عمليات التجميل تتزايد، كياسة الرجال تتراجع

انتقل هوس تغيير المظهر أو ما يعبر عنه بـ”النيولوك” خلال السنوات الأخيرة من السيدات إلى الرجال تأثرا بالعولمة وروافدها، التي أذابت الفروق الشكلية بين الجنسين وغيرت الكثير من مفاهيم الرجولة التي ظلت سائدة حتى وقت قريب.
الاثنين 2015/11/16
أغلب الرجال يقبلون على جراحات تجميل الوجه ولا يهتمون بشفط دهون البطن

بعدما كان التجميل بالنسبة للرجل مقتصرا على ارتياد صالون متخصص ليلة زفافه لمرة واحدة في العمر، أصبح “الجنس الخشن” الآن ينافس النساء على ارتياد صالونات التجميل للقيام بأقنعة تنظيف الوجه وملمع الشفاه وصبغة الشعر وكريمات التجاعيد.

والأدهى أن الرجال تحولوا إلى زبائن للعيادات المتخصصة في شفط الدهون وإزالة تجاعيد الوجه، وما إلى ذلك من جراحات ارتبطت في أذهان الكثيرين بالجنس اللطيف.

وكشفت إحصائيات حديثة أن نسبة مرتادي عيادات التجميل من الرجال ارتفعت بنسبة 35 بالمئة في السنوات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلا عما إذا كانت هذه الهجمة التجميلية للرجال هدفها فعلا تحسين المظهر أم أنه تقليد أعمى لتقاليع لا تمت للمجتمعات الشرقية بصلة؟

الدكتور أمجد صلاح عفيفي استشاري جراحات التجميل قال لـ“العرب” إن زبائنه من الرجال في ازدياد ملحوظ منذ فترة، مشيرا إلى أن أغلب من يلجأون إليه يرغبون في الحصول على شكل أصغر سنا وأكثر وسامة، من أجل الزواج مرة ثانية أو ثالثة وهكذا، فهم يعتقدون أن أناقتهم ومظهرهم لهما دور كبير في إضفاء جاذبية عليهم أمام الجنس الآخر.

وعلى الرغم من عدم تواجد إحصائية دقيقة عن الفئة الأكثر إقبالا على عمليات التجميل، إلا أن عفيفي قال إن زبائنه من الرجال تتراوح أعمارهم ما بين 33 - 65 عاما، ومنهم من يأتي لعيادته لشفط الدهون ويطلب إعادة حقنها في الوجه لإزالة التجاعيد وإعادة شباب الوجه ونضارته. وهناك من يريد إخفاء آثار ندوب وإزالة آثار حب الشباب بالليزر وتوحيد لون البشرة، وقليلون هم من يطلبون شد البطن، وتجميل الجفون وتغيير شكل الأنف عندما يكون به عيوب خلقية.

أما أكثر الجراحات التي يخضع لها الرجال لتحسين مظهرهم فهي حقن البوتكس التي تصدرت أعلى نسبة بحسب استطلاع إلكتروني قامت به الجمعية الأميركية للجراحة التجميلية على الإنترنت، ويليها التنعيم الكريستالي، وحقن الكولاجين، وإزالة شعر الصدر بالليزر، والتقشير الكيميائي.

إحصائيات تكشف ارتفاع مرتادي العيادات التجميلية من الرجال بنسبة 35 بالمئة

مقولة أن الرجال باتوا ينافسون النساء في استخدام أدوات التجميل، واتباع صيحات النيولوك، خاطئة كما تقول غادة سليم خبيرة التقاليد والعادات، حيث أن الرجل عرف استخدام مساحيق التجميل منذ فجر التاريخ وهذا يظهر بوضوح عند الفراعنة.

لكن الجديد الذي تراه سليم هو المبالغة والإفراط في التركيز على الجمال الخارجي للرجل، موضحة لـ”العرب” أنها ثقافة فرضتها وسائل الإعلام والإعلان بهدف تسويق مواد التجميل، وتلك الثقافة تجسدت في الصورة فغيرت مقومات أساسية في سيكولوجية الرجل، من حيث نظرته إلى صورة جسده وشكله. من هنا ظهرت بوضوح “عقدة الخواجة” وتجسدت محاكاة الغرب كحالة نفسية تعكس التبعية، ومن ثمة تقمص كل ما ينتجه من باب التماهي للتخلص من الدونية اللاشعورية وتحقيق نوع من المساواة الوهمية في المظهر.

كما أكدت خبيرة العادات، أن التقليد الذي يؤدي إلى تجديد وتغيير شكل الإنسان الخارجي بتلك الصورة التي يظهر عليها شباب هذه الأيام لا يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا، فالتغيير يجب أن يكون في شخصية الرجل وسلوكه. أما الرجل الذي يدمن التردد على عيادات التجميل فتراه الأخصائية النفسية علياء أبوالعينين، مهزوزا ومترددا وليس لديه ثقة بنفسه.

وقالت لـ“العرب” إن “التجميل عندما يصبح هاجسا متواصلا وينتقل من جزء لآخر في جسد الرجل، يكون دليلا قويا على سطحيته، فمستحضرات التجميل ضرورية لتقويم عاهة أو تشوه خلقي، أما إذا كان الهدف منها تغيير الشكل، والجري وراء الجمال والموضة فهذا غير طبيعي”.

التجميل عندما يصبح هاجسا متواصلا وينتقل من جزء لآخر في جسد الرجل، يكون دليلا قويا على سطحيته

وأرجعت علياء هذا الهوس لخلل نفسي في ذات الإنسان، قد يكون ناتجا عن رواسب في فترة الطفولة، وتتعزز في مرحلة المراهقة التي يكون فيها الشخص أكثر عرضة للانحراف السلوكي والشذوذ النفسي، وقد يصاب بحالة من عدم الرضا عن الذات فيلجأ للاهتمام بالظهور بشكل جديد وغريب لتعويض ذلك. وأضافت أن ذلك يكثر عندما يكون هناك فجوة ما بين الشباب والمجتمع تقودهم بدورها إلى فراغ نفسي يجعلهم يرون أن السبيل الوحيد للفت النظر إليهم هو الظهور بشكل شاذ.

وتساءلت علياء لماذا أن فكرة النيولوك ترتبط بالشكل الخارجي وتغييره ونادرا ما تتطرق إلى الأفعال والأعمال، مع اعترافها بأن تجديد الشكل أمر مرغوب ومهم، على أن يكون بطريقة إيجابية، فالمجتمعات الشرقية تحتاج إلى ثورة “نيولوك” لكن للروح التي إن حدثت ستضفي رونقا على المظهر الخارجي؟ الطريف أن أغلب الفتيات اللاتي التقتهن “العرب” أبدين اعتراضهن على عمليات التجميل التي يقوم بها الرجال دون سبب مرضي، وتلك الهيئة المزرية والغريبة التي يظهر بها شباب اليوم.

وكشفن أن الرجال لا يعيبهم أبداً مظهرهم، فالجمال مرتبط بالنساء بشكل أساسي، أما الرجل فجماله في طبيعته الخشنة وبدون أن يعتدي على مستحضرات حواء التجميلية، لأن ذلك الاعتداء لا يعكس في نظرهن سوى أن الرجل مريض بعدم الثقة وضعف الشخصية التي تجعله أسيرا للتقليد الأعمى، ولو كانت هناك اهتمامات جادة لدى الشباب لما استهلكوا المال والوقت لتغيير مظهرهم الخارجي بحجة التمدن والتحرر.

لكن هناك من يعترض على تنافي فكرة الرجولة مع استخدام أدوات التجميل للمحافظة على البشرة والمظهر، فالرجولة تصرف وشهامة ومواجهة صعاب الحياة، وليست يدين متشققتين وشعر أشعث وملابس غير لائقة.

وقال صلاح عبدالله خبير طب التجميل لـ“العرب”، إن الاهتمام بالمظهر يعتبر مكملا لشخصية الإنسان والشباب يجب أن يحافظوا على بشرتهم ومظهرهم، وأن يسايروا خطوط الموضة العالمية مع مراعاة اختيار ما هو مناسب لشكلهم وإمكانياتهم المادية، فالجمال مطلوب لكن بحدود لا يجب تجاوزها، والإنسان قد يكون شكله جميلا ويرتدي ملابس تساير الموضة، لكن في نفس الوقت بتكلفة بسيطة ولا تخرج عن عادات المجتمع وتقاليده وهذا الشكل البسيط يدعم ثقته بنفسه، فلجوؤه للبساطة وعدم التكلف دليل قوي على أنه يمتلك فكرا جيدا وهدفا يسعى لتحقيقه.

21