عمليات النهب والترهيب تكشف بعدا آخر للتدخل التركي في عفرين

المجتمع الدولي محرج إزاء عجزه عن وقف اندفاعة أردوغان، وفصائل المعارضة تتبرأ من ممارسات المقاتلين السوريين الموالين لأنقرة.
الثلاثاء 2018/03/20
على خطى داعش

دمشق – أثارت صور وشهادات عن عمليات سرقة ونهب لممتلكات خاصة وعامة وتحطيم تماثيل وترهيب مدنيين عزّل على أيدي القوات التركية والمقاتلين السوريين الموالين لها في مدينة عفرين صدمة في العالم، كاشفة، وفق نشطاء حقوقيين، زيف الخطاب التركي الذي حاول يائسا التسويق لمشروعية تحركه في هذه المنطقة والتي تندرج حسب قوله ضمن حماية أمنه القومي وإنقاذ سكان المنطقة من قبضة “الإرهابيين” الأكراد، مع أن عفرين ذات غالبية كردية.

وكانت القوات التركية وفصائل المعارضة السورية الموالية لها قد سيطرت الأحد على مدينة عفرين في شمال سوريا إثر عملية عسكرية استمرت نحو شهرين وأسفرت عن مقتل أكثر من 1500 مقاتل من وحدات حماية الشعب الكردي، فضلا عن المئات من المدنيين.

ورغم أن السيطرة على عفرين حققت أهدافها المعلومة، وهو إسقاط طموح الأكراد في تشكيل إقليم حكم ذاتي، بيد أن الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يستشعر اليوم حالة من القوة وتضخم “الأنا” لا يبدو أنه بصدد التوقف، حيث تعهد الاثنين بتوسيع العملية في سوريا إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الأكراد وصولا إلى الحدود العراقية.

محمد علوش: ما حدث من سرقة للممتلكات في عفرين جريمة وسقوط أخلاقي
محمد علوش: ما حدث من سرقة للممتلكات في عفرين جريمة وسقوط أخلاقي

وقال في إشارة إلى المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب “سنستمر في هذه العملية الآن إلى حين القضاء بشكل كامل على هذا الممر الذي يشمل منبج وعين العرب (كوباني) وتل أبيض ورأس العين والقامشلي”.

ويطرح مراقبون نقاط استفهام كبرى حول مدى واقعية هذا الطموح الأردوغاني، خاصة وأن المناطق التي يتوعد بشن حملة عليها وعلى خلاف عفرين توجد بها قوات وقواعد أميركية، وهذا الأمر قد يجرّه إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، في ظل صعوبة التوصل إلى اتفاق معها بشأنها، فهل هو قادر عمليا على ذلك؟

ويرى مراقبون أن ما حصل من فظاعات في عفرين والتي صدمت العالم، سيجعل من الصعب على المجتمع الدولي المحرج القبول بتوسيع العملية لتشمل مناطق جديدة.

وتخللت عملية السيطرة على عفرين عمليات فرار جماعية للآلاف من المدنيين باتجاه أرياف حلب خوفا من القوات التركية والمقاتلين السوريين الموالين لها الذين عمدوا إلى سرقة مواد غذائية وأجهزة إلكترونية وآلات فلاحية وسلع أخرى من المحال والمنازل التي تركها أصحابها، وفق ما ذكره مراسلون والمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وقام المقاتلون بإحراق أحد متاجر المشروبات الكحولية وأقدموا على تدمير تمثال “كاوا الحداد” الذي يُعد رمزا للشعب الكردي، هاتفين “الله أكبر”، في تصرف يذكر بأفعال تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.

وقال بروسك حسكة، المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، الاثنين “إن القوات التركية والمقاتلين الموالين لها نهبوا المنازل وحرقوا المؤسسات، وحطموا تماثيل الرموز، تماما كما فعل مسلحو داعش في المناطق التي كانوا يجتاحونها”.

وتعيد مشاهد النهب والسرقة في عفرين إلى الأذهان، ما حدث في العام 2013، حينما سيطرت فصائل سورية موالية لتركيا على الجزء الأكبر من حلب التي تعد العاصمة الاقتصادية لسوريا، حيث قامت تلك الفصائل بعمليات سرقة ممنهجة استهدفت أساسا مصانع المنطقة، حيث تقدر الإحصائيات بأن نحو 1500 مصنع نسيج وأحذية وأدوية تم تفكيكها وتهريبها إلى داخل الأراضي التركية، في خطوة بدا واضحا أنه تقف خلفها المخابرات التركية للقضاء على منافس صناعي لطالما شكل مصدر إزعاج.

وعادة ما ترفع أنقرة شعارات رنانة لتدخلاتها في سوريا، ففي حلب زعمت أن دعم الفصائل هو من باب الواجب للخلاص من نظام “أقلوي دكتاتوري” ولكن الغاية الأساسية كانت تكريس موطئ قدم ثابت لها في المحافظة التي لطالما اعتبرتها جزءا منها.

وفي تدخلها العسكري الأول في العام 2016 في شمال سوريا تحت عنوان عملية “درع الفرات” تحجّجت أنقرة بمقارعة تنظيم الدولة الإسلامية بيد أن ذات الهدف هو ما يحرك النوازع التركية وهو التمدد في شمال سوريا بالتوازي مع ضرب العدو التاريخي أي الأكراد، ومنعهم من تحقيق طموحهم بحكم ذاتي.

ويقول مراقبون إن ما حدث في العملية العسكرية الأولى التي لم تدم سوى بضعة أشهر كان عبارة عن “مسرحية سيئة الإخراج” ذلك أن المناطق التي افتكتها القوات التركية من داعش مثل جرابلس والراعي وغيرهما هي في الأصل تخضع لنفوذها وما حصل ليس سوى عملية تسليم وإعادة تدوير لهؤلاء الجهاديين ودمجهم في فصائل جديدة تحت غطاء الجيش الحر، لتولي مهام عملياتية في جبهات جديدة.

وأكدت ممارسات المقاتلين السوريين في عفرين، الأنباء التي تحدثت عن أن هؤلاء العناصر ليسوا سوى متطرفين جزء منهم كان ينتمي لداعش وآخر ينتمي للنصرة فيما البقية ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، وقد أعلن أكثر من فصيل سوري عن تبرّئه من أفعالهم التي شوّهت المعارضة السورية وأظهرتها في ثوب مجموعة من المرتزقة تعمل لحساب الغير.

وقال القيادي في فصيل جيش الإسلام المعارض، أبرز فصائل الغوطة الشرقية، محمد علوش في تغريدة على موقع تويتر فجر الاثنين “ما حدث من نهب وسرقة للممتلكات الخاصة والعامة في عفرين جريمة وسقوط أخلاقي لمن قام به ومعاذ الله أن نقبل بالظلم والفساد”.

وأكد علوش، وهو عضو في هيئة التفاوض السورية المعارضة، “يجب الضرب بقوة على يد كل من شارك في هذا الفساد الذي أساء للثورة وللسوريين ومحاكمتهم ومعاقبتهم فورا وإرجاع الحقوق إلى أصحابها والاعتذار منهم وتعويضهم عن الضرر”.

واعتبر القيادي السابق في الائتلاف السوري المعارض عبدالباسط سيدا “أن تحطيم تمثال كاوا الحداد في عفرين ونحن على أبواب نوروز، ونهب المحلات والبيوت، أخلاقية مكروهة بغيضة لا تؤسس لمشروع وطني بكل السوريين ولكل السوريين”.

وكاوا الحداد هو البطل الأسطوري الذي قاوم الملك الفارسي الظالم “زوهاك” (أي التنين أو الأفعى الكبيرة بالكردية) وانتصر عليه، ويملك رمزية كبيرة لدى \الأكراد.

ويقول نشطاء أكراد إن ما حدث في عفرين هو سقطة أخلاقية جديدة من سقطات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يستشعر اليوم حالة من النصر من المؤكد أنها ستنقلب ضده في ظل وجود أعداء كثر له على الساحة السورية، وقد تتحول إلى كابوس استنزاف طويل.

وكانت الوحدات الكردية قد تعهدت بتحويل عفرين إلى كابوس بالنسبة “للغزاة” الجدد وأنها ستشن حرب استنزاف ضدهم.

2