عمليتا القطيف والدمام تؤكدان تمدد الطائفية في الشرق الأوسط

العمليات الإرهابية التي تضرب دول الشرق الأوسط تتخذ من التنوع الإثني والطائفي ركيزة لها، حيث أن الجماعات الجهادية، التي تعتبر عملها إعلاء لقيمة الدين والدين من أعمالها براء، تجعل من إثارة النعرات الطائفية والمذهبية وسيلة لتمددها وبث أفكارها المتطرفة، ويرى الخبراء في هذه الحركات أن هناك مشاريع استخباراتية تقف وراء أعمال هذه الفئات التي طوعتها لخدمة مشاريعها في بث الفرقة بين طوائف دول الشرق الأوسط وإثنياته ولا فرق بين داعش وغيره من التنظيمات الجهادية حيث يجمعها الإرهاب والعنف.
الأربعاء 2015/06/10
التمذهب العقائدي والديني الخطر القادم إلى الشرق الأوسط

أسئلة كثيرة ترددت حول العمليتين الإرهابيتين اللتين حدثتا في القطيف والدمام بالمملكة العربية السعودية مؤخراً، وأصابتا مُصلين في مسجدين من مساجد الشيعة، وتبنى العمليتين إرهابيو داعش، ومن بين هذه الأسئلة سؤال: مَنْ المستفيد؟

وهذا السؤال وغيره ذكرنا بما دار من أسئلة في الشارع المصري قبل سنوات، حول عملية الكنيسة المصرية التي حدثت عام 2011، وراح ضحيتها 22 مصريا من الديانتين المسلمة والمسيحية (13 مسلما و9 أقباط)، وكذلك ما تردد قبلها من نظريات حول الإرهاب عقب عملية كنيسة النجاة في العراق عام 2010، لقد تبجحت التنظيمات الإرهابية، القاعدة وقتها، ومن بعدها وليدها المسخ المشوه، داعش بقتل المسلمين والمسيحيين سعوديين وعراقيين ومصريين ولبنانيين وغيرهم، ونحاول الإجابة هنا عن سؤال، لماذا هذا الإصرار على قتل الناس في دولنا، خصوصا في المناطق التي تعتبر مناطق احتكاك بين ديانات أو بين طوائف دينية متعايشة في دين واحد؟

الإرهاب الداعشي في العراق على سبيل المثال يقوم بالتفجير في منطقة للشيعة ثم يعقبها بحادثة مماثلة في منطقة للسنة، وحين وصل هذا التنظيم إلى اليأس من بذر بذور الفتنة في العراق اتجه إلى المملكة العربية السعودية، لزرع الفرقة بين أفراد الشعب الواحد، وزرع عدم الثقة في الأجهزة الأمنية، وقدرتها على حمايتهم كمواطنين يعيشون في بلادهم.

بالضبط كما فعل قبل سنوات في مصر، فقد وضع نصب عينيه أعمال سكين الغدر، والفتنة بين المسيحيين (الأقباط) والمسلمين، في بلاد تعاني منذ سنوات من أزمات كثيرة خلقتها ظروف داخلية وخارجية، وعقدتها الأزمة المالية العالمية منذ عام 2009، حيث تضاعفت متاعب الطبقات الوسطى والفقيرة في هذا البلد العربي الكبير، إضافة إلى ذلك عزف الدوائر الغربية على وتر الأقليات في مصر، والمقصود هنا الأقباط تحديدا، وقبلها على سكان منطقة النوبة جنوب مصر، لإحداث الفرقة طولا وعرضا في مصر.

من غير المعقول أن يكون ذبح السعوديين والعراقيين والمصريين مسلمين ومسيحيين إعلاء لراية الإسلام

حادثة الإسكندرية في مصر، والتي تم فيها إحداث تفجيرين انتحاريين، الفارق الزمني بينهما خمس دقائق، في منطقة تقع فيها كنيسة وجامع، والمسافة بينهما عدة أمتار فقط، وأثناء الاحتفال بعيد الميلاد، فقد تم اختيار المنطقة بدقة لتكون منطقة احتكاك بين مكانين للعبادة، والهدف واضح من هذا الاختيار، اتهام هذا الطرف للآخر على أمل إشعال الفتنة الدينية في مصر بين الأقباط والمسلمين لزعزعة الأمن والسلام في هذا البلد العربي الكبير، وبهذه الوسيلة الخبيثة وبذات السيناريو، الذي يعاد تمثيله بحذافيره هذه المرة في المملكة العربية السعودية، وقد استخدم قبل ذلك مرات كثيرة في العراق، لخلق الفتنة الطائفية.

ولكن العراقيين كانوا أنبه من أن يخدعوا بما يراد لهم من مصير، فاتّبع المجرمون نهجا آخر يعزف على خلق الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في العراق، وفي مصر وفي لبنان والسودان، وأينما يوجد طيف آخر، وفي كل مرة يقول العقلاء ابحثوا عن المستفيد من خلق الفتنة؟

ومن يكون صاحب المصلحة في تفتيت مصر إلى دولة صنيعة للأقباط وأخرى للمسلمين، وعلى نهج تقسيم السودان الذي جري سيناريو تقسيمه على أسس دينية منذ سنوات ليصير دولة ضعيفة ممزقة بالحرب الأهلية بين المسيحيين في الجنوب ودولة للمسلمين في الشمال تغرق في مشاكل الفقر وتعاني من أزمة إثنية كبيرة كأزمة دارفور التي لم تحل إلى اليوم، ونفذ بعد ذلك تقسيم أكبر دولة عربية مساحة إلى بلدين بين شعبيهما الكثير من ذكريات الماضي والحياة المشتركة.
المجرمون يسعون إلى خلق فتنة بين المسلمين والمسيحيين في العراق، وفي مصر ولبنان وأينما يوجد طيف آخر
ما نشرته الصحافة المصرية وقتها حول الحادثة يدل على أن مثقفي مصر على دراية تامة بما يراد لمصر، وما يراد لشعبها، لمسلميه وأقباطه، فقد صرح إمام الأزهر الشيخ أحمد محمد الطيب حالما وصله خبر التفجير الآثم «اليوم الكنيسة وغدا الجامع» وما قاله إمام الأزهر لا يحتاج إلى تفسير، وكما الكنيسة تم استهدافها، فإن الجامع سيكون مستهدفا من العدو نفسه، وقد كان أول ضحايا انفجار الكنيسة المصرية بائع مصاحف يجلس في كشك صغير أمام الجامع، فتحول في لحظات إلى أشلاء بسبب الانفجار.
الظروف الاقتصادية كانت ضاغطة على الفئات الشعبية الواسعة في مصر، وهي بالطبع الخميرة المطلوبة لتنشط بينها مجاميع الإرهابيين الذين يوزعون الأموال والأمل بالجنة الموعودة، ومع هؤلاء الإرهابيين إدارة دولية للإرهاب، مخترقة بالطول والعرض من المخابرات الأجنبية، التي يهمها أن تقع الفتنة الطائفية في هذا البلد أو ذاك، للحصول على النفط بأسعار منخفضة، ولاستثمار ما يحدث لبيع ما لديها من أسلحة وأعتدة كاسدة في مخازن شركاتها.

العقلاء في السعودية يرون أن أي حادثة إرهابية من هذا النوع تتطلب معرفة المستفيد مما حدث أولا، والأصابع كلها تشير إلى أن ما فعله الإرهابيون في الولايات المتحدة وأوروبا، والذي كان وبالا على المسلمين وكان مسيئا للدين الإسلامي، وأن من يقوم بهذه الأعمال البشعة هو في الحقيقة ضد الإسلام والمسلمين، وأنه مخترق من أجهزة استخباراتية أجنبية معادية لا تريد لدولنا الخير ولا تريد لمجتمعاتنا أن تبقى موحدة تعيش في دعة واطمئنان، وما حدث ويحدث في هذا البلد أو ذاك من بلداننا يشير بأصابع الاتهام لهذه الجماعات الإرهابية ويؤشر على أنها مخترقة طولا وعرضا ولكل من يدفع الأموال لقادتها، فمن غير المعقول أن يكون ذبح السعوديين والعراقيين والمصريين مسلمين ومسيحيين إعلاء لراية الإسلام.

13