عملية باردو: هذا الفعل من ذاك المناخ

الجمعة 2015/03/20
ملتقى أنصار الشريعة في مايو 2012 أشر على صمت السلطة عن تيارات تكفيرية حولت تونس لاحقا إلى أرض جهاد

تونس - قد لا يبدو ضروريا التذكير بأن منسوب الفعل الإرهابي ارتفع في السنوات الأخيرة في الأقطار العربية التي عاشت “الربيع العربي”. وقد يبدو من قبيل التكرار القول أن صعود تيارات الإسلام السياسي في هذه الأقطار أدى إلى تصنيع مشتقات جهادية تكفيرية تنهل من ذات المعين الذي تنطلق منه كبرى تيارات الإسلام السياسي. لكن ملاحظة الراهن العربي وتتبع الأقطار التي تئن، بتفاوت، تحت وطأة الفعل الإرهابي، يؤديان ضرورة إلى تبيّن الأبعاد الثلاثة لمشهد: الربيع العربي، وصعود التيارات الإخوانية إلى السلطة، ثم تنامي العمل الجهادي التكفيري.

العملية الإرهابية التي طالت متحف باردو، في العاصمة التونسية، لم تكن منفصلة عن مسار سياسي مركب بدأ من منعرج 14 يناير 2011. الربط بين زمن الانطلاق (الثورة التونسية) وزمن عملية باردو الأخيرة، لا يتطلب جهدا لسرد الأحداث السياسية التونسية، بل يكفي ملاحظة العلاقة بين صعود التيار الإسلامي الأكبر في تونس (حركة النهضة) وبين تنامي الفعل الجهادي وتسارع نسق العمل الإرهابي. وهذا لا يعني أن حركة النهضة تمارس العمل الإرهابي، ولكن التركيز سيسلطُ على مناخ ملائم لترعرع الفكر التكفيري، ما كان له أن يهيّئ لو لم تكن النهضة في السلطة أو على تخومها.

الباب الأول للنفاذ إلى المسألة هو الباب الفكري، إذ تشترك التيارات التكفيرية مع حركة النهضة في الانطلاق على سرديات وأدبيات معروفة ومتداولة؛ حيث تتفق أغلب القراءات والتحاليل المهتمة بالتيارات الإسلامية على أن كل التيارات الجهادية تتخذ، مثلا، من التراث القطبي منطلقا فكريا لها، كما تعتبر بعض القيادات والزعامات الإخوانية أسماء ملهمة (حسن البنا وقطب والمودودي وزينب الغزالي وغيرها من أسماء تحتفي بها التيارات الجهادية).

مفاهيم التمكين والحاكمية وأستاذية العالم والجهاد والولاء والبراء وغيرها من المفاهيم التي نشأت من أرضيات إخوانية، تحولت إلى أدوات فكرية ضرورية لدى التيارات الجهادية في الاستقطاب والعمل والنشاط والعلاقة مع السلطة والمجتمعات.

الإرهاب ظاهرة مركبة، لكن الظاهرة تصنع أيضا بخيارات مصلحية وبراهين براغماتية لا تقيم وزنا لمستقبل الوطن

هذا المشترك الفكري، ليس بعدا خاصا بالحالة التونسية بل ينسحب على كل التيارات الإسلامية في الفضاء العربي الإسلامي. وعند التحول من “العام” العربي الإسلامي، إلى “الخاص” التونسي ينبغي الإشارة إلى أن حركة النهضة (نشأت بوصفها حركة للاتجاه الإسلامي) وجدت نفسها مع الثورة التونسية في منزلة بين المنزليتن؛ إذ اضطرت إلى المسارعة في التحول إلى حزب سياسي (فبراير 2011) دون أن تبارح عقلية الجماعة سواء في الأداء السياسي أو الملامح التنظيمية، أو في مواظبتها على عقلية “السمع والطاعة والولاء للقيادة”.

والأخطر أنها لم تتبرأ من التراث الفكري التي نشأت في إطاره وربت قواعدها عليه. عندما عزمت النهضة على ولوج فضاء العمل السياسي، أيقنت أنها تحتاج روافد من التيارات القريبة التي تشترك معها في الأرضيات الفكرية، لذلك لم تكن محتاجة لإعلان تمايزها عن التيارات التي بدأت تظهر بعد 14 يناير، على غرار تيار أنصار الشريعة أو حزب التحرير أو غيرهما من التيارات السلفية التي فاجأت الفضاء التونسي العام.

لم تكن الاختلافات السياسية التي نشأت آنذاك، خاصة بعد انتخـابات 2011، بين النهضة وبقية التيارات الإسلامية خاصة فيما يتعلق بمطالبة الإسلاميين النهضة بالإسراع في تطبيـق الشريعـة، كافـية لكبـح جمـاح نزوع تكفيـري آخـذ في الاتساع. وهيمنت على البلاد أصوات وشعارات وتظاهرات أبانت المنتظر السياسي والميداني من هذه التيارات، وكان التكفير في المساجد والخيمات الدعوية والتظاهرات الاستعراضية، يحدث على مرأى ومسمع من سلطـة تهيمن عليها حركة النهضة وحلفاؤها. نـزوع تبيّنت كل القـوى السياسية التونسية يومئذ أنه خطير وينبئ بغول قادم سيأتي على الأخضر واليابس، لذلك تعالت المطالبات بوجوب إيقاف ذلك المدّ، ولكن الإجابات والتبريـرات كانت تتراوح بين ضرورة الحوار مع السلفيين “الذين يبشرون بثقافة جديدة”، على حد قول قيادي نهضوي كبير، وبين أن “الشباب السلفية هم أبناء هـذا الوطن”، فضلا عن ترديد ممجـوج بأنهم ضحايا النظام القديم الذي أقصاهم وأبعدهم، وعندما كشف شكري بلعيد عن وجود معسكرات تدريب في جبل الشعانبي أجابه مسؤول حكومي بأن هؤلاء شباب يمارسون الرياضة. هنا تبيّن أن النهضة كانت ترى في هؤلاء خزانا انتخابيا ضروريا.

يعزز هذا التصور أن السلطة التونسية منحت آنذاك الترخيص بممارسة النشاط لجمعيات وأحزاب يتناقض وجودها أصلا مع جوهر العملية السياسية؛ حزب التحرير مثلا كان لا يرى ضيرا في المجاهرة بعدائه للديمقراطية التي يعتبرها كفرا بواحا وينادي بالخلافة على منهاج النبوة، ومع ذلك أسند له ترخيص ممارسة العمل السياسي.

حضور قيادات من النهضة في ملتقى أنصار الشريعة مثل ضربا من الاعتراف الضمني بنشاط التيار واقترابا من شعاراته ومضامينه
كما أن حضور قيادات من النهضة في ملتقى أنصار الشريعة (في مدينة القيروان يوم 20 مايو 2012) مثل ضربا من الاعتراف الضمني بنشاط التيار واقترابا من شعاراته ومضامينه، لكن ذلك التيار انفلت لاحقا من عقاله بأن اتُّهم باغتيال شكري بلعيد، باعتراف وزير الداخلية آنذاك علي العريّض.

الصمت الرسمي التونسي على تطور نسق تسفير الشباب التونسي إلى ميادين “الجهاد” في سوريا، والتقليل من خطورة الخطاب التكفيري السائد في المساجد كانا عاملين عززا إنتاج النسخة الجهادية التونسية، وهي نسخة سرعان ما وجدت رصيدها في العناصر المشاركة في جبهات قديمة (أفغانستان والشيشان والعراق) أو في جبهات نشأت بالتزامن مع الثورات العربية (سوريا وليبيا)، فضلا عن العناصر التي ظلت تنشط في إطار محلي صرف.

عندما نصل كل هذه العناصر ببعضها، نتوصل إلى أن ورم الإرهاب في تونس لم ينشأ من فراغ ولم يصنع في ورشات خارجية كما تروّج لذلك بعض القراءات، بل إنه وجد في ملامح الساحة السياسية التونسية بعد الثورة، وعمادها حركة النهضة وبقية أضلع الترويكا، كل مؤهلات الولادة والترعرع ليصل لاحقا إلى مرحلة التمرد حتى على رعاته.

ثابت أن للأبعاد الإقليمية والدولية وطأتها ووقعها، ولا يكفي الحيز لسرد أدوار مارستها بعض الأقطار واستحضار تأثيرات وفرها بعض الدعاة ممن كانوا يستقبلون رسميا في تونس، لكن تلك الأبعاد لم تكن لتؤثر لو لم تجد التيارات التكفيرية، بدعاتها وجمعياتها وأحزابها وتياراتها، الدعم والتبرير والتغاضي من قبل السلطة التونسية آنذاك.

تشترك الحالة التونسية مع أقطار الربيع العربي في العديد من القواسم المشتركة، إذ أن “السند” الذي وجدته تياراتها الجهادية شبيه بما حصل في مصر إبان حكم محمد مرسي، لكن للتجربة التونسية خصوصياتها في إنتاج نسختها الجهادية التي تحولت بسرعة إلى فعل إرهابي تُرجمَ في الاغتيالات السياسية، وما تعرض له الجنود في الشعانبي، وأخيرا في إرهاب “حلّ” بالعاصمة بعد أن كان مقتصرا على الحدود والجبال.

الإرهاب ظاهرة مركبة، لكن الظاهرة تصنعُ أيضا بخيارات مصلحية وبرهانات براغماتية لا تقيم وزنا لمستقبل الوطن أو لإمكانية خروج المارد الإرهابي من قمقمه، حتى إن وصل إلى أسوار مجلس نواب الشعب.

13