عملية سيناء تسقط استراتيجية المواجهة المنفردة

السبت 2015/01/31
محاربة الإرهاب في سيناء تبدأ بإعادة هيكلتها ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا

القاهرة – تتصاعد خلال الفترة الحالية مهددات الأمن القومي المصري ارتباطا بتصاعد المتغيرات والمهددات الإقليمية التي تشهدها المنطقة ابتداء بما يحدث في العراق وسوريا ومرورا باليمن وجنوب البحر الأحمر وانتهاء بالأوضاع في سيناء وما يحدث على الجبهتين سواء الشرقية والغربية لمصر، التي اهتزت، مؤخرا، على وقع عملية إرهابية جديدة تبنّاها تنظيم "أنصار بيت المقدس".

يمثل الإرهاب الذي يضرب ويهدد بضرب كثير من دول المنطقة مصدر التهديد الأهم للأمن القومي ليس لمصر وحدها بل لسائر لدول المنطقة.

وتشير دراسة أمنية أعدّها، اللواء محمد إبراهيم وصبحي عسيلة وأحمد عليبة، أنه على الرغم من أن هذا الملف ليس ملفا حديث النشأة، فإن مساحة انتشاره وتطور وسائله وقدرته على تهديد تماسك الدول فرض نفسه بقوة على المشهد منذ نهاية عام 2010، وازداد الشعور بخطره دوليا بعد استقواء تنظيم داعش، ومبايعة تنظيمات جهادية أخرى له.

ويذهب معدّو الدراسة التي حملت عنوان “سيناء والإرهاب: بين أولويات الأمن القومي وضرورات الأمن الإقليمي”، ونشرها المركز العربي للبحوث والدراسات، إلى التأكيد على أن دول الشرق الأوسط تعج بالجماعات الإرهابية. وهي تمثل بلا شك تهديدا خطيرا لأمن دول المنطقة ووحدتها الجغرافية وتماسك مجتمعاتها.

بيد أن ذلك ليس الحقيقة الوحيدة. فالثابت أيضا أن خطر تلك الجماعات لا ينصرف إلى دولة دون غيرها داخل المنطقة أو خارجها، ومن ثمة فإن مواجهة ذلك الخطر لا يعني أيضا دولة دون غيرها بصرف النظر عن مسؤوليتها في تعاظم ذلك الخطر وبصرف النظر عن كونها مصدرا له أو مستوردا لفاعليه أو لتداعياته. وفي هذا الإطار قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي “إن مكافحة الإرهاب تتطلب تعاونا دوليا، وأنه لا توجد دولة بمفردها تستطيع مواجهته”.

والثابت كذلك أن تلك الجماعات الإرهابية الكثيرة خرجت من رحم واحدة وتتغذى من جذر واحد، ومن ثمة فلا بديل عن استئصال تلك الرحم وقطع ذلك الجذر. والولايات المتحدة التي أعلنت حربا مفتوحة على الإرهاب بتعريفها الناقص والمشوّه له لم تؤت ثمارا يعتدّ بها رغم مرور ما يزيد على عقد من الزمن على بدايتها، وتعود اليوم بتأثير ظاهرة داعش لمحاربة الإرهاب بالطريقة ذاتها، وتتصور أنها يمكن أن تحقق نتائج مختلفة.

201 قتيل في 52 عملية إرهابية في سيناءخلال 48 شهرا

ويقول الباحثون المصريون إنه من الغباء ـكما قال أينشتين ـ أن تفعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وتنتظر نتائج مختلفة. ولعل تلك النقطة هي لبّ الخلاف الحقيقي بين مصر والولايات المتحدة إزاء ما يتعلق بتحالف محاربة داعش. فالولايات المتحدة تصر على سياستها في التعامل مع الإرهاب الذي تحصره في داعش الآن كما حصرته في القاعدة سابقا. بينما تسعى مصر لسياسة مختلفة تتعامل فيها مع الإرهاب وجماعاته باعتبارهما شيئا واحدا تجب مواجهته مواجهة شاملة من خلال التعامل مع الأصل أو الجذر وليس الفروع. فما تقوم به الجماعات الإرهابية في مصر حاليا لا يختلف عمّا تقوم بها أمثال تلك الجماعات في ليبيا والعراق وسوريا واليمن وما تستعد له تلك الجماعات لتقوم به في دول أخرى في المنطقة تدرك أنها ليست بمنأى عن الإرهاب.


وهم الحرب المنفردة


وتؤكد الدراسة أن الأمن القومي لدولة ما لا ينفصل عن الإطارين الإقليمي والدولي، فالعلاقة بين المستويات الثلاثة للأمن الوطني والإقليمي والدولي هي علاقة تفاعل متبادل أو تأثير وتأثّر، خاصة في ظل قدرة الجماعات الإرهابية على التحرك والتعاون مع جماعات شبيهة في دول أخرى، بل ومع بعض الدول التي باتت تصنف راعية للإرهاب. كما أنه لا يمكن تصور إمكانية الحديث عن الأمن في منطقة ما بينما تعاني دولة أو عدة دول من دولها مشكلة في أمنها الوطني. فالأمن الوطني والأمن الإقليمي لا ينفصلان؛ والأمر ذاته ينطبق على الأمن الدولي، فالإرهاب ظاهرة عالمية تقتضي أن تكون المواجهة شاملة.

الجماعات الإرهابية خرجت من رحم واحدة وتتغذى من جذر واحد ومن ثمة فلا بديل عن استئصال تلك الرحم وقطع ذلك الجذر

لعل ما يحدث في مصر منذ ثورة 30 يونيو يقدم مثالا حيا على الترابط بين فكرة الأمن الوطني للدول وبين الأمن الإقليمي والأمن الدولي بصفة عامة. فالمشهد السيناوي بكل إشكالياته المعقدة يشتبك أو يتداخل مع الصراعات الآنية في المشهد الإقليمي، بل يمكن القول إنها تمثل مركزا وليس هامشا في تلك التفاعلات وأحد أبعاده الرئيسية، وعليه لم تعد مجرد ترمومتر للجوار الإسرائيلي، ومدى فاعلية معاهدة السلام، ثم قطاع غزة وما يشكله من تهديدات واقعيه كحزام تطرف وانفلات أمنى، بل أيضا ساحة لظاهرة التمدد المتعاظمة للجماعات المتطرفة المتوطنة والعابرة للحدود. ذلك أن الحرب التي تخوضها مصر ضد الإرهاب خاصة في سيناء التي تمثل 6 بالمئة من إجمالي مساحة مصر تفرضها ليس فقط أولويتها للأمن الوطني المصري، ولكن أيضا ضرورات الأمن الإقليمي والدولي.

وسيناء ليست مجرد مساحة صحراوية حدودية متوترة تمارس فيها أعمال إرهابية تمكن مقاومتها عبر الوقت، بل إن جغرافية المنطقة في حد ذاتها تحمل في كثبانها توترا سياسيا وأمنيا واقتصاديا على مستوى الشرق الأوسط كاملا. وقد اختارت الجماعات الإرهابية التي تنشط في مصر أساسا، أن تتمركز في شبه جزيرة سيناء بشكل ليس اعتباطيا بالمرة، بل إن انتشار جماعات أنصار بيت المقدس (التي غيرت اسمها إلى ولاية سيناء) ومجموعات أخرى أعلنت ولاءها لداعش، ينم عن دراسة دقيقة للسياسة الإقليمية في المنطقة.

من هي جماعة أنصار بيت المقدس:
تاريخ ولادة جماعة أنصار بيت المقدس غير معلوم لكن الخبراء يؤكدون أنها نشأت قبل عام 2011، رغم أن عملياتها الفعلية بدأت بعد الإطاحة بنظام مبارك حيث استغلت الجماعة الفراغ الأمني ورسخت وضعها في شبه جزيرة سيناء وأقامت علاقات مع المهربين ومع البدو الذين يشكون منذ فترة طويلة من تهميش الحكومة لهم، ثم استغلت فترة حكم جماعة الإخوان لتصبح من أكبر الجماعات الجهادية المسلحة في مصر.

وتؤكد بعض المصادر أن أعضاء الجماعة هم من المصريين الذين ينتمون إلى السلفية الجهادية في سيناء، ويمثلون الجناح العسكري المصري لجماعات السلفية الجهادية في غزة، ومن هنا نشأ اسمها "أنصار بيت المقدس"؛ فيما يرى مسؤولون أمنيون أن الجماعة، التي غيّرت مؤخرا اسمها إلى “ولاية سيناء“، ونشأت من مجموعة إسلاميين لاذوا بالمنطقة بعد سقوط مبارك. وتنشط جماعة أنصار بيت المقدس في المناطق الحدودية الشرقية في شمال سيناء، وهناك كتائب فرعية لها تمتد على نطاق واسع في شبه جزيرة سيناء، بما في ذلك كتيبة النصرة وكتائب الفرقان.

الحادث الإرهابي، الذي وقع شمال سيناء وأدّى إلى مصرع 30 عسكريا ومدنيا، وإصابة نحو ضعف هذا العدد، في عملية نوعية استخدمت فيها تكتيكات مسلحة متطورة، إلى جانب الحادث الإرهابي الذي شهده كمين "كرم القواديس" يوم الجمعة 24 أكتوبر الماضي، وكلاهما تبنّاهما تنظيم "أنصار بيت المقدس"، رغم أنهما يختلفان عمّا سبقهما من حوادث مشابهة في حلقات مسلسل العنف الذي تشهده شبه الجزيرة منذ نحو عقد تقريبا، بالنظر إلى إعادة الانتشار العسكري والعمليات غير المسبوقين، وهو ما يجعله بمثابة مؤشر واضح على التهديدات الطارئة على الساحة السيناوية، مع بقاء المخاطر التي تشهدها المنطقة ذاتها منذ أحداث دهب وشرم الشيخ قبل نحو عشر سنوات.


خلية أزمات سيناء


تخلص دراسة المركز العربي للبحوث والدراسات إلى أن التهديد الإرهابي المتواصل يطرح فكرة “خلية أزمات سيناء” لفك اشتباك المساحات الصعبة في الملف، خاصة المساحات التي يتداخل فيها المدني بالعسكري، بالنظر إلى طبيعة المنطقة الاستثنائية كمنقطة “بدو” تتراجع فيها ثقافة استيعاب فكرة “الدولة”، ودون تجاهل حصاد السياسات الأمنية من عهد حسني مبارك، وحسابات التحولات الجديدة التي واكبت سقوطه، من استفحال ظاهرة التكفير المقترنة بتنامي “السلفية الجهادية”، وانتعاشها في ظل عام حكم الإخوان وتكوينها شبكة تحالفات ضمّت عديد التيارات الأصولية، بمواكبة ذلك عامل تفكك القبيلة بفعل حصاد تلك السياسات، وتوازيا لمتغيرات البيئة التي شكلت حاضنة مثالية لأفكار التطرف، راجت معها تجارة السوق السوداء التي يحكمها طبقة من مشايخ القبائل الجدد أثرياء الأنفاق وأثرياء التهريب وأثرياء الجهاد، وهي فئات بعضها ينمو طبيعيا على حدود الدول، إلا أن غياب الضوابط والنظام في سيناء وعلى الجانب الآخر الفلسطيني غذّى هذه الأنماط.

لم تجد مصر بدّا من التحرك على عدة محاور لمجابهة هذه المخاطر والتهديدات، خاصة وأن البيئة الحالية أصبحت صالحة لانتقال الأفكار المتطرفة للقاعدة وداعش والنصرة وغيرها من الجماعات ذات الفكر المتطرف. لذلك يؤكد المختصون الأمنيون المصريون على أن ظاهرة الإرهاب تقتضي مواجهة شاملة على المستويين الوطني والدولي، وأنه لا مجال للزعم بأن الدول أيّا كانت الدولة مسؤولة فقط عن أمنها القومي، وأن بإمكانها منفردة أن تحقق ذلك الأمن في مواجهة الإرهاب.

7