عملية قيصر.. صورة من داخل آلة القتل في سوريا

السبت 2015/11/14
قيصر، متخف بلباس أزرق، يعرض صوره في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس

باريس- وقف العالم باكيا، مشدوها أمام الصور التي نُشرت على شبكة الإنترنت العام الماضي، والتي توثّق عمليات التعذيب والقتل الممنهج التي يقوم بها النظام السوري ضد المعتقلين في أقبيّة فروع الأمن. وقد أطلق هذه الصور مصور عسكري يحمل اسما مستعارا (قيصر)، كان يعمل في مستشفى تشرين العسكري ثم مستشفى المزة في دمشق. هناك، كان يصور الجثث ويأرشف ملفاتها، ثم يقوم، سرا، بنسخها آملا في أن يتمكّن من نشرها علنا، لتكون وثيقة لإدانة النظام السوري.

وجمعت الصحفيّة غارناس لوكازن هذه الصورة وأصدرتها في كتاب حمل عنوان “عملية قيصر-من داخل آلة قتل النظام السوريّ”، عن دار ستوك الفرنسية، يحكي التفاصيل والخطورة التي واجهها قيصر للحصول على الصور، ثم انشقاقه عن النظام ومغادرته سوريا، والجهود الدبلوماسية والسياسية التي بُذلت كي تعتمد من قبل القضاء كأدلة لمحاكمة النظام السوري دوليا.

يبدأ الكتاب بحديث لوكازن عن رحلتها إلى تركيا في سبيل البحث عن قيصر، الشخصية الأكثر جذبا للصحفيين والإعلاميين في العالم، إذ تسعى وسائل الإعلام العالميّة للقائه والوصول إليه في سبيل الحديث عن عمليته والصور التي يمتلكها بوصفها تشكل الوثيقة الأهم في إدانة النظام السوري.

وبالرغم من اليأس الذي غامر الصحفية عدة مرات، إلا أنها تمكنت من الوصول إليه بعد جهود حثيثة وبالتواصل مع التيار الوطني السوري وقياداته بوصفه يقوم بحماية قيصر، ويعمل معه على أرشفة الصور التي يبلغ عددها حوالي 55 ألف صورة لـ11 ألف ضحية.

الكتاب يبدأ بحديث لوكازن عن رحلتها إلى تركيا في سبيل البحث عن قيصر، الشخصية الأكثر جذبا للصحفيين والإعلاميين في العالم

تصف الصحفية الفرنسية في الكتاب الحديث مع قيصر والصدمة التي يعيشها نتيجة ما رآه في المستشفى العسكري، والرعب الذي عاشه بسبب النظام وبطشه خلال سنتين وهو يقوم بنسخ الصور وتهريبها في شريحة ذاكرة يخبئها كل يوم في حزامه أو حذائه ويمر بها من أمام حواجز النظام. ويقول قيصر إن الرعب الذي عاشه لا يقارن برغبته في نشر الحقيقة عمّا يقوم به النظام السوري من قتل ممنهج للمعتقلين. لتتحول بسبب ذلك، حياة قيصر التي كانت بسيطة قبل الثورة إلى رحلة في المنافي والرعب من انتقام النظام الذي يسعى إلى إدانته.

يشرح قيصر بدقة آلية الأرشفة والتقاط الصور التي تصله، إذ أن الجثث التي كان يصورها قبل 2011 كانت تقتصر على العسكريين من جيش النظام، لكن بعد الثورة، تضاعف العمل وأصبحت جثث المدنيين والمعتقلين في أقبية التعذيب تصل إلى المستشفى العسكري.

ويذكر الكتاب كيف تصنف الجثث وترّقم بحسب فرع الأمن الذي وصلت منه، وكيف وجد جثة الطفل حمزة الخطيب، لتتناقض الصور التي التقطها مع الرواية الكاذبة التي قدمها الإعلام السوري، إلى جانب صور أخرى لجثث معتقلين من نساء ورجال وأطفال وشيوخ تشبه تلك التي نراها في المجازر الجماعية لكن هذه المرة هي لسوريين مرميين في كراج سيارات مفتوح على بعد 40 كلم من قصر بشار الأسد.

الكتاب يحكي التفاصيل والخطورة التي واجهها قيصر للحصول على الصور

وبعد أن شعر قيصر بالخطر الشديد على حياته، قرر الانشقاق عام 2013، وبمساعدة أصدقاء له في المعارضة تمكن من مغادرة سوريا، حيث التقى عددا من الشخصيات السياسية السورية والدولية في سبيل العمل على نشر الصور بطريقة موثوقة وممنهجة لتقدم كدليل للقضاء الدولي.

وما زال قيصر حتى الآن مجهول الهوية، إذ يرفض الكشف عن اسمه إلا أمام المحققين الدوليين والدائرة المقربة جدا منه. وبصعوبة وبعد إلحاح، قبل لقاء السفير الفرنسي السابق في سوريا إيريك شوفاليي في تركيا، ليسافر بعدها لاحقا إلى أميركا ويقابل جون ماكين ثم يزور البيت الأبيض، وكانت فرنسا أيضا ضمن سلسلة زياراته في سبيل إعداد الملف ليعرض على القضاء، وضمان صحة الوثائق التي يمتلكها لتعرض أمام محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن وأيضا لضمان حياته وأسرته من بطش النظام.

الجهود التي بُذلت لتحويل الصور إلى ملفات مؤرشفة ومصنّفة يسهل الوصول إليها، تطلبت جهدا بشريا وعاطفيا استنزف القائمين به، إذ تم الأمر في مكتب التيار الوطني في اسطنبول، بالاستعانة بعدد من الأشخاص الموثوق بهم في سبيل ذلك، ثم عُرضت بعدها على مختصين وخبراء من أوروبا والولايات المتحدة لأجل التأكد من صحتها، وهذا ما أنكره بشار الأسد في لقاء أجري معه بعد صدور الصور قائلا إنه لم يسمع بقيصر هذا ونفى أن تكون هذه الصور ملتقطة في سوريا.

يحوي الكتاب الكثير من المعلومات والشخصيات بأسماء وهمية وأخرى حقيقية إلى جانب التنقلات واللقاءات السياسية السرية والعلنية. والمهمة التي قام بها قيصر والجهود المبذولة في سبيل إيصال ما يمتلكه من صور للمجتمع الدولي هي اختبار للإنسانية وقوانينها من أجل محاكمة طاغية هذا العصر ووقف شلال الدم السوري. قيصر الآن موجود في قرية شمال أوروبا، ويقول إنه يرغب في نشر الصور في سبيل أن يعرف أهالي المفقودين مصائر أقربائهم، ويقول كذلك إنه قدّمها للعالم، في سبيل تحقيق العدالة، لكنه وبعد مشاهدتها مرارا لا يريد أن يتحدث بل يريد أن ينسى.

لا يمكن الحديث عن “عملية قيصر” ببساطة، لا بد من قراءة الكتاب لغناه بالمعلومات والوثائق والجهد السياسي والدبلوماسي على الصعيدين الدولي والسوري، في سبيل إيصال صوت الحقيقة.

7