عملية السلام في مالي رهينة الإرهاب وتجارة المخدرات

الأربعاء 2015/09/30
أينما وجدت الجماعات المتطرفة ازدهرت تجارة المخدرات

باماكو - لطالما شكّلت بلدة أنيفيس، شمال مالي، حلبة صراع بين الجماعات الأزوادية المسلحة والحركات الموالية للحكومة المركزية في العاصمة باماكو.

وفي حين يعتبر الإرهاب الذي تمارسه العديد من الجماعات المتطرفة الناشطة في المنطقة معرقلا أساسيا لعملية السلام، إلاّ أنّ تجارة المخدرات والأنشطة التجارية غير القانونية التي تمارسها العصابات كذلك تمثل معرقلا أساسيا آخر لا يجب التغافل عنه.

وقد جعل النزاع الدائر من منطقة شمال مالي عموما وفي قرية أنيفيس خصوصا، رهانا استراتيجيا هاما تسعى مختلف أطراف الصراع إلى كسبه، خصوصا وأنّها تشكّل الضلع الرابع لتجارة المخدّرات المـارّة أيضا عبر مدن تابانكورت ومينـاكـا وآنسونغـو. وهو ما أهّلها لأن تكون مفتـرق طرق تلتقي عنده جميع المخاطر، وعقبة أمـام مسـار السـلام المالي، حسب قراءات متفرّقة لعـدد من الخبـراء.

ألكسيس كالامبري، المحلّل الجيوسياسي والمختصّ في المسائل الأمنية بالشريط الساحلي والصحراء، قال إنّ “مناطق الشمال المالي عموما، بدءا بأنيفيس، لا يعرف لها سيّد، فالمعروف هو أنّ زعماء الحرب الضالعين في الإرهاب يضعون أيديهم على جميع الأنشطة غير القانونية لتمويل مجموعة مسلّحة معيّنة والحفاظ على بقائها، وهذه الأخيرة لا تقاتل من أجل مبادئ أو قيم معيّنة، وإنّما كلّ ما يهمّها هو الحصول على مبلغ من المال بشكل يومي”.

وأضاف أنّ “المخدّرات والتجارة غير المشروعة تعدّ من بين أبرز الأسباب الكامنة وراء المعارك التي اندلعت مؤخرا في أنيفيس، فمجموعات الطوارق، إيمغاد للدفاع الذاتي وحليفاتها غاتيا وهي مجموعات مسلحة من الطوارق موالية للحكومة، وتنحدر عناصرها من أنيفيس، تأبى الانسحاب من مجال تعتبره تابعا لها، لصالح تنسيقية الحركات الأزوادية، وهي مجموعات مسلحة من الطوارق، تدير على مرأى ومسمع من الجميع أنشطة تجارية غير مشروعة تشمل المخدّرات”.

قراءة يؤيّدها قائد البعثة الأممية لتحقيق الاستقرار في مالي مينوسما، منجي حمدي، الذي أشار إلى أنّ “ما يهمّ بعض العناصر التابعة للمجموعات المتمرّدة المسلّحة هو تأمين مسالك تجارة المخدّرات، وهذا ما يجعل عملية السلام رهينة لتلك المجموعات”.

وهذه الخلاصة لقيت بدورها دعما من قبل ملحق عسكري لإحدى السفارات الغربية في باماكو، خيّر عدم الكشف عن هويته لأسباب دبلوماسية، حيث قال إنّ “تجارة المخدّرات تعتبر، وبلا أدنى شكّ، أحد أبرز العراقيل التي ينبغي تجاوزها في مسار السلام بمالي”.

الدبلوماسي الغربي لفت أيضا إلى أنّ “المسار المار من شمالي مالي يقدّم لعصابات أميركا الجنوبية مزايا مزدوجة، فهو يمنحهم فرصة تجنّب المراقبة المتزايدة للسلطات الأميركية قبالة منطقة البحر الكاريبي، والاستفادة، في الآن نفسه، من عدم الاستقرار السياسي والفساد المطبقين على العديد من بلدان غرب أفريقيا، وذلك مرورا عبر المحيط الأطلسي نحو القارة السمراء”.

وأضاف قائلا “جميع المعلومات المتوفّرة لدينا تخلص إلى أنّ السيطرة على مسالك تجارة المخدّرات هي التحدّي الأبرز الذي تسعى المجموعات المسلحة لكسبه، وهي بالتالي سبب استئناف الأعمال العدائية بين تنسيقية الحركات الأزوادية والحركات الموالية للحكومة”.

الوكالة الفرنسية للتنمية ذكرت، بدورها، في تقرير صدر مؤخرا، أنّ “شمالي مالي أصبح، خلال بضع سنوات، المحور العالمي الجديد لتجارة الكوكايين نحو أوروبا، فمن أصل الـ 200 إلى 250 طنا من الكوكايين المنتج في كولومبيا والبيرو وبوليفيا، والموجّه نحو السوق الأوروبية، نقدّر اليوم، أنّ ما بين 50 إلى 70 طنا تمر عبر غرب أفريقيا”.

ولئن لم يتطرّق التقرير إلى الدور الذي تلعبه المجموعات المسلّحة في نقل المخدّرات، إلا أنه أوضح أنه “من المحتمل أن توفّر تلك المجموعات الدعم العسكري اللازم عبر ترخيص المرور عبر أراضيهم لقاء اقتطاع الضرائب، وتوفير حماية عسكرية للمهرّبين بمقابل مادي”.

ومن جهتها، ذكرت صحيفة “إكسبراس” الفرنسية نقلا عمّن وصفته بـ“مصدر أمني رفيع المستوى”، أنّ “مجموعة مسلّحة في مالي تحصل شهريا على 300 ألف دولار، لقاء حراستها لقوافل انطلاقا من الشمال الشرقي للبلاد وصولا إلى النيجر، ثم نحو شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسّط، في اتجاه أوروبا”.

7