عملية تعرية علي عبدالله صالح

من المفيد العودة إلى ما حصل يوم 24 أغسطس 2017 في صنعاء من أجل محاولة فهم ما يدور حاليا في اليمن، خصوصا في الجنوب.
الاثنين 2019/08/26
علي عبدالله صالح صار خارج المعادلة اليمنية

في مثل هذه الأيّام، قبل عامين، ظهر علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن ثلاثة وثلاثين عاما، للمرّة الأخيرة في مهرجان شعبي. كان ذلك في مناسبة الذكرى الـ35 لتأسيس حزبه (المؤتمر الشعبي العام) الذي ليس معروفا هل يمكن إعادة الحياة إليه في غياب الرجل الذي صار أنصاره يسمّونه “الزعيم” بعد خروجه من السلطة.

لا يزال المهرجان الشعبي يوم الرابع والعشرين من آب – أغسطس 2017 مهرجانا غريبا. ففي ذلك اليوم اكتشف علي عبدالله صالح، ولو متأخّرا، أن الحوثيين يطوقونه وأن مئات الآلاف من رجال القبائل، الذين غصت بهم شوارع صنعاء في المناسبة، ليسوا على استعداد للدفاع عنه وحمايته. أعطى هؤلاء إشارة أولى إلى أن كلّ شيء انتهى وذلك تمهيدا لتصفية الرجل في الثالث من كانون الأوّل – ديسمبر 2017.

حدث ذلك مباشرة بعد المهرجان الشعبي للذكرى الـ35 لتأسيس المؤتمر الشعبي العام. بدل أن يبقى رجال القبائل في شوارع صنعاء، عادوا من حيث أتوا وتركوا علي عبدالله صالح وحيدا تحت رحمة الحوثيين، أي “أنصار الله”. هؤلاء كانوا اجتاحوا صنعاء في الحادي والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014 وتحولوا إلى أسياد المدينة بعدما رفض الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي التصدي لهم وهم في محافظة عمران في طريقهم إلى العاصمة.

نسج علي عبدالله صالح علاقات عميقة وأقام مصالح مشتركة مع معظم قبائل الطوق، أي القبائل التي تتحكّم بمداخل صنعاء. لا يزال السؤال اللغز قائما إلى اليوم: لماذا انحازت هذه القبائل إلى الحوثيين؟ من الذي دفع ما يكفي من المال كي ينقلب موقف هذه القبائل منذ ما قبل وصول الحوثيين إلى صنعاء؟

كان الحوثيون المستفيد الأوّل من انتهاء الجيش اليمني، خصوصا ألوية الحرس الجمهوري التي بقيت منها نواة تقاتل حاليا على جبهة الحديدة، حيث يسود الجمود منذ فترة لا بأس بها… بمباركة الأمم المتحدة

في الواقع، كان للحوثيين دائما وجود في صنعاء، لكن احتلالهم الكامل للمدينة لم يبدأ إلا في الحادي والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014 في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها مريبة في أساسها الحسابات الخاطئة لرجل اسمه عبدربّه منصور هادي قبل توقيع اتفاق معهم في صنعاء بعد ساعات من سيطرة هؤلاء على العاصمة.

من المفيد العودة إلى ما حصل يوم 24 آب – أغسطس 2017 في صنعاء من أجل محاولة فهم ما يدور حاليا في اليمن، خصوصا في الجنوب. تأكد في ذلك اليوم أنّ علي عبدالله صالح صار خارج المعادلة اليمنية، وذلك لسبب واحد أساسي على الأقلّ هو أن لا قوات عسكرية ذات شأن ووزن في إمرته. لم يعد سوى ورقة حوثية استخدمت طوال ثلاث سنوات وصار لا بدّ من رميها لاعتبارات مرتبطة بأحقاد شخصية لدى عبدالملك الحوثي على الرجل. من يتذكر خطاب زعيم الحوثيين، وهو خطاب تشفّ، مباشرة بعد تنفيذ جريمة اغتيال “الزعيم” في كانون الأوّل – ديسمبر 2017.

بدأت قصة تعرية علي عبدالله صالح في شباط – فبراير 2011. بدأها الإخوان المسلمون الذين نزلوا إلى الشارع بحجة الوقوف مع تظاهرات “الربيع العربي”. استكملها عبدربّه منصور هادي بمشاركة الفريق علي محسن صالح الأحمر، نائب رئيس الجمهورية الآن الذي شارك في الانقلاب الإخواني عندما انشقت الفرقة التي كان يقودها وانضمت إلى المعارك التي دارت داخل صنعاء من أجل إسقاط رئيس الجمهورية وقتذاك. في اليوم الذي تخلّى فيه علي عبدالله صالح عن السلطة، يوم 27 شباط – فبراير 2012، بدأت عملية إعادة تنظيم القوات المسلّحة كي لا يعود لمن صار الرئيس السابق أي نفوذ لديه داخلها. كان التركيز على الحرس الجمهوري الذي كان بقيادة العميد أحمد علي عبدالله صالح الذي عُيّنَ سفيرا في دولة الإمارات، كما أُبعد في الوقت ذاته عدد من العسكريين والضباط الأمنيين الذين كانوا ينتمون إلى العائلة.

لا شكّ أن جزءا كبيرا من الصراعات التي دارت في السنوات التي سبقت الانقلاب الإخواني على عبدالله صالح، والحروب الست مع الحوثيين بين 2004 و2010، كانت على خلفية التوريث واعتراض علي محسن صالح والشيخ حميد بن عبدالله بن حسين الأحمر على أحمد علي عبدالله صالح.

انتهى علي عبدالله صالح في 2012، قبل خمس سنوات من اغتياله بأوامر من عبدالملك الحوثي. من بين أكبر الأخطاء التي ارتكبت في التعاطي مع أزمة اليمن الاعتقاد أن هناك حلفا قويّا بين الرئيس الراحل والحوثيين. لم يكن من وجود لحلف في يوم من الأيّام. هناك جريمتان ارتكبتا في حقّ اليمن. أولاهما التخلّص من الجيش اليمني ومن ألوية الحرس الجمهوري تحديدا. والأخرى الاعتقاد أنّ في الإمكان التوصّل إلى اتفاقات مع الحوثيين، على غرار “اتفاق السلم والشراكة” في 2014 مباشرة بعد سيطرة “أنصار الله” على العاصمة.

ما نشهده اليوم في اليمن هو خارطة عسكرية وسياسية جديدة تقوم على سيطرة الحوثيين على شمال الشمال وعلى ميناء الحديدة مع جيب في تعز ووجود لما بقي من جيش “الشرعية”، وهو جيش الإخوان المسلمين في مناطق أخرى مثل مأرب أو شبوة أو بعض مناطق الجنوب. لا يشبه التفكيك الممنهج للجيش اليمني سوى القرار بحل الجيش العراقي الذي اتخذ في العام 2003 بحجة أن الانتهاء من الجيش جزء من عملية “اجتثاث” لحزب البعث. انتهى الأمر إلى تحوّل العراق إلى مستعمرة إيرانية، وإلى سعي “الحشد الشعبي” إلى أن يكون جيش المستقبل في عراق تسيطر عليه إيران.

اكتشف علي عبدالله صالح، ولو متأخّرا، أن الحوثيين يطوقونه وأن مئات الآلاف من رجال القبائل، الذين غصت بهم شوارع صنعاء في المناسبة، ليسوا على استعداد للدفاع عنه وحمايته

في كلّ الأحوال، كان الحوثيون المستفيد الأوّل من انتهاء الجيش اليمني، خصوصا ألوية الحرس الجمهوري التي بقيت منها نواة تقاتل حاليا على جبهة الحديدة، حيث يسود الجمود منذ فترة لا بأس بها… بمباركة الأمم المتحدة.

بالنسبة إلى الأحلاف على الأرض، إن الحلف الوحيد هو ذلك الحلف العميق غير المعلن الذي يربط بين “أنصار الله” والإخوان المسلمين في الجنوب والشمال والوسط.

لم يكن المشهد الذي ظهر فيه علي عبدالله صالح في صنعاء قويّا يوم 24 آب – أغسطس 2017 سوى مشهد مزيّف. ما كتب للرجل قد كتب. من استثمر في قبائل الطوق التي تُستأجر ولا تُشترى، هو نفسه الذي استثمر في الإخوان المسلمين منذ فترة طويلة ونسج علاقات مع الحوثيين في موازاة الحروب التي كانوا يتواجهون فيها مع علي عبدالله صالح.

ما نراه اليوم ليس مشهدا يمنيا جديدا وما أتيتُ على ذكره في هذا المقال ليس دفاعا عن علي عبدالله صالح، الذي يصعب إحصاء الأخطاء التي ارتكبها. ليست هذه السطور سوى محاولة لوضع الأمور في نصابها، وتفسير لماذا لا يوجد في الجنوب، في عدن، خصوصا وحتّى أبين، أي نوع من الثقة بـ”الشرعية” وقواتها التي لم تحقق أي تقدّم على أي جبهة ما كان مفترضا أن تحقّق تقدّما على الأرض فيها…

8