عملية غروزني تدشن مرحلة عودة التطرف إلى تخوم روسيا

الجمعة 2014/10/10
جثث ضحايا الهجوم الإرهابي الأخير في الشيشان الذي ينذر بعودة سنوات الدم في البلاد

موسكو - ظاهرة الإرهاب الدولي ليست مرتبطة بمكان محدد في العالم اليوم، فالعولمة والانتقال الجغرافي السريع من مكان إلى آخر وما صاحبه من انتقال سريع للأموال والأسلحة والمعلومات عبر شبكة الإنترنت ساعدا كثيرا الإرهاب سواء كان في شكل مادة فكرية وافتراضية للاستقطاب والدمغجة أو في شكل تحويلات مالية وعينية. وقد أخذت هذه الظاهرة (أي الإرهاب الدولي) في النمو والتطور إلى أن أضحت هاجسا يؤرق الدول والتكتلات الإقليمية بشكل عام وفي كامل أصقاع الأرض. ولعل انتقال الهجمات أخيرا من سوريا والعراق إلى القوقاز مرة أخرى (بالمسميات نفسها) خير دليل على ذلك.

عاد التمرد الإسلامي الذي تراجع في السنوات الأخيرة إلى الواجهة في القوقاز الروسي خصوصا في الشيشان بعد عملية انتحارية في غروزني ومعارك متفرقة في داغستان بين القوات الحكومية ومسلحين إسلاميين متطرفين. وعندما كان آلاف الشيشانيين يستعدون لإحياء يوم مدينة غروزني العاصمة الشيشانية، فجر شاب في الـ19 من العمر قنبلة مخبأة في حقيبته ما أسفر عن مقتل خمسة شرطيين وإصابة 12 شخصا بجروح عند مدخل قاعة للاحتفالات الموسيقية.

وقد أعادت العملية في غروزني سنوات مضت من الصراع على الأمن بين القوات المسلحة الروسية والقوات الحكومية في كل من الشيشان وداغستان ودول أخرى تنتمي إلى الدائرة الجغرافية المتاخمة لروسيا. وقد كانت تلك الدوائر الخزان الاستراتيجي للمقاتلين الذين عولت عليهم الولايات المتحدة الأميركية في إضعاف نفوذ الاتحاد السوفيتي في كل من أفغانستان وأوزباكستان وبعض الجمهوريات السوفيتية سابقا.

وأعقب العملية الانتحارية الإعلان عن مقتل سبعة متمردين إسلاميين وشرطيين اثنين في معارك في جمهورية داغستان المجاورة وهو الرد الذي قامت به القوات الداغستانية سريعا.

وأحيت هذه الحوادث المخاوف من اندلاع دوامة جديدة من العنف في القوقاز الشمالي الذي شهد حربين في الشيشان في تسعينات القرن الماضي ثم مطلع الألفية الثالثة، وقد انتهت تقريبا بإعلان ما يسمى “إمارة القوقاز” التي أعلن عنها يوم 31 من أكتوبر سنة 2007 من طرف دوكو عمروف زعيم المقاتلين الشيشانيين. وفي السنوات التي أعقبت الاجتياح الأميركي لمنطقة البلقان أصبح التمرد الانفصالي في كل من الشيشان وداغستان وإنغوشيا وأوسيتيا الجنوبية وأماكن أخرى أكثر تشددا وتطرفا، لكن وتيرة العمليات تراجعت منذ أن تولت حكومة بوتين الأولى ملف الإرهاب بشكل جدي وحاسم بعد انتهاء التحول الذي عاشته روسيا إبان سقوط الاتحاد السوفيتي.

لئن كان عدد القتلى قليلا في العملية الأخيرة إلا أن الحدث يؤشر على عودة الإرهاب بقوة في منطقة القوقاز

وبعد الاعتداء الإرهابي الذي نفذته المجموعات المتشددة المقاتلة، قلل الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، الذي يحكم الجمهورية بقبضة من حديد بدعم من الكرملين، من أهمية هذا التصعيد عاملا على طمأنة السكان وبث إشارات تهدئة من الخوف من عودة أيام الدم التي حصدت عديد الأرواح في الشيشان وروسيا ومناطق أخرى خاصة أواخر التسعينات ومطلع الألفية الثالثة.

وقال قديروف في حسابه على إنستاغرام إن “الوضع في الشيشان مستقر وتحت السيطرة التامة لقوات الأمن”. مؤكدا أن القوات الأمنية والأنشطة الإستخبارية قد بدأت في العمل للتعرف على القاتل ومن يقف وراءه، وقد أكدت التحقيقات الأولية أنه كان من بين المجموعات التي جاءت من الشيشان للقتال في سوريا في صفوف ما يسمى بالدولة الإسلامية.

لكن الخبراء يرون أن “استقرار” الشيشان مسألة نسبية جدا، وأن تطمينات رمضان قديروف رئيس الشيشان ليست سوى خطابا سياسيا كي لا تتسع رقعة الخوف وتشمل كامل المناطق الشيشانية والمحيطة بالشيشان، نظرا إلى أن الإرهاب أصبح يعتمد استراتيجية بث الرعب في المناطق التي ينشط فيها، وليست الشيشان أو أي دولة متاخمة لروسيا الآن في استعداد لمواجهة أخطار الإرهاب نظرا إلى الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمر به تلك المناطق.

ومن جهته كتب رئيس تحرير الموقع المتخصص في قضايا القوقاز غريغوري شفيدوف أنه “بالتأكيد تراجع عدد القتلى وحوادث إطلاق النار لكن الوضع بعيد كل البعد عن الاستقرار”، وأكد شفيدوف أن القادم سوف يكون تصعيدا من وتيرة الهجومات وهذا معهود عن تلك الجماعات بشكل أو بآخر. وأضاف رئيس التحرير قائلا: “إذا تراجعت الاعتداءات في القوقاز الشمالي فالأمر لا يعود إلى أن قوات الأمن تعمل بفعالية أكبر بل لأن السلطات الجديدة في ‘إمارة القوقاز” تفضل اللجوء إلى أساليب أخرى".

و”إمارة القوقاز” الحركة الإسلامية التي تأسست على أنقاض التمرد الانفصالي الشيشاني ضد موسكو خلال الحرب الثانية بين الشيشان وروسيا، تخطت حدود الشيشان لتركز أنشطتها في جمهوريتي أنغوشيا وداغستان المجاورتين. ويبدو أن هذه الحركة المصنفة إرهابية والتي كانت خزانا لتنظيم القاعدة، تعتبر المسؤولة عن عدة اعتداءات دامية في روسيا منذ مدة طويلة. وقد أصيبت ببعض الوهن في السنوات الأخيرة خصوصا مع مقتل مؤسسها الشيشاني دوكو عمروف في مارس الماضي.

البعض ممن قام بالعملية الإرهابية تدرب في سوريا وكان من بين عناصر الدولة الإسلامية الذين قاموا بعمليات

وقال الكسندر تشركاسوف رئيس منظمة ميموريال الروسية لحقوق الإنسان إن “قوات الأمن تتكبد اليوم خسائر أقل في المواجهات مع المتمردين”. وأضاف أن تراجع نشاط حركة التمرد يعود إلى أن المقاتلين “يغادرون القوقاز الشمالي إلى سوريا” للانضمام إلى الدولة الإسلامية. وتابع “يتركون كل شيء للتوجه إلى سوريا”.

وقد أثبتت تقارير صادرة عن اللجنة الخاصة الدولية للتحقيق في الأحداث الروسية التابعة للأمم المتحدة أن العديد من المقاتلين الذين تم اعتقالهم أو تم العثور على جثثهم يعودون إلى مناطق البلقان والقوقاز، وهذا ما جعل من الروس يرفعون من درجة الحذر على كامل حدودهم.

وقد أكدت التحقيقات الأولية أن أحد المتمردين الذين قتلوا في داغستان تدرب في سوريا على تقنيات استخدام المتفجرات، كما نقلت وكالة أنباء ريا نوفوستي الروسية عن الشرطة المحلية. وقال الصحفي شفيدوف إنه حتى لو لم تتبن أي جهة بعد مسؤولية الاعتداء فإن المتمردين في القوقاز يتحركون بـ”حوافز خارجية”. ويرى الصحفي أن المسألة ربما تكون مرتبطة بالأحداث الأوكرانية، حيث تريد الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة خلق عدة بؤر للتوتر داخل الفضاء الذي تسيطر عليه روسيا لجلب انتباهها وأضعاف موقفها في أوكرانيا.

ورأى شفيدوف أن “هناك ما يدفع إلى الاعتقاد بأنهم أقاموا رابطا مع تنظيم الدولة الإسلامية وأنه قد يعزز خلال أيام أو أسابيع من المقاتلين القوقاز الذين هربوا من القصف الدولي في سوريا والعراق”.

وفي فيديو نشر مطلع سبتمبر على موقع يوتيوب هدد جهاديو الدولة الإسلامية بشن “حرب” في الشيشان والقوقاز “لتحريرهم” من سيطرة الروس.

لكن الأسباب التي دفعت الانتحاري البالغ من العمر 19 عاما إلى تفجير عبوته مرتبطة أيضا بالإطار المحلي الذي يذكي التطرف، كما قال خبراء روس.

13