء من تلك الأشياء الفظيعة المنمقة بشكل مبالغ فيه. إني أغبطكم على حماسكم للورق، لكن الفتية المتحمسين للنزهة لا علم لهم بالوحش الذي سيخرج من قاع البحيرة. الكتابة لا تطعم من جوع، إنها جوع، وهي لا تؤمن من خوف، إنها الخوف الذي صار أخيرا له لسان، لكنه ليس ذلك النوع من الخوف الذي يصنعه الرعب بل الرعب من نفس لم يعد يرعبها شيء.

نحن لسنا في زمن الأدب عربيا، الأدب حالة يتمٍ دائم في مجتمع وثقافة تحارب الحياة، وتمارس بإخلاص وأد الجمال

قلب الطاولة

عن الجوائز المشروطة يذكّر عمر علوي ناسنا بموقفه: ماذا ننتظر مثلا من لجنة غالبية الأعضاء فيها ينحازون جماليا إلى عمل أدبي يحترم حدودا معينة أن ينتصروا لعمل يبارز بتجريبيته وحسه المغامر؟ ماذا ننتظر من لجنة مثلا تحترم رصانة ترتيب المفردات الجمالية على طاولة إبداعية بحس متعهدي الحفلات وسلوكهم البرتوكولي المقنن وفق مقاسات مضبوطة أن تمنح الجائزة لكاتبة أو كاتب يكون جوهر الإبداع عندهما هو قلب الطاولة ومعانقة العاصفة. أم لآخر: حيث التوزيع المطروح للمجالات لا يمثل المنتوج الثقافي في شموليته، ليس فقط اللغوية بل والأجناسية والنوعية أيضا. فكتاب في الطبخ أو في تحليل السلوك أو في التنمية البشرية أو في الخط أو في التعبير البصري يوجد كل هذا خارج العلب التصنيفية لمجالات الجائزة، وهو أمر يجعل الكتابة في ألوان معينة كتابة شرعية ويصنف باقي الاختيارات الأخرى ضمن اللقطاء والأبناء غير الشرعيين في ثقافة تنهض على النكران وضيق الأفق. أثر الجائزة إذن ضعيف ولا يؤثر كثيرا في السياق الثقافي.

عن طقوس الكتابة عنده يقول محدثنا: ويل لأمة يرتعش فيها غصن إذا أثمر. الخطوط موجودة تعرفها كل زهرة تحولت إلى ثمرة. هناك كلمات سُرقت، اغتُصبت، إنني لم أعد قادرا على استعمال كلمات تحاط بالأسلاك الشائكة. اللغة ليست لي هذا أكثر الدروس مرارة في الفن. كأنما قدرنا أن نولد محاربين حتى قُبَلُنا تنادينا من فوق الرماح. من حفرتي لا تظهر لي من السماء سوى قطعة صغيرة زرقاء، أنا أوفر حظا من سجناء الأمس حيث كانت السماء مقلمة الزرقة بقضبان صلدة بائسة. هل تعرف ما معنى أن نولد في وطن ونقضي عمرنا كله في الطريق إليه؟ وإنما حملتَ اسما كي تشير أحرف إليك، وما أشارت إليك إلا كما تشير سهام إلى قلب، هذا الدم وجعك، لا تصرخ قد حملت اسما كي تموت. أما عن الطقوس، فمن أنا لتكون لي طقوس؟

15