عملية فخري زادة المعقدة تعكس تطور تكتيكات الاغتيال

طهران تحت ضغط الانتقام لتفادي الانهيار الداخلي أو مواجهة الغضب الشعبي.
الثلاثاء 2020/12/01
لن يكون الرقم الأخير في حصيلة الاغتيالات

يعكس توجيه إيران الاتهام إلى جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) ومنظمة مجاهدي خلق المحظورة بتنفيذ عملية معقدة باستخدام أسلوب جديد بالكامل لاغتيال العالم النووي محسن فخري زادة، أنه بقدر أن أجهزتها الأمنية والاستخباراتية بدت مشلولة لتجنب حصول ذلك، تظهر تلك الحادثة أن تكتيكات الاغتيال تطورت على ما يبدو بصرف النظر عن الجهة المسؤولة عن ذلك.

طهران - يعيد اغتيال أب برنامج إيران النووي محسن فخري زادة في أحد الطرق على مشارف العاصمة طهران، الجمعة الماضي، تسليط الضوء على عمليات تصفية طالت شخصيات مهمة لطالما وجهت طهران الاتهام فيها إلى عدوها الأول في منطقة الشرق الأوسط، ألا وهي إسرائيل.

وعلى مدى سنوات، تم توجيه اتهامات مباشرة للموساد باغتيال علمائها في ظروف غامضة، وأحيانا بشكل مبرمج، دون أن تتبنى أو تنفي إسرائيل ذلك بشكل صريح، في إطار ما تسميه “سياسة الردع”، لتخويف العلماء ودفعهم إلى الهجرة من بلدانهم، وتعطيل أي مشروع علمي، خاصة في المجال العسكري لاسيما النووي.

وطبعت السنوات الفاصلة بين 2010 و2012 بصمات “مجهولة” باغتيال أربعة من العلماء الإيرانيين، والرابط في ما بينهم جميعا أنهم متخصصون في الفيزياء النووية، ورغم أن العمليات كانت تبدو تقليدية بالنسبة لأي جهاز استخباراتي يجند عملاء لإنجاح الخط، إلا أنها كانت غامضة إلى درجة أنه لا يمكن للمتابع العادي التفريق بينها وبين العملية الأخيرة.

وهنا يطرح المحللون الاستخباراتيون فرضيات كثيرة على ضوء ما أقر به كبار المسؤولين في إيران حول أن العملية معقدة واستخدمت فيها تكتيكات جديدة، من بينها أن استهداف أي شخصية بالقتل يحتاج إلى توظيف كل الوسائل اللوجستية والتقنية المتاحة ولكن أيضا بمجموعة أقل من الأشخاص لا يمكن أن يتفطن إليها أحد مهما كانت الشبهات.

رونين بيرغمان: اغتيال رجل مثل فخري زادة لا يمكن أن يتم بكبسة زر
رونين بيرغمان: اغتيال رجل مثل فخري زادة لا يمكن أن يتم بكبسة زر

ما دور الموساد

قفزت العديد من التساؤلات حول الجهة التي نفذت عملية تصفية فخري زادة، الذي تقول طهران إنه كان مهددا منذ عقدين من الزمن، وترددت أصداء التكهنات بين أروقة مجتمع المحللين وحتى المواطنين، وأبرزها هل يقف الموساد فعلا خلف اغتيال العالم النووي الإيراني؟ وإن كان كذلك، فلماذا؟ وكيف يمكن أن تنتقم إيران من الدولة العبرية؟

ولكن السؤال المحوري وسط كل ذلك ما هو الأسلوب الذي اتبعته الجهة التي نفذت العملية حتى يقول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، الاثنين، إن الاغتيال كان “عملية معقدة استخدمت فيها أجهزة إلكترونية، ولم يكن ثمة أي شخص في المكان وأن العدو (إسرائيل) استخدم أسلوبا جديدا بالكامل، واحترافيا”.

عند العودة إلى العملية التي جدت في 2010 واستهدفت مسعود علي محمدي، وهو أستاذ فيزياء في جامعة طهران، كان الأسلوب تقليديا فقد انفجرت قنبلة كانت موضوعة على دراجة نارية أمام منزله، وبنفس الأسلوب تقريبا تم اغتيال مجيد شهرياري، الذي عمل في مجال الفيزياء في مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية.

وبينما نجا أستاذ العلوم الفيزياء النووية فريدون عباسي ونجا منها بإصابات خطيرة بعد انفجار سيارة ملغومة في نفس ذلك العام، تعرض داريوش رضائي نجاد وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء للاغتيال في يوليو 2010 بإطلاق نار من مهاجمين على دراجات نارية.

وبعد عام ونصف العام، قتل مصطفى أحمدي روشن المهندس الفيزيائي النووي، الذي عمل بمركز تخصيب اليورانيوم في نطنز في انفجار قنبلة لاصقة في سيارته. وكل تلك الأمثلة دليل على أن تلك العمليات كانت معروفة للجهات الأمنية الإيرانية ومع ذلك لم تتمكن من تفاديها. ولكن ماذا تغير منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم؟

وتذكّر وقائع اغتيال فخري زادة بالمسلسل الإسرائيلي الجديد “طهران” حيث تقوم عناصر من الموساد بمهمة في إيران تستهدف المنشآت النووية لهذا البلد الذي تتهمه الدولة العبرية بالسعي لامتلاك السلاح الذري.

كما أنها يمكن أن تندرج في كتاب “رايز أند كيل فيرست” (اقتل أولا) للصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان الذي يتناول اغتيالات نفذتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والذي اشترت شبكة “أتش.بي.أو” الأميركية حقوقه لنقله إلى التلفزيون.

وفي كتابه الواقع في أكثر من 700 صفحة حول “التاريخ السري لاغتيالات إسرائيل محددة الأهداف”، ذكّر بيرغمان بالعالم الإيراني فكتب “أدرك الإيرانيون أن ثمة من يقتل علماءهم، فباشروا بحمايتهم عن كثب، وخصوصا رئيس مشروع الأسلحة فخري زادة الذي يعتبر العقل المدبر للبرنامج” النووي الإيراني.

وربط الصحافي والكاتب الإسرائيلي في تعليق على أعمدة إحدى الصحف الإسرائيلية اغتيال فخري زادة بآلاف الوثاق “السرية” الإيرانية التي استحصلت إسرائيل عليها عام 2018. وأشار بوضوح إلى أن أي عملية تتطلب تحضيرات هائلة قبل التنفيذ.

عملية تتطلب تحضيرات هائلة قبل التنفيذ
عملية تتطلب تحضيرات هائلة قبل التنفيذ

وكتب بيرغمان في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، الأحد الماضي، يقول إن هذه الوثائق تظهر “بوضوح لماذا كان الموساد يريده ميتا ولماذا قال نتانياهو تذكروا هذا الاسم”، في إشارة إلى فخري زادة.

وتثبت الملفات السرية أن فخري زادة كان أشبه بـ”طبيب إيراني مجنون”، في إشارة إلى فيلم “دكتور ستريندج لوف” للمخرج ستانلي كوبريك، و”العقل المدبر خلف الشق العسكري من البرنامج النووي” الإيراني، لكن بيرغمان لفت إلى أن اغتيال رجل مثله لا يمكن أن يتم “بكبسة زر” بل يكون نتيجة “أشهر بل سنوات” من التحضير.

وتم تسريب تفاصيل ملفتة للنظر عن المخطط التفصيلي لاغتيال العالم النووي الإيراني، حيث قُتل بالرصاص في سيارته من قبل 12 من القتلة المدربين تدريباً عالياً في أعقاب انفجار في مدينة أبسارد البعيدة عن شرق طهران بنحو ستين كيلومترا.

وشكل فريق الاغتيال، ومن بينهم زوجان من القناصة، جزءا من مجموعة مكونة من 62 شخصا، بينهم خمسون شخصا كانوا مسؤولين عن الدعم اللوجستي، وهذا يعني أن العملية تمت دون ترك أي مجال للخطأ. وهذا هو الهدف الأساسي والمهم من أي عملية تصفية.

حدود الرد الإيراني

خيارات إيران في الرد على منفذي اغتيال فخري زادة محدودة هذه المرة
خيارات إيران في الرد على منفذي اغتيال فخري زادة محدودة هذه المرة

لطالما هددت إيران بالرد على استهداف أبرز الشخصيات التي تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أنها تشكل خطرا على المنطقة بسبب تأثيرها في سياسة طهران المتعلقة بإنتاج رؤوس حربية نووية، ولكن لم تقدم في أي مرة على الرد إما خوفا من تصعيد مسلح، أو أن يكون نقطة البداية لإسقاط النظام.

وسبق أن أعلنت الولايات المتحدة في يناير الماضي، مسؤوليتها عن اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، مهندس الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والمسؤول عن ضربات على مواقع ومصالح أميركية في العراق.

ولفت القائد السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عاموس يادلين، إلى أنه هذه المرة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها. كل هذا يندرج في سياق حرب سرية وهم (الإيرانيون) قد يرجئون الرد حتى الأيام الأخيرة من إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب حتى لا يتسنى له استخدام هذا الرد لشن هجوم مباشر على إيران.

ويشير يادلين إلى أن طهران قد تستهدف علماء إسرائيليين أو تستخدم قوات موالية لها مثل حزب الله اللبناني لشن عملية ضد الدولة العبرية، أو “تطلق صواريخ من إيران” أو تستهدف سفارات إسرائيلية في الخارج، في وقت ذكرت الصحافة المحلية أن الدبلوماسية الإسرائيلية عززت أمن سفاراتها.

وقد تجد إيران في حركات المقاومة الفلسطينية الغاضبة من التقارب العربي الإسرائيلي الأخير والمتضررة من زيادة قمع قوات الاحتلال لها، ملاذاً ومنفذاً لتنفيذ انتقامها من إسرائيل التي تزعم طهران مسؤوليتها على عملية اغتيال فخري زادة.

وحسب رصد للمخاطر أعده مركز الخليج العربي للدراسات الاستراتيجية، قد يكون رد إيران على مقتل أهم علمائهما، الذي يعتبر مفتاح برنامج تطوير القدرات النووية الإيرانية، غير تقليدي هذه المرة.

وأشار المركز إلى أنه قد يكون الحرس الثوري استفاد من درس الرد المتسرع الأخير على اغتيال سليماني، إذ سبّب التسرع كارثة بإسقاط طائرة تجارية على وجه الخطأ أثناء تنفيذ هجمات صاروخية ضد أهداف أميركية في العراق ما يزال يختلف الإيرانيون حتى الآن حول تقييم جدواها، خاصة أنها لم تلحق خسائر في صفوف الجيش الأميركي.

وتشير دراسة “توقعات الردود التكتيكية الإيرانية” وفي ظلّ المتغيرات الجيوستراتيجية وظروف تداعيات الوباء والتغير المرتقب للإدارة الأميركية، فإن خيارات إيران في الرد على منفذي اغتيال فخري زادة محدودة هذه المرة، نظرا لاعتبارات كثيرة تفرض قيودا على أي انتقام متهور.

Thumbnail
7