عمر كامل عالم مصري يحفر في هولوكوست اليهود العرب

الأدبيات الأيديولوجية الصهيونية كما يقول عمر كامل سوقت للدور التربوي للكيان الإسرائيلي في خلق إنسان يهودي جديد، أو كما عُرف في الرواية الصهيونية باليهودي الجديد "هايهودي ها حداش" والذي لم يقبلوا أبدا أن يكون "يهوديا عربيا".
الخميس 2018/09/06
مكتبة الإسكندرية تكرم "الخوجة" أخيرا وتصدر بحثه الكبير

بعد أيام من التجوال في ذلك المكان السحري، قبل سنوات طويلة، وقفت أنظر إليه ونحن نتحدث إلى آخر امرأتين جاوزتا الثمانين، بقيتا من يهود دمشق تعيشان في حارات المدينة العتيقة، رأيت الجانب الذي يختلف به عمر كامل عمن غامروا ودرسوا هذا الحقل الشائك. وكانت شمس تلك الأحياء الدمشقية القديمة تنعكس على الجدران الحجرية السوداء والبيضاء مخفية ظلال كثيرين غادروها ربما إلى الأبد.

غالبية دارسي ملف اليهود العرب من العرب أنفسهم تناولته بانفعال وحماس وحساسية، فانجرفوا نحو الأمر وكأنه شبهة، وآخرون تناولوه وكأنه تحدّ من تحديات الممنوعات، وبعضهم ذهب به بعيدا نحو استثماره سياسيا. لكن عمر كامل لم يفعل شيئا من هذا، بل اعتبر أن تجاوز تلك الأسلاك الشائكة التي زرعتها الأنظمة من الطرفين، واجب لازم في الطريق إلى تحديث الوعي. لأن البقاء خلفها يعني الاعتراف بما أورثته من عقد وأمراض كثيرة أقلها الطائفية والعنصرية والاحتلال والاستبداد والاستثمار في الصراع. وكان يرى أن هذا كله يجب أن ينطوي بأسرع وقت.

بالطبع لن يقابل جهد كامل هذا بالترحيب من الأوساط العربية المتشنجة، والتي تسارع إلى إلقاء الاتهام قبل التفكير، ولا ترى أنه يجب أن يفكر إلا كما تكفر هي. الأمر ذاته ينطبق على الآخرين الذي يفضلون أن يروي كامل روايتهم هم. غير أنه بقي حريصا على أن يستعمل عقله هو، وأن يروي هو ما فهمه وما رآه وما خلص إليه.

لم يكتف كامل ببحثه الكبير حول الهولوكوست في الذهنية العربية، والذي تمت تغطيته عالميا بصورة أوسع وأكبر من الاهتمام به عربيا، وربما لم يحظ بمطلعين من قراء العربية بالمرة. غير أن عمر كامل واصل في البحث في ميدان أوسع، شمل حياة اليهود العرب داخل إسرائيل وقدم نظرية مهمة ولافتة وجديدة تطرح للمرة الأولى، تنصف هؤلاء الذين أصبحوا بين يوم وليلة “غرباء” عن مجتمعاتهم، متهمين في وطنيتهم، وفي الوقت ذاته غرباء عن المجتمع الجديد دخلاء عليه، مواطنين من درجة ثانية وثالثة. وهكذا صاروا ضحايا للنظامين الذهنيين العربي والإسرائيلي معا.

كامل المولود في القاهرة درس العلوم السياسية وتاريخ الشرق الأوسط في ألمانيا في جامعة لايبتزغ التي حصل منها لاحقا على درجة الأستاذية في السياسة والتاريخ في مجتمعات منطقة الشرق الأوسط، وهي أعلى الدرجات الأكاديمية في التعليم الجامعي الألماني. وكانت أطروحته تدور حول الاستقبال العربي للهولوكوست والاستعمار -دراسة في الفكر التاريخي العربي المعاصر -1960-1970. وصدرت باللغة الألمانية. وصدر له أيضا “تاريخ اليهود العرب بين الدين والدولة في إسرائيل” في العام 2003. كما صدر له “أدب الرحلات في التاريخ العربي الاسلامي” عن جامعة بايرويت في ألمانيا.

إسرائيل الجميلة وإسرائيل القبيحة

 عمر كامل يقول لـ“العرب” إن فضاء المعرفة الواسع هو الطريق الوحيد إلى مستقبل شعوب المنطقة مجتمعة. (في الصورة كامل يحاضر بجوار المفكرين صادق العظم ونصر حامد أبوزيد)
عمر كامل يقول لـ“العرب” إن فضاء المعرفة الواسع هو الطريق الوحيد إلى مستقبل شعوب المنطقة مجتمعة. (في الصورة كامل يحاضر بجوار المفكرين صادق العظم ونصر حامد أبوزيد)

مكتبة الإسكندرية قررت مؤخرا، وبعد سنوات طويلة من تجاهل ومحاصرة مشروع كامل، أن تكرم الرجل وتتيح أعماله للقراء العرب. فأصدرت كتابه “اليهود العرب في إسرائيل ـ رؤية معرفية” بعد أن قامت بترجمته شيرين القباني الباحثة الأكاديمية بمكتبة الإسكندرية. الكتاب الذي شكلت مصادره البحثية والأرشيفية والميدانية مادة غنية وكبيرة جدا.

وإلى جانب الوثائق الأرشيفية مثلت الكتابات المختلفة للكثير من الشخصيات الإسرائيلية، ومن بينها شخصية مؤسس إسرائيل ورجلها القوي دافيد بن غوريون مصدرا أساسيا لتقديمها كرؤية نقدية لقيام الدولة العبرية. و”هي تكشف الكثير من جوانب حياة هذا الرجل وكيفية انتقاله من بولندا إلى فلسطين ومراحل تكوين وتبلور فكره السياسي وكيفية صياغته للصهيونية الاشتراكية وبناء هيمنة صهيونية، أشكنازية، يسارية على المجتمع الإسرائيلي”.

يقول كامل إنه أخذ بعين الاعتبار خطب بن غوريون التي كانت تعكس وجهات نظره في كافة الجوانب تقريبا سواء السياسية، الاقتصادية، العسكرية، الهجرة، الفن، الفلسفة والإعلام. فبن غوريون “لم يعتبر نفسه رجل دولة فحسب، وإنما اعتبر نفسه بمثابة فيلسوف سياسي ومجتمعي إن صحّ التعبير، لذا فقد التقى بصورة منتظمة مع الفلاسفة والكتاب والشعراء الصهاينة مثل على سبيل المثال يحزقيل كاوفمان وناتان ألترمان”.

وفي نهاية خمسينات القرن العشرين احتفى مثقفو نظام الهيمنة الأشكنازية ببن غوريون. وأصبحت صفات بن غوريون “كالرجل العظيم”، “المخلص” و”المنقذ” جزءا من الخطاب الثقافي في إسرائيل. وتعكس رسالة من عام 1957 هذا النبرة الحماسية لمثقفي إسرائيل، خاصة من الكتاب. في هذه الرسالة يكتب إليعازر سمولي لبن غوريون ما نصه “نحن نصلي من أجل خيرك ونحن فخورون بك. ونحن ننظر إليك على أنك رمز للخلاص والاستقلال ونزين بيوتنا ومدارسنا بصورك، نصورك على أنك حامل راية التحرر والاستقلال. نحن نسرد لأطفالنا قصصا عنك، ونظهرك على أنك مثال للتحمس، للعدالة، للإنصاف، للتضحية بالنفس، للصدق وللإيمان”.

وهكذا صبغ بن غوريون الذهنية العامة الإسرائيلية بصبغة أفكاره.

انتفاضة اليهودية الإسلامية

مكتبة الإسكندرية تقرر وبعد سنوات طويلة من تجاهل ومحاصرة مشروع عمر كامل، أن تكرم الرجل وتتيح أعماله للقراء العرب
مكتبة الإسكندرية تقرر وبعد سنوات طويلة من تجاهل ومحاصرة مشروع عمر كامل، أن تكرم الرجل وتتيح أعماله للقراء العرب

تقوم رؤية كامل على الحفر في كيفية تشكل المجتمع العربي اليهودي في إسرائيل، وكيف تمت الهجرة، أو التهجير، ذات يوم من البلدان الأصلية في العالم العربي. وهؤلاء إنما هم من حملة الثقافة العربية الإسلامية أساسا، كما يقول، ولكن جرى نقلهم إلى بيئة تتشكل بصورة غربية أوروبية تهيمن عليها ذهنية الأشكناز الغربيين. الملف الذي يسميه كامل في أبحاثه دراسة العلاقة التاريخية بين يهود الشرق الإسلامي، أو كما أطلق عليهم “يهود الإسلام”، في مواجهة اليهود الأشكناز أو كما أطلق عليهم “يهود أوروبا المسيحية”.

 يختار كامل هذه اللغة ليعبر، كما يقول، عن واقع تاريخي، انعكس في “نشأة أسلوب حياة ديني يهودي تأثر ثقافيا ودينيا بأوروبا المسيحية، يعُرف بالمنهج الأشكنازي، ونمط حياة يهودي آخر، نشأ وترعرع في أحضان الثقافة العربية الإسلامية، وأخذ من عاداتها وتقاليدها الكثير، بحيث يمكن لنا أن نقول إننا وعبر تاريخ اليهود من الشتات إن هناك يهوديتين؛ يهودية إسلامية، ويهودية أوروبو-مسيحية”.

 يقول كامل إن الأدبيات الأيديولوجية الصهيونية “سوقت للدور التربوي للكيان الإسرائيلي في خلق إنسان يهودي جديد، أو كما عُرف في الرواية الصهيونية باليهودي الجديد (هايهودي ها حداش). ولكن مما لا شك فيه أنه كان من غير الممكن أن يكون اليهودي الجديد من يهود الشرق، الذي ترى فيه النخبة الأشكنازية، دونية حضارية، وعليه فقد جاء اليهودي الجديد في الغالب أشكنازيا، ويمثل ما يعرف في الكتابات الأدبية في العقود الأولى من حياة الدولة العبرية، باليهودي الأشكنازي الجديد في إسرائيل جديدة، عُرّفت في الدراسات الاجتماعية بإسرائيل الجميلة (يسرائيل هايافاه)، والتي كانت تتصدر كتابات الدعاية الصهيونية في خمسينات القرن الماضي، بينما قبع اليهودي الشرقي في إسرائيل أخرى موازية، لم يكن للعالم ان يراها، سُميت بإسرائيل الثانية (يسرائيل هاشنياه)، وبين إسرائيل الأولى (الجميلة) ممثلة في الأشكناز وإسرائيل الثانية (القبيحة) ممثلة في يهود الشرق”.

 حزب شاس كان هو الميدان الذي يعكس الظاهرة التي يبحث فيها عمر، إذ لا تتوفر لدى حزب شاس برامج حزبية أو وثائق يمكن أن توضح الهيكل الداخلي للحزب والمؤسسات الأخرى له. وعند التساؤل حول الوثائق كان رأي نواب الحزب، أن قدر الحزب كان في أيدي حاخام يمكن اعتبار كلماته وخطبه بمثابة وثائق وبرامج للحزب، إنه الحاخام عوفاديا يوسف الذي يرى فيه كامل “بن غوريون العربي”.

سحق اليهود العرب

لعبت المقابلات التي أجراها كامل مع بعض رجالات شاس دورا هاما. فقد زار معابد ومؤسسات اجتماعية خاصة بحزب شاس في ضاحية بُخارى في القدس وبني براك في تل أبيب.

 تمكن كامل من السكن في هاتين الضاحيتين ما أتاح له الفرصة لمراقبة الحياة اليومية لأتباع حزب شاس، بالإضافة إلى تكوين نظرة شاملة عن حياتهم وعالمهم الديني والاجتماعي، بل وأيضا ممارسات الطقوس والاحتفالات الدينية في المعابد الخاصة بالحزب.

إن تتبع تطور شخصية عوفاديا يوسف بتاريخه العصامي من حاخام بسيط من أصول عراقية، ومن ثم انتقاله للدراسة في المؤسسة الدينية الأشكنازية ومن ثم انقلابه عليها واستقلاله بحزب ديني شرقي، يسعى لإعادة الهيبة والمكانة للتراث اليهودي كما أسسه ووضعه حاخامات يهود الشرق، يعكس كيف اتبع اليهود الشرقيون كسائر يهود الإسلام، الفهم الديني اليهودي طبقا لقواعد العرف الديني كما أسس له حاخامات يهود الشرق الإسلامي مثل الفاسي وابن ميمون وجمعه الحاخام الشرقي يوسف كارو في كتابه عن السنن والأعراف اليهودية والمعروف باسم المادة المُعدة “شولحان عاروح”، بينما اتبع اليهود الأشكناز سننا وأعرافا يهودية نشأت في أوروبا المسيحية وجمعها الحاخام البولندي موسيس إيزرلس، في كتاب للسنن والأعراف اليهودية تحت عنوان مفرش المائدة “مابا”.

ويرى الحاخام عوفاديا يوسف أن اليد العليا دينيا وثقافيا في إسرائيل يجب أن تنتقل من اليهود الأشكناز إلى اليهود الشرقيين. وبذلك تتضح الرسالة: فاليهودية “الإسلامية” والتي يتبعها اليهود الشرقيون تمثل الأصل في تاريخ اليهود، بينما تعتبر الأعراف والسنن الأشكنازية قد نقلت عن تراث اليهود الشرقيين وحرفت بما يتوافق مع عادات وتقاليد أوروبا المسيحية، ولذلك فالحياة الدينية كما يعيشها اليهود الأشكناز يغلب عليها التقليد وتفتقد للأصالة وبالتالي وطبقا للحاخام عوفاديا يوسف، يجب رفضها.

وحين اكتسح حزب شاس صناديق الاقتراع الإسرائيلية تعجبت شولاميت ألوني، حاملة الجائزة الإسرائيلية والعضو السابق في حزب ميرتس، من ذلك الفوز الانتخابي لحزب شاس. وقالت “كيف يمكن لهذا الكم من الجهل أن يختزن هذا القدر من السلطة. لقد ارتكزت الثورة الصهيونية بأكملها على العلمانية. فإذا ما نظرنا إلى اثنين من آباء الثورة، فايتسمان وجابوتنسكي، فقد كتب فايتسمان أن الدولة الصهيونية يجب أن تكون متسامحة ومستنيرة، وكان جابوتنسكي غربيا ليبراليا. أما ما أدى إلى شعور الناس بالإحباط وبالرغبة في وضع أنفسهم داخل فقاعة، هو أن كلا من أتباع فايتسمان وأتباع جابوتنسكي قد انشغلوا بالركض بأكثر الصور إهانة خلف هذا الخاحام المدعو عوفاديا يوسف وذلك الحاخام يتسحاك قدّوري”.

أعمال كامل تبدو كإبحار عميق بأشرعة قوية في اتجاهات خطرة
أعمال كامل تبدو كإبحار عميق بأشرعة قوية في اتجاهات خطرة

لكن عمر كامل يضيف إن رد الفعل اليهودي العربي كان مثيرا، وبصفة خاصة اليهود العراقيون، الذين كانوا أعمق اليهود العرب تغلغلا في الحضارة العربية، وجدوا أنفسهم بين حجري الرحى. فقد كان ينظر إليهم على أنهم من حضارة أدنى شأنا، ومن ثم فهم درجة دُنيا من البشر. وفي ذات الوقت لم يكن باستطاعتهم الدفاع عن ثقافتهم، لأنها كانت ثقافة الأعداء. في الواقع كان يُطلب منهم تحقيق توازن دقيق للغاية: القيم التي نقلوها معهم على أنها أشياء يجب الدفاع عنها ومن ثم فهي تستحق كل احترام وتقدير وإن كانت قيم الأعداء. وهكذا كانوا في بيوتهم يستمعون إلى الموسيقى العربية ولكن إذا ما ظهر جارهم الأشكنازي أمام أبواب بيوتهم، سارعوا بغلق جهاز الراديو.

يقول شمعون بلاص الروائي اليهودي المولود في بغداد “أنا إسرائيلي، لدي هوية إسرائيلية، أكتب باللغة العبرية. وأنا أنتمي إلى هنا. إلا أن ذلك لا يعني أن أتنازل عن جذوري الثقافية، وجذوري الثقافية عربية. ومن هذا المنظور فأنا لا أختلف في أي شيء عن أي عربي آخر، سواء كان مسلما أو مسيحيا. إذن فلماذا الدهشة حينما أعلن وأقول إنني يهودي عربي. دائما ما يقال لي إنني عراقي. فأين يقع العراق؟ هل هو جزء من القمر؟”.

عصر الأحوتسليم

عمل كامل الموسع يمتد ليشمل حزمة هائلة يقدمها بين يدي القارئ اليهودي والعربي معا. من ذلك ما أثرى أستاذ العلوم الاجتماعية الإسرائيلية باروخ كيمرلينغ به العلوم الاجتماعية الإسرائيلية بمصطلح جديد، فهو قد تحدث عن “الأحوتسليم”. والمصطلح عبري ويتكون من الحروف الأولى لصفات من شارك في الهيمنة: أشكنازيم (يهود أوروبيون)، حيلونيم (علمانيون)، فاتيقيم (المستوطنون القدماء)، زوتسياليستم (اشتراكيون) وليئوميم (قوميون). فإذا ما تأملنا هذه المفاهيم بصورة أكثر دقة، لوجدنا أن حاملي لواء الهيمنة كانوا من الأشكناز، إلا أن ذلك لا يستبعد وجود صفوة من اليهود السفارديم أيضا الذين تبنوا النظام الهيمني الصهيوني وتكيفوا معه.

أعمال كامل تبدو كإبحار عميق بأشرعة قوية في اتجاهات خطرة، لم تتمكن المؤسسات البحثية العربية من التقاط أهميتها الاستراتيجية، فهو يقدم من خلالها رؤية للداخل الإسرائيلي، وهذا على مستويين؛ الأول معالجة لقضية رؤية الصهيونية للشرق، من خلال علاقة الأشكناز بالسفارديم. وثانيا محاولة أخذ القارئ إلى رحلة في عمق المجتمع الإسرائيلي، لا لشيء، بل ليمهد لأرضية معرفية، يمكن للباحثة والباحث العربي، الوقوف عليها من أجل دراسة الآخر الإسرائيلي. وسط الأصوات التي تتعالى في عالمنا العربي، ما بين مؤيد للسلام مع إسرائيل. ووسط الحديث عن صفقة قرن وغيرها.

أخيرا يقول كامل لـ”العرب” إنه كثيرا ما يتذكر فكرة الكاتب إسحاق دويتشر الذي كتب مرة إن الحكاية تشبه بيتا من طابقين، احترق الطابق الأعلى منه، فقفز ساكن الطابق الثاني (اليهودي الأوروبي) هربا من النيران، ليجد نفسه وقد سقط فوق كتفي ساكن الطابق الأرضي (العربي)، وعند هذا استمر الذي سقط ينظر إلى الحريق في الأعلى دون أن ينتبه إلى ما يفعله بمن تحته، بينما بقي الذي تحته ينظر إلى الأرض في الأسفل ولا يفكر إلا بالخلاص ممن فوقه. ولذلك لا يرى كامل نفسه في هذا العالم سوى “خوجة” كما يحب أن يقول، نذر نفسه للتعلّم والتعليم. مؤمناً أن فضاء المعرفة الواسع هو الطريق الوحيد إلى مستقبل العرب واليهود معا ليتخلصوا من هذا الهولوكوست المزمن. ولا ينسى عمر كامل التذكير بالفيلسوف اليهودي مارتن بوبر الذي كتب ذات يوم في الجويش نيوز ليتر ما نصه حرفيا “لقد آثر معظم اليهود أن يتعلموا من هتلر بدلا منا. لقد أظهر لهم هتلر أن التاريخ لا يصنعه الفكر وأهله، إنما القوة، فإذا ما كان الأشخاص لديهم القوة بدرجة كافية، فيمكنهم أن يقتلوا بقسوة الملايين من الأشخاص بالقدر الذي يريدون”.

12