عملية "المغيلة" تؤكد أن المعركة ضد الإرهاب مازالت طويلة في تونس

أعادت العملية الإرهابية التي ذهب ضحيتها عسكري تونسي في جبل “المغيلة” من محافظة القصرين بغرب البلاد، تسليط الضوء من جديد على خطر الإرهاب الذي يتربص بالبلاد، لجهة التأكيد على أن كسب المعركة ضد هذه الآفة مازال طويلا، ويستوجب استراتيجية شاملة وعامة.
الاثنين 2016/11/07
خسائر الجماعات الإرهابية وراء تغيير تكتيكها

تونس – تضمنت تصريحات سابقة للبعض من المسؤولين التونسيين تأكيدات على أن تونس “كسبت معركتها ضد الإرهاب”، ورغم ذلك أعلنت وزارة الدفاع التونسية عن مقتل جندي ليلة السبت-الأحد، في عملية إرهابية بجبل “المغيلة”، هي الثانية من نوعها منذ تولي يوسف الشاهد رئاسة الحكومة في نهاية شهر أغسطس الماضي.

وفي تفاصيل هذه الجريمة التي جاءت على شكل عملية اغتيال مدروسة لا تخلو من الاستعراض، عمدت مجموعة إرهابية إلى اقتحام منزل أحد الجنود التونسيين بمنطقة “الثماد” المحاذية لجبل “المغيلة” من محافظة القصرين المجاورة للحدود مع الجزائر، وقتله برصاصتين في الرأس أمام أفراد عائلته.

وبحسب تقارير إعلامية تونسية، فإن الإرهابيين الذين قُدر عددهم بنحو 15 فردا، لم يكتفوا بذلك، وإنما عمدوا أيضا إلى ذبح هذا الجندي، وذلك في عمل استعراضي إجرامي تضمن رسائل مُغمدة بالدم بات يتعين على السلطات التونسية والخبراء الأمنيين تفكيك معانيها لا سيما في هذا الوقت الذي تستعد فيه تونس لعقد مؤتمر دولي حول الاستثمار تُعلق عليه آمالا كبيرة لإنعاش اقتصادها المُتعثر.

ومع ذلك، تعاطت وزارة الداخلية التونسية بحذر شديد مع هذه الجريمة، حيث تجنبت وصفها بالإرهابية بانتظار نتائج التحقيقات التي بدأتها لمعرفة الدوافع الكامنة خلفها، خاصة وأن هناك تأكيدات بأن أحد أقارب الجندي كان ضمن المجموعة الإرهابية، وهو الذي قام بتنفيذ هذا العمل الإجرامي.

وشكلت مُسارعة تنظيم داعش إلى تبني هذا العمل الإجرامي، تطورا لافتا في مجريات هذا العمل الإرهابي، حيث ذكرت وكالة أعماق التابعة لداعش في تدوينة نشرتها الأحد، على حساب (تلغرام)، أن مصدرا أمنيا من داعش أكد لها “اغتيال جندي تونسي في منزله على أيدي مقاتلين من الدولة الإسلامية” بجبل “مغيلة” بغرب تونس.

أكثر من 15 مسلحا يقتحمون منزلا غرب تونس، ويعمدون إلى اغتيال جندي ثم ذبحه في عمل استعراضي إجرامي

ورغم الغموض الذي أحاط بهذه التدوينة، لا يستبعد الخبراء الأمنيون أن يكون تنظيم داعش الإرهابي وراء هذا العمل الإجرامي، باعتبار أن منطقة جبل “المغيلة” التي تمت فيها هذه العملية الإرهابية، وفقا لتقديرات المؤسسة الأمنية التونسية، ينشط فيها أفراد تنظيم داعش، بينما ينشط أفراد تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” في بقية الجبال المحاذية، منها جبل “السلوم”.

ورأى البعض منهم أن هذا العمل الإرهابي يدفع إلى إثارة أكثر من سؤال حول توقيته، والتكتيك المُتبع في التنفيذ الذي كشف عن أسلوب جديد، يبتعد من حيث الشكل عن تكتيك “الذئاب المنفردة” الذي عُرف به هذا التنظيم الإرهابي خلال الأشهر الماضية.

وفي سياق التوقيت، لم يتردد البعض في الربط بين هذا العمل الإرهابي، والدعوة التي وجهها زعيم داعش أبوبكر البغدادي إلى أنصاره بالتحرك في مختلف أنحاء العالم للرد على الهجوم الذي يستهدف تحرير الموصل في العراق.

وكان “خليفة داعش” أبوبكر البغدادي قد ظهر في الثالث من الشهر الجاري، على وقع تقدم القوات العراقية، مدعومة بطيران التحالف الدولي في معركتها لاستعادة الموصل، التي أطلقت في 17 أكتوبر الماضي، ليشد “عزيمة” مقاتليه، ويستنهض الانتحاريين، عبر دعوة من وصفهم بـ“قوافل الاستشهاديين” إلى تحويل الدماء أنهارا.ودعا في تسجيل صوتي امتد لأكثر من نصف ساعة، تم بثه على شبكة الإنترنت، أنصار داعش إلى شن هجمات على الدول الأخرى، قائلا إن على المسلحين الانتحاريين أن “يضجوا مضاجع الكافرين، ويعيثوا فسادا في أرضهم، ويجعلوا دماءهم تسيل أنهارا”.

وبعد هذه الدعوة، تم اغتيال رجل أمن في مدينة قسنطينة بشرق الجزائر بطريقة استعراضية، يُعتقد أن مُسلحي داعش هم الذين نفذوها، ثم تأتي العملية الإجرامية في منطقة “المغيلة” بغرب تونس.

غير أن المتابعين لنشاط هذا التنظيم الإرهابي الذي مازال يبحث عن موطئ قدم له في تونس، لا يميلون كثيرا إلى هذا الربط الذي قد يكون فرضه عامل الوقت، ويذهبون إلى القول إن ما تم في تونس يؤشر على أن نشاط الجماعات الإرهابية بدأ يتراجع بالنظر إلى الخسائر التي لحقت بها خلال الأشهر الماضية.

وتكاد القراءات الأمنية تُجمع على أن الجماعات الإرهابية الناشطة في غرب تونس، أصبحت غير قادرة على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية على غرار تلك التي نفذتها خلال العام الماضي، وخاصة منها تلك التي استهدفت متحف باردو في 18 مارس، وفندق أمبريال في 26 يونيو، بسبب الضربات المتعددة التي تلقتها.

وتدعم الأحداث التي عرفتها تونس خلال الفترة الماضية مثل هذه القراءات، ذلك أن غالبية الاعتداءات الإرهابية التي نفذها الإرهابيون بعد تلك العمليات الخطيرة، تمت في مناطق ريفية و جبلية محاذية للحدود، ما يعني تقلص هامش المناورة لديهم، إلى جانب تفكيك شبكات الخلايا النائمة التي يعتمدون عليها لـ“الانغماس” داخل المدن.

ولكن هذه القراءات التي تجد أيضا صدى لها في تحاليل الدوائر الأمنية الغربية، لا تمنع من التحذير من أن معركة تونس ضد الإرهاب مازالت طويلة، خاصة وأن اعتماد الإرهابيين على الأماكن الجبلية الحدودية مع الجزائر، للانطلاق منها لنصب الكمائن المُسلحة، أو مباغتة القوات الأمنية والعسكرية، واستمرار عمليات تهريب السلاح والذخائر الحربية من ليبيا، يُعدان من أبرز العوامل التي تتعين معالجتها بشكل جذري لاستئصال هذه الآفة من البلاد.

5